الإعلام في العالم العربي: الحلقة الأضعف أثناء الأزمات؟

حجم الخط
0

تعرضت العديد من وسائل الإعلام والصحافيين في البلدان العربية التي شهدت أو ما تزال تشهد احتجاجات وانتفاضات لتضييقيات كبيرة. فما هي الأهداف التي تقف خلف استهداف تلك المؤسسات ومنعها من تغطية الأحداث؟

في ظل الاحتجاجات التي تشهدها بعض الدول العربية، وجدت العديد من وسائل الإعلام المحلية وحتى الدولية نفسها تعمل تحت ضغوط كبيرة أو مقيدة، وفي الكثير من الأحيان غير مرغوب فيها. فبالرغم من تعدد الاسباب التي تسوّقها الحكومات تجاه إجراءاتها المتخذة إلا أن النتيجة واحدة، وهي التضييق على وسائل الإعلام والصحافيين للوصول إلى مصادر المعلومة ونشرها، ما يعد انتهاكا لأسس حرية التعبير.

فآخر القرارات التي طالت تلك المؤسسات، كان بحق قناة “الجزيرة” إذ أعلنت الشبكة القطرية أن المجلس العسكري الانتقالي السوداني قرر إغلاق مكتبها في السودان وسحب ترخيصه (30 مايو/أيار)، فيما استنكرت الشبكة في بيان قرار إغلاق مكتبها في الخرطوم واعتبرته “غير مبرر”، مؤكدة “التزامها بسياساتها التحريرية في تغطية الشأن السوداني ونقل تطورات الأحداث فيه”.

والجدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي يُقرر فيها إغلاق مكتب شبكة “الجزيرة” فقد طبق ذات الإجراء في كل من العراق ومصر وسوريا والجزائر. كما أنها لم تكن المؤسسة الوحيدة التي تم إغلاق مكاتبها في السودان منذ اندلاع الاحتجاجات، إذ أغلق قبل ذلك مكتب قناة “العربية” في الخرطوم الشهر الماضي. إضافة إلى إغلاق مكاتب إعلامية مختلفة في البلدان العربية الأخرى التي شهدت أو ما تزال تشهد احتجاجات شعبية.

أما في الجزائر، فمع بدء الاحتجاجات المناهضة لحكم بوتفليقة في 22 شباط/فبراير 2019 سارعت السلطات هناك إلى سحب عقود الدعاية من العديد من وسائل الإعلام لإجبارها على عدم نقل الأخبار المتعلقة بالمظاهرات. بينما تظاهر رجال الإعلام (من القطاعين الخاص والعام) في عدة مناسبات للتنديد بالتضييق الذي يتعرضون له من قبل الجهات السياسية والأمنية الفاعلة في البلاد.

ويرى رشدي شياحي، صحافي مقيم في ألمانيا، أن هناك تفسيرين لهذا التضييق على وسائل الإعلام في العالم العربي ومنعها من تغطية الأحداث الساخنة. الأول يقوده خوف السلطة من أثر المعلومة أو الخبر في توجيه الرأي العام بما لا يتماشى مع مصالحها، وبالتالي فإنها (السلطة) تسعى إلى قمع الأصوات التي لا تتماشى مع توجهاتها وخنق أي منبر يريد إيصال صوت الشعب إلى العالم. والتفسير الآخر يكمن في أن بعض وسائل الإعلام المعروفة لديها أجندات سياسية خاصة بالدولة أو الجهات التي تمولها، والتي قد لا تتوافق مع مصالح دول أخرى. وضرب مثلا على ذلك بالقول: “على سبيل المثال الجزيرة ومقرها قطر، قد يكون سبب إغلاق مكتبها في السودان بناء على طلب من الدول التي لا تتقاطع مصالحها مع قطر”.

أما في الجزائر فقد شهد الإعلام في بداية الاحتجاجات “حملة تضييق” واسعة طالت العديد من وسائل الإعلام المحلية بمختلف أنواعها سواء المطبوعة أو المرئية، كما منع البث المباشر للمظاهرات. وقال شياحي: “على الرغم من “حملة التضييق” إلا أن الحراك قد أصبح كالسيل الجارف لا يمكن منعه أو إيقافه. وبفضل إرادة الشعب كُسر القيد وحرر معه أمور كثيرة وليس فقط الإعلام”. وأضاف: “حتى موظفو التلفزيون العمومي قد شاركوا في المظاهرات”.

وأكد أن وسائل الإعلام في خضم ما بات يعرف بـ”ثورة الابتسامة” قد استمدت قوتها من المظاهرات التي يقوم بها الشعب. وخصوصاً بعد اعتقال بعض رجال السلطة الذين كانوا يسيطرون على الإعلام في البلاد، كشقيق الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة سعيد بوتفليقة ومدير جهاز الاستخبارات في الجزائر محمد مدين المدعو الجنرال توفيق بمساعدة الجيش. مما أعطى مساحة أكبر لوسائل الإعلام على الرغم من وجود فوضى في التعامل مع وسائل الإعلام الجزائرية حتى الآن.

طمس الحقيقة

ويرى د. وائل عواد، كاتب وصحافي خبير في شؤون الشرق الأوسط، أن استهداف وسائل الإعلام سببه الرغبة في طمس الحقيقة أو تجزئة ما يحصل على أرض الواقع لخدمة المصالح. إذ يجد أن حرية التعبير عن الرأي أصبحت ضيقة وتشكل تحدٍ كبيرا للصحافيين في معظم دول العالم بما فيها الدول التي تدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية. إذ قال: “لو نظرنا إلى التقييم السنوي لحرية الرأي في العالم نجد أن هذه حقيقة وليست مجرد تكهنات”.

وقال إن الصحافي هو الحلقة الأضعف في النزاعات، حيث يتعرض للابتزاز من الأطراف المتنازعة. وأضاف: “في الوقت الذي يسعى فيه الإعلامي لإيصال الحقيقة، يواجه تحديات كبيرة وقد ينتهي به المطاف خلف القضبان”. فقد كشف تقرير لجنة الدفاع عن حقوق الصحافيين عن وجود أكثر من 260 صحافيا في السجون في العالم، وقد كانت مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا في المقدمة بالنسبة لعدد الصحافيين المعتقلين.

ومن جهة أخرى، أكد د.عواد على أن دور الصحافي إنساني قبل كل شيء وأن هذه المضايقات لا يمكن تجنبها، ولكن يمكن تفاديها عبر أخذ وجهات نظر كافة الأطراف في عين الاعتبار.

الحيادية المهنية في الإعلام

وتواجه العديد من وسائل الإعلام العربية المعروفة بتأثيرها على الرأي العام انتقادات واسعة وقد تصل حد الاتهامات بإثارة الفتنة الطائفية وإشعال فتيل الحروب الأهلية أو النزاعات لخدمة أجنداتها السياسية. وبهذا الخصوص قال شياحي إن الحيادية في الإعلام تكاد تكون مستحيلة: “فخلال عملي في وسائل الإعلام العربية والعالمية يمكنني القول بأنه لا توجد مؤسسات إعلامية حرة وحيادية مئة في المئة”. وأضاف أن كل مؤسسة إعلامية لديها خطها التحريري الخاص بها وسياستها الخاصة سواء كانت ظاهرة أو مخفية.

فيما يرى أنه في العديد من الدول العربية هناك ازدواجية المزاج في التعامل مع الصحافيين ومقيدة بقوانين أمنية تعيق العمل الصحافي الحر. ويعتقد أن الكثير من وسائل الإعلام العربية لم ترتق إلى المستوى المرموق في الحيادية والموضوعية وقد يكون للكثير منها أجندات خاصة تخدم الدولة والجهات المالكة لهذه الوسائل. (Dw)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية