الإقليم العربي في حالة انحباس حضاري!

حجم الخط
0

منطقتنا تعاني حاليا من حالة انحباس و انحطاط حضاريين قد لا يمكن مقارنته سوى في القرن الثالث عشر،عندما انهارات تماما الدولة العباسية التي كانت مفككة، و اجتاح المغول البلاد في احد اهم عمليات التدمير الحضاري عبر التاريخ.
ما حصل ويحصل في الآونة الاخيرة هو شيء يشبه الوضع الذي حصل في القرن الثالث عشر.فقد تفككت دول المشرق الاساسية، حيث تسيطر الان عصابات متطرفة تعيث فى الارض فسادا في لحظة تاريخية هامه من تاريخ المنطقة حيث بدا الحراك الشعبي باتجاه التغيير .
فمع دخول العالم و منطقتنا عصر العولمة بدا من الواضح التململ الذي باتت تعيشه بلادنا على وقع التغيرات الكبرى التي تحصل فى العالم. و لم يكن بوسع الدول ذات الطابع السلطاني التكيف مع هذه التغيرات باتجاه تحديث الدولة نحو دولة الحرية والمواطنة. الامر الذي فسح المجال لقوى تطرف تستفيد من مناخات عولمة الاتصالات، و من مناخ انسداد افاق الدولة الوطنية، اضف للمؤامرات الخارجية. كل ذلك ساهم في جر المنطقه الى فوضى عامة قوضت سلطة الدول، و اوجدت دويلات امر واقع صغيرة تبنت اشد اشكل التطرف الديني، وراحت تمعن تدميرا في البنية الحضارية لبلادنا، سواء على المستوى المادي، عبر تدمير معالم حضارتنا المادية. او على مستوى اعمال تطهير عرقي و ثقافي يستهدف مكونات المشرق العربي.
ولم يكن ظهور داعش سببا في حالة الانحطاط هذه، بل نتيجة لانهيار عام فى منظومة القيم المتعارف عليها منذ مئات السنين .ففكر التطرف و غير التطرف لا يأتي من السماء انما هو حصيلة ظروف و عوامل متعددة.
و بالرغم من ان بلاد المشرق انتجت عبر التاريخ نوعا من وعي عام بضروره التعايش المعبر عنها فى المثل الذي يقول ( كل من على دينه الله يعينه! )، لكن الحقيقه انه لم يتم تخليص الوعى العام فعليا من ثقافة ديكتاتورية الحقيقه. والسبب في اعتقادي إن لم يحصل على المستوى التاريخي عملية كي حقيقية للوعي العربي.
هذا الكى كان مطلوبا من قبل الاحزاب العلمانية التي حكمت المشرق العربي لكنها للأسف لم تقم بذلك. لذا ظلت المسافة واسعة بين من يسعون لتطوير بلادنا مستندين على منطق الحداثة، وعلى تجارب و خبرات الشعوب التي سبقتنا في هذا المضمار، و بين الوعي الشعبي الدفين بعودة الخلافة الخ من المسميات ذات الطابع الشمولي الديني و التي لا بد من الاعتراف انها تحمل في بعضها بذور ما نراه اليوم .
ان مشروع التصدي لفكر داعش لا يمكن ان يتم الا من قبل قوى تمثل نقيضا لهذا الفكر وهذا عمل تراكمى يحتاج جهودا جبارة من قبل المؤمنين بثقافة التعايش و قبول الاخر والتسامح. و هو عمل لا بد من الشروع به اليوم قبل الغد. فمنطقتنا تعيش لحظات انهيار حضارية في غاية الخطورة الامر الذي يستدعي جهودا جبارة لمواجهة كل ما ينتجه عصر الانحطاط.
د. سليم نزال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية