الإعلام المغربي و’الإفلاس نيوز’

حجم الخط
0

أحمد السنوسي حاول العديد من الأنظمة العربية التعامل مع الواقع الإعلامي الدولي الجديد، الذي قفز فيه الإعلام من وضعه كـ’سلطة رابعة’ إلى مرتبة السلطة الأولى، بدون منازع. وقد كان التعامل متعددا ومتنوعا، فيما الاستبداد ‘ملة واحدة’. ففي الحالة المصرية، لعبت سلطات وأجهزة نظام حسني مبارك ورقة الانفتاح على الصحافة المكتوبة بوجه خاص، فتبارت جرائد الأحزاب في إجراء محاكمة يومية لنظام متعفن، يعتبر أن ‘حرية القول’ قادرة على امتصاص الغضب الشعبي، والإسهام في تفريغه أمام فساد جامح لطبقة حاكمة أفرطت في الجشع إلى درجة الغثيان. لكن هذه الخطة أفلست تماما، وكانت الكلمة الأخيرة لغضب شعب ميدان التحرير.

في تونس، انقلبت المعادلة رأسا على عقب في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، الذي سيج الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي، وحارب، بلا هوادة، الكلمة المعارضة، وجعل من إعلامه السمعي البصري جوقه الذي يسبح بـ’أفضاله’ على الأمة. وفي آخر أيامه، وزع تراخيص إنشاء إذاعات وتلفزات ‘مستقلة’ على أصهاره وأقربائه الموكلة إليهم مهمة إغلاق كل منافذ الرأي الآخر. وبدورها، أفلست خطة الإغلاق التونسية، بنفس الطريقة التي أفلست بها خطة ‘الانفتاح’ المصرية. أما في المغرب، فهناك ما يسمى بـ’الإعلام العمومي’، الذي تموله السلطات من الضرائب المباشرة التي أدمجتها في فواتير الكهرباء، وهو ما يعني أن المواطنين الذين لا يتوفرون على جهاز استقبال تلفزي، أو يرفضون أن يقتحم هذا الجهاز بيوتهم وحميميتهم، أو لا تصل الكهرباء أصلا إلى أكواخهم، فهم يؤدون، على الرغم من أنوفهم وعيونهم المغمضة عن استقبال الخطاب الرسمي الوحيد، الضريبة ويمولون إعلاما لا يرغبون فيه. وهو ما دفعهم إلى القول، إننا نمول النور وهم ينشرون الظلام (الإعلامي). منذ أيام، كان لا بد لي أن أشارك في وقفة احتجاجية نظمها النقابات والعاملون في القطاع السمعي البصري ‘العمومي’، بعد أن طفح الكيل، وتعاطى المسؤولون العلنيون و’السريون’ عن هذا القطاع مع انتفاضة الشباب المغربي بالكثير من التعتيم وتزوير حقيقة التظاهرات الشبابية، المطالبة بوضع حد نهائي للاستبداد، بل إنهم حرصوا على تزييف الأرقام حول عدد المتظاهرين، من شمال البلاد إلى جنوبها، في محاولة للتبخيس من شأن الانتفاضة المغربية، وتحويلها إلى سَقْطِ مَتَاعٍ، و’لعب صبيان’. ولكن الحقيقة الساطعة هي عكس ذلك، حيث خرج المغاربة بالآلاف متضامنين مع حركة 20 فبراير، ومساندين ومؤيدين لمطالبها التي هي مطالبهم. إن إعلان النوايا شيء، ومواكبة الإعلام ‘العمومي’ شيء آخر. فهذا الإعلام لم يتردد، ليلة تنظيم مظاهرات الشباب غير المسبوقة، يوم 20 فبراير، في ‘تسريب’ أخبار حول إلغاء التظاهرات من قبل الشباب أنفسهم، وهو ما كذبه الحضور الهائل للشباب في شوارع البلاد ومدنها وحواضرها الكبرى والقرى النائية، حيث حملت لافتات الشباب لغة جديدة نددت ببؤر الفساد في كل القطاعات، بما فيها قطاع الإعلام العمومي، خصوصا بعد أن طالب احد الشعارات برحيل ‘بوليس الإعلام الرسمي’. وهي دعوة احتضنها العاملون في هذا القطاع، الذي يعيش وضعية الحراسة المشددة، والتعليمات الفوقية، و’الهواتف الحمراء’، التي تصادر نبوغ الصحافيين والتقنيين، وترفض المبادرة والاقتراح، إلى درجة أن قنوات وإذاعات القطاع العمومي تحولت إلى مخافر للشرطة، يعيش بداخلها العاملون أوضاعا نفسية سمتها الإحباط والتيئيس، وأوضاعا إدارية مزرية أساسها المحسوبية والزبونية، وجوهرها تهميش وإقصاء الكفاءات التي هاجر بعضها إلى فضائيات عربية ودولية، بحثا عن نسيم الحرية، بعيدا عن أجواء إعلام معلب، يتم تسييره وتوجيهه بجهاز التحكم عن بعد، وبعيدا عن المحرمات السلطوية السابحة ضد تطلعات شعب بأكمله إلى الحق في أن يعكس الإعلام العمومي الممول من عرق الشعب آراء مختلف المشارب والتوجهات الفاعلة في المجتمع المغربي، خارج أي تدجين أو احتقار لذكاء الشعب، أو استهانة بواقع عصر وسائل الاتصال الجديدة، الذي يحول دون أن يتحكم السلطويون في جموح المعلومة والرأي الحر، ووصولها إلى المتلقي بسرعة وسلاسة، من دون أن تمر عبر قنوات بدعة ‘وزارة الاتصال’ (الإعلام) الرسمية المنبوذة شعبيا في المغرب، وحتى في الديمقراطيات التي تحترم نفسها، والتي يصر البعض على أن تظل سيف الرقابة المسلط على الرقاب، حيث عملت على إغلاق منافذ الرأي الآخر في المغرب. وعملت، على سبيل المثال لا الحصر، على إغلاق مكاتب قنوات دولية في الرباط، ورفضت تجديد اعتماد صحافيين عرب وأجانب، بل ورفضت الإفراج عن قانون الصحافة الجديد، لكونها تحبذ الاحتفاظ بالقانون الحالي، الذي ليس سوى استنساخ للقانون الجنائي الذي يفترض أن الصحافي مجرم محترف حتى تثبت براءته. وإذا كانت قنوات القطب العمومي، التي يشرف عليها فيصل العرايشي، قد أصبحت وسيلة من وسائل التعذيب، فإن الأيادي الخفية التي تحرك المدير ‘فيشل’ العرايشي هي التي تجلد المغاربة وتعذبهم بهذه القنوات والفضائيات المضرة بالصحة والمال العام. وعلى أية حال، فقد وصل القطاع السمعي البصــــري في المــــغرب إلى حافة ‘الإفلاس نيوز’. وهو ما تأكد فعلا على يد المدير العام الساقــــط بالمظلات على قنوات يقاطعها اليوم كل الشعب المغربي، ولا يشاهدها إنس ولا جان. واليوم، فإن من ضمن شعارات ولافتات حركة 20 فبراير الشبابية، التي وضعت الإعلام العمومي ضمن فصيلة المؤسسات الفاسدة، وما أكثرها في المغرب، حيث اعتبر الشباب المغربي الغاضب والثائر أن هذا الاستبداد الإعلامي عائق كبير، إذ لا مستقبل لأي إعلام يضع نفسه في خدمة التضليل والاستبداد، وفي خدمة خطته لتغييب الرأي الآخر، والتعتيم على تطلعات الجماهير. فلا إعلام بدون حرية. ‘ كاتب وفنان مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية