الإقطاعية الجديدة: أي ثقافة للعمل الذي فقد احترامه؟

شهدت دول مختلفة حول العالم، بما فيها دول عربية مثل تونس والسودان، احتجاجات شعبية واسعة، لعبت فيها التنظيمات النقابية دوراً مهماً، ما دفع كثيراً من المحللين للحديث عن عودة «الاجتماعي» بعد عقود من انتشار نظريات عن تراجع القضايا الطبقية والمعيشية، لمصلحة قضايا «الفئات الجديدة» القائمة على مفهوم الاعتراف الهوياتي بمجموعات توصف بـ«الأقلوية» أو «المهمشة». ورغم هذا لا يبدو أن «الطبقة العاملة» قد عادت إلى الواجهة السياسية مجدداً، لتتولى قيادة الحراك الاجتماعي، كما أنها لم تبد قدرة كبيرة على تمثيل مصالح الفئات الاجتماعية المشتتة، التي تتنوّع ظروفها وأسباب احتجاجها، دعك من توحيدها في كتلة واحدة، تتمتع بحد أدنى من التنظيم.
خسارة الطبقة العاملة لجانب كبير من رأسمالها الرمزي، بكل ما تعلّق به تاريخياً من عناصر نضالية وتضامنية، لا يمكن رده لفقدانها مركزية دورها الاجتماعي، وتراجع أهميتها الإنتاجية، أو لتقدم سياسات الهوية فحسب، بل أيضاً لأن العمال، الذين يتمتعون بدعم ظهير تنظيمي متماسك إلى حد ما، يعتبرون، في نظر كثيرين، من أصحاب الامتياز، فمن يمتلك القدرة اليوم على الإضراب، أو المطالبة، عبر تنظيمات نقابية، بحقوق تتعلق بالمعاشات التقاعدية والتأمينات الاجتماعية وظروف العمل، ليس سوى فئة محدودة من العمال المحظوظين، الذين غالباً ما يعملون في قطاعات مستقرة، ولدى جهات تعترف بالحد الأدنى من حقوق عامليها، أي أساساً، الموظفين لدى الدولة؛ العمال المهرة في الصناعات المتقدمة؛ المعلمين والمهندسين وغيرهم من المهنيين.
إلى جانب هؤلاء العمال المتمتعين بالامتياز، والوظائف شبه الثابتة حتى التقاعد، يوجد جيش هائل من العمال غير المستقرين، الذين يعملون في وظائف غير آمنة، دون أن تكون لديهم إمكانية تأسيس أي تنظيم نقابي، أو ضمانة للمستقبل، أو حتى تحديد واضح لطبيعة مهنهم، مثل العمال الموسميين؛ المتدربين المهنيين؛ الطلاب العاملين بدوام جزئي؛ المشتغلين بمجال نقل الطرود والأطعمة؛ المهاجرين غير الشرعيين العاملين في القطاعات غير النظامية؛ عاملي المجال الثقافي الباحثين عن التمويل؛ إلخ. هؤلاء العمال، الذين يمكن تلخيص طبيعة نشاطهم الحياتي بخدمة الأشخاص المتمتعين بدخل أعلى، لا ينطبق عليهم التعريف الكلاسيكي للطبقة العاملة، ولا تمكّنهم ظروف عملهم من الالتقاء في أماكن شبيهة بالمصانع القائمة على النمط الفوردي – التايلري (الإنتاج الجماعي المنظّم خلف خط إنتاج) التي كانت تتيح شكلاً عفوياً من التضامن والتعاضد بين العمال. وباتوا، في الوقت نفسه، أغلبية العاملين في عالم اليوم، ويُعرّفون غالباً بشكل هوياتي، أي بوصفهم نساءً وملونين وأبناء أقليات وعمالاً بيضاً. فكيف يمكن إعادة تعريف «الاجتماعي» في ظرف إنتاجي يسود فيه عاملون لا يمكنهم أن يصبحوا «طبقة»؟ وما القوة السياسية والثقافية للعمل في ظرف أصبح الجميع فيه مجبرين على «المرونة»؟

السادة والفلاحون

برز مصطلح «الإقطاعية الجديدة» Neofeudalism في عدد من الدراسات المعنية بتطور الرأسمالية المعاصرة، لشرح التحوّل نحو نمط من النمو غير القائم على التوظيف الواسع في المجال الصناعي، بقدر الاعتماد على تحقيق الفوائض من خلال عمليات غير إنتاجية بالمعنى التقليدي، مثل المضاربة والاحتكار والإكراه، وبيع البيانات، والاستفادة من الامتيازات والإعفاءات الضريبية، التي تمنحها الحكومات الراغبة بجلب الاستثمارات.
من بين كل هذه العمليات المنتجة للقيمة يلعب الإكراه دوراً مهماً في فهم طبيعة عمليات التوظيف في عصرنا، وهو شبيه بالممارسات الإقطاعية في العصور الوسطى، حين تمتعت مجموعة من الأشراف والنبلاء بامتيازات خاصة من إدارة الإمبراطوريات القائمة آنذاك، ما أتاح المجال لظهور مجموعة من السلطات الإقليمية، مبنية على علاقات ولاء وتبعية معقدة ومتداخلة، تندمج فيها القوة الاقتصادية بالقوة السياسية، فرض فيها النبلاء أنظمتهم الخاصة، وانتزعوا جانباً أساسياً من إنتاج الفلاحين، مقابل حمايتهم من الهجمات الخارجية، ولقاء استفادتهم من بعض احتكارات السادة، مثل الأراضي والطواحين والأدوات الزراعية.
في أيامنا، وبدلاً من الاقتصار على استغلال فائض القيمة من إنتاج العمال، كما كان يحدث في الرأسمالية الصناعية الكلاسيكية، تتمتع شركات كبرى بامتيازات خاصة شبه إقطاعية من حكومات عدة، لأسباب تتعلق بضرورات المنافسة في عصر العولمة، أو حتى لأسباب سلطوية وسياسية، كما في الدول العربية، ما يمكّن تلك الشركات من تحقيق عوائد كبيرة، وتغليب أنظمتها الخاصة، وبناء احتكارات ضخمة، وفرض عقود إذعان على العاملين فيها. الإكراه هنا يتخذ أوجهاً متعددة: تنافس مجموعة ضخمة من المعطلين عن العمل على وظائف محدودة؛ إمكانية فصل وطرد العمال متى يريد مشغلوهم؛ العمل بالسخرة أو بأجر زهيد، مقابل الحماية من الترحيل، أو نيل شهادات خبرة، أو الوعد بالحصول على عمل ثابت في المستقبل؛ مصادرة ملكيات أفراد الطبقات الأدنى، عبر إرهاقهم بالديون والغرامات و»القروض الميسّرة»؛ فضلاً عن فرض نمط من الرقابة على العمال، وأنظمة «عدالة» خاصة بحقهم، بدعاوى أخلاقية أو حتى «تقدمية» فيصبح من الممكن فصل العاملين من وظائفهم أو معاقبتهم، بسبب تعبير أو رأي أدلوا به على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تصرّف قاموا به في حياتهم الخاصة.

يتنافى شرط بيع قوة العمل هذا بالتأكيد مع كل تعريف ممكن لكرامة العمل والعاملين. فعلى الرغم من أن العمال الصناعيين كانوا يتعرّضون بدورهم لأبشع أنواع الاستغلال، إلا أنهم كانوا قادرين، في لحظات الاحتجاج المفصلية، على فرض حضورهم، بفضل الكرامة التي كان عملهم يمنحها لهم، ولقائهم الاجتماعي الدائم بوصفهم عمالاً.

مشكلة «الفلاحين» المعاصرين ليس فقط استغلالهم وإخضاعهم، بل عدم استقلاليتهم، وارتباطهم الثقافي والأيديولوجي بسادتهم، تماماً كفلاحي العصور الوسطى، فعلى خلاف عمال الحداثة الصناعية، الذين تمتعوا، بفضل طبيعة عملهم، بنوع من الاستقلالية، التي مكّنتهم من صياغة أيديولوجيات متماسكة، نافست الأيديولوجيات البورجوازية؛ ومراكمة خبرتهم التاريخية الخاصة، يبدو العمال غير المستقرين اليوم شديدي التبعية لسادتهم الجدد، مؤمنين للغاية بأيديولوجياتهم القائمة على مبدأ النجاح/الخلاص الفردي، وساعين للحصول على ما تيسّر من فرص «التمكين» مع الميل لتعريف ذواتهم بهويات شديدة التشتت، تعيق فرص نشوء تضامن حقيقي، وهذا يعود أساساً إلى شرطهم الاجتماعي والإنتاجي، ففي عصر تصبح فيه الذات الفردية نفسها، بثقافتها ونوعها الاجتماعي وميولها وعواطفها، سلعة ذات قيمة سوقية ما، يصير اتباع أيديولوجيا السادة، أي القيم الأخلاقية والثقافية لرأس المال ذي الامتياز، فرصة لتعظيم إمكانية بيع قوة العمل، وتسويق الذات على منصات التوظيف الافتراضية والواقعية.

عمل بلا كرامة

يتنافى شرط بيع قوة العمل هذا بالتأكيد مع كل تعريف ممكن لكرامة العمل والعاملين. فعلى الرغم من أن العمال الصناعيين كانوا يتعرّضون بدورهم لأبشع أنواع الاستغلال، إلا أنهم كانوا قادرين، في لحظات الاحتجاج المفصلية، على فرض حضورهم، بفضل الكرامة التي كان عملهم يمنحها لهم، ولقائهم الاجتماعي الدائم بوصفهم عمالاً. فقد كان بإمكانهم الإضراب؛ احتلال المصانع؛ تحطيم أو تعطيل الآلات، التي يُجبرون على العمل خلفها لساعات طويلة؛ قطع خطوط نقل السلع؛ إلخ. ما الذي يمكن أن يفعله اليوم عاملون مشتتون، يعيشون علاقات إنتاج «مرنة» حافلة بالوسطاء والوكلاء والتطبيقات الإلكترونية للتوظيف، لا يعلمون في سياقها من هو رب عملهم حقاً، ومدى أهمية إنتاجهم، وقابلية الاستغناء عنهم؟
الكرامة هنا لا تعني فقط الاعتراف المعنوي بقيمة العمل، بل قوة سياسية، تمتع بها العمال في ما مضى، نتيجة مركزية نشاطهم في المنظومة الاجتماعية والسياسية القائمة آنذاك. اليوم تبدو المنظومة بلا مراكز واضحة، والعاملون أصحاب حضور مؤقت وغير متعيّن، وبالتالي فإن العمل منزوع الكرامة، والعاملون الذين لا يستمدون قيمتهم الاجتماعية من عملهم، لا يمتلكان قوة سياسية تذكر، ما يجعل الاحتجاجات الاجتماعية مجرد هبّات مؤقتة، لا تنتج غالباً إلا مزيداً من تراكم اليأس والحقد الاجتماعي، ومطالبة السادة بفتات «التمكين» أي مزيداً من التبعية التي تتطلع لـ»الاعتراف» ومن يمنح الاعتراف سوى من أُقرّ له بامتلاك الهيمنة المادية والرمزية؟

أنبياء البريكاريا

دار نقاش كبير، ضمن أوساط اليسار خلال السنوات الماضية، حول أهمية دور الزعامات الكارزمية في قيادة الاحتجاجات الاجتماعية، فقد افترض كثيرون أن نمط الفردانية المعاصرة لا يقبل الانقياد لزعامة ما، ولذلك فلا بد من إعادة الاعتبار للقائد، سواء كان فرداً أو حتى تنظيماً سياسياً، لضمان توحيد الفئات المحتجة، وفتح المجال للأفراد لفهم إمكانيات فعلهم الاجتماعي، عبر تجسيدها بحضور عيني لشخصية واقعية أو اعتبارية.
إلا أن هذا النقاش، على أهميته، يقوم على افتراض قابل للنقد بقوة، وهو تعارض الفردانية مع النزوع للانقياد، ففي عصر بات فيه رؤساء ومؤسسو الشركات الكبرى نجوماً إعلاميين؛ ومشاهير صناعة الترفيه مناضلين ضد التمييز والتهميش، لا يمكن القول ببساطة إن البشر يفتقرون للقادة والأيقونات، بل ربما نعيش تخمة من «المؤثرين» الذين يمثلون نموذجاً لفردانية ناجحة، يسعى كثيرون لاتباعها. ربما كانت «البريكاريا» وهو الاسم الذي يفضّله كثير من علماء الاجتماع لوصف العمالة غير المستقرة، الفئة الأكثر قابلية تاريخياً للانقياد، بما يتجاوز كثيراً قدرتها على التنظيم الذاتي، ولذلك فقد يكون السؤال الأنسب ليس إمكانية إنتاج الزعامات، بقدر كيفية تحطيم الأيقونات القائمة.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية