د. عبدالوهاب الأفندي
(1) في مطلع هذا الأسبوع نظمت مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية في جامعة لندن مؤتمراً يقارن بين تناول الإعلام العربي والغربي للشؤون العربية. وقد شارك في المؤتمر ثلة من الإعلاميين والأكاديميين من بريطانيا والعالم العربي. وكما هو متوقع تصدرت تغطية قضايا فلسطين والعراق والحركات الإسلامية النقاش الذي عكس الخلافات المتوقعة حول هذه الأمور.(2) كان لا بد أيضاً من تناول قضية الحريات في العالم العربي، وكما هو متوقع فإن الصحافيين الذين جاءوا من هناك جأروا بمر الشكوي من الضغوط التي يتعرضون لها. أحدهم حكي كيف أنه ظل يغدو ويروح إلي المحكمة لعامين فقط لأن صحيفته أوردت تصريحات قيلت داخل البرلمان!(3)كان من نصيبي وبعض الإخوة الحديث عما إذا كان ما يمكن أن يطلق عليه إصطلاحاً تسمية الإعلام القومي (أو البان ـ أراب)، أي الموجه إلي الجمهور العربي قاطبة وليس لبلد عربي واحد، عما إذا كان هذه الإعلام قد ساهم في دعم الديمقراطية. وكما هو متوقع فإن معظم الحديث هنا تركز علي قناة الجزيرة التي أوشكت أن تصبح مثل قصيدة عمرو بن كلثوم التي ألهت بني تغلب عن كل مكرمة. وإن كان البعض قد حذر من أن الافتتان بقناة الجزيرة قد أصبح بديلاً للنضال الحقيقي، بحيث أن الجماهير أصبحت عندما تقع الأحداث العظام في بلادها تسارع بالعودة إلي المنازل لمشاهدة البث الحي علي الجزيرة بدلاً من أن تذهب إلي الشارع للمشاركة في صنع الأحداث.(4)كان علي أن أذكر الحضور بأن الجزيرة ليست هي كل الإعلام القومي، الذي كانت ولا تزال تسيطر عليه دولة نفطية واحدة لا علاقة لها بالديمقراطية. وفي هذا الصدد استعدت أول تجربة لي مع إعلام البان ـ أراب حينما كنت طالباً في فرنسا في مطلع الثمانينات وكتبت مجموعة مقالات عن الصراع العربي الإسرائيلي بعنوان من نينوي إلي تل أبيب وقمت بإرسالها إلي مجلة المستقبل في باريس. وبعد حوالي أسبوعين تلقيت برقية من مكتب الصحيفة تطالبني بالحضور فوراً إلي باريس.(5)استقبلني الراحل نبيل خوري في مكتبه الفخم في شارع جورج الخامس وأبلغني أنه أعجب كثيراً بالمقالات ويريد نشرها، وسألني كم أريد كمكافأة، ووافق بدون مناقشة علي المبلغ الذي طلبته، قبل أن يسألني: هل تريدني أن أنشر المقالات كما هي وأبيع في شارع جورج الخامس هنا، أم تريدنا أن نصل إلي القارئ العربي؟ قلت بالطبع أريدها أن تصل إلي أكبر عدد من القراء. فقال إذن لا بد من أن تعيد النظر فيها وتحذف كل ما شأنه أن يغضب الحكومات. وبالفعل أخذت إلي ركن قصي في أحد المكاتب، وزودت بما يكفي من الساندويتشات والمشروبات، وتفرغت لبضع ساعات وأنا أحذف في همة كل إشارة سالبة لسياسات الدول العربية العشرين، ثم مضيت لحال سبيلي. ومع ذلك منعت بعض الحلقات في بعض الدول العربية، مثل الحلقة التي تحدثت عن أنني ضد الوحدة العربية لأنها تعني وحدة الدكتاتوريات. (ولمن يهمه الأمر فإن فاعل خير ـ أو مغرض يريد أن يسبب لي المتاعب ـ قد قام بإعادة نشر تلك المقالات علي الإنترنيت).(6)قناة الجزيرة قد ساهمت بلا شك في كسر كثير من المحرمات، وتحدت كثيراً من الممنوعات. بل إن بعض المتحدثين ذكر أن القنوات التي أنشئت عمداً لمنافستها ساهمت بدورها في توسيع رقعة الحريات. ولكننا يجب ألا ننسي أن قناة الجزيرة تظل محاربة اقتصادياً بحيث أنها بالكاد تتلقي إعلانات رغم أنها القناة التي يشاهدها أضعاف من يشاهدون غيرها، هذا علاوة علي أنها تمثل أكبر صداع لوزارة الخارجية القطرية من كثرة ما يردها من احتجاجات قومية عربية ضد القناة. ولا ننسي كذلك التهديد بقصف القناة التي ثبتت صحته بحكم المحكمة الأسبوع الماضي ضد من سربوا المذكرة السرية.(7)صحيفتنا هذه ( “القدس العربي” )، والتي تعتبر صنو الجزيرة في كونها أكثر الصحف العربية القومية جرأة وتحدياً للمحرمات، تظل محاربة أيضاً، وتبقي محظورة في نصف الدول العربية. وبحسب الأخ رئيس التحرير فإنه إذا لم يقم بمنعي من الكتابة قريباً فإنها ستمنع في النصف الباقي.(8)خلاصة الأمر هي أنه ـ وبالرغم من الاستثناءات التي تؤكد القاعدة ـ لا تكاد يوجد لدينا صحافة قومية تستحق الإسم، لأن صحافتنا القومية والمحلية ما تزال صحافة القارئ الواحد مثلما كان شعراء البلاط في ماضينا لهم زبون واحد هو الحاكم. ومثلما كان السلاطين في الماضي يسمحون لشعراء البلاط بهجاء القبائل الأخري، بل ويشجعونهم علي ذلك، فإن صفحات الصحف إياها تعج بالانتقادات المتبادلة بين الراديكاليين والليبراليين، وبين الإسلاميين والعلمانيين، وبين القوميين والقطريين. ولا تغيب عن صفحات تلك الصحف الانتقادات للأنظمة المغضوب عليها. ولكن الأمر كله أشبه بمسرح للعرائس تحركه أيد من الخلف، وتوقفه متي تشاء.(9)لكي يساهم الإعلام القومي (وحتي المحلي) في دفع عجلة الديمقراطية فلا بد من أن ترفع الدولة يدها عن الاقتصاد وأن تفتح الحدود، حتي ينتقل الكتاب والصحيفة بدون حواجز، ويكون السوق وإقبال القراء هو الحكم في نجاح المؤسسة الإعلامية من فشلها. وبدون هذا فإن الإعلام يبقي أسيراً مثله مثل بقية مؤسسات وأفراد الأمة في عهد الحاكم الواحد والقارئ الواحد والرأسمالي الواحد.