الدوحة ـ «القدس العربي»: تمضي الإمارات العربية المتحدة في مسار تطبيع علاقاتها مع إسرائيل من دون الالتفات للتطورات الحاصلة في الساحة الفلسطينية مع وجود حكومة بنيامين نتنياهو المتشددة.
ويضع تولي حكومة جديدة، من المرجح أن تكون الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، الحلفاء العرب الجدد وتحديداً الإمارات، في موقف لا يحسدون عليه، إذ يتعين عليهم التعامل مع قوميين متطرفين وفي الوقت نفسه محاولة القيام بما هو أكثر من مجرد إطلاق تصريحات جوفاء بشأن القضية الفلسطينية.
وتضم حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي أدت اليمين مؤخراً، أحزاباً يمينية متشددة تريد ضم أراضي الضفة الغربية المحتلة التي يسعى الفلسطينيون منذ أمد لإقامة دولتهم المستقلة عليها.
واستطاعت الإمارات الاستفادة سياسياً من علاقاتها السرية القائمة منذ فترة طويلة – والتي تأمل في نموها بشكل كبير – في مجالي التجارة والاستثمار، علماً بأن بعضها مرتبط بالأمن أيضاً. وكان أحد العوامل المحفزة الأخرى التوافق المتزايد على جبهتين: المخاوف المتعلقة بدور إيران المخلّ بالاستقرار في المنطقة والتصور بفك ارتباط الولايات المتحدة بالشرق الأوسط وسط تركيزها الأكبر على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
من الاتصالات السرية للعلنية
توج الاتفاق الدبلوماسي مع إسرائيل بالنسبة للإمارات، سنوات من الاتصالات السرية في مجالي التجارة والتكنولوجيا المهمين، وقد يساعد الدولة الخليجية على تصوير نفسها قوة استقرار في منطقة الشرق الأوسط المضطربة.
وصادقت تل أبيب وأبو ظبي على اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة في كانون الأول/ديسمبر، بعد فوز نتنياهو في الانتخابات. ومن المتوقع أن تكون الأوسع من نوعها بين إسرائيل ودولة عربية.
كما تتلقى العلاقات دعماً من المخاوف المشتركة من أن إيران تشكل تهديداً أمنياً وجودياً لمعظم دول الشرق الأوسط، وتوحي المؤشرات الأولية بأن الجانبين يرغبان في الحفاظ على العلاقة قوية.
ومؤخراً ذكرت وكالة أنباء الإمارات الرسمية أن رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أجرى اتصالاً هاتفياً مع نتنياهو لتهنئته على توليه منصبه وعبر عن تطلعه “لتعزيز العلاقات الإماراتية الإسرائيلية خلال الفترة المقبلة، خاصة في المجالات التنموية، ودفع مسار الشراكة والسلام بين البلدين إلى الأمام لمصلحة شعبيهما والمنطقة عامة”.
وتستند هذه التحركات على خلفيات اتفاق نفطي بين البلدين يرمي إلى نقل النفط إلى ميناء إيلات على البحر الأحمر، ثم عبر خط أنابيب إلى إسرائيل فإلى ميناء عسقلان على البحر المتوسط، ليتم شحنه بعد ذلك إلى أوروبا.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنه في الفترة من 2020 إلى 2021 ارتفعت الصادرات الإماراتية إلى إسرائيل من 115 مليون دولار إلى 632 مليونًا، فيما قفزت الصادرات الإسرائيلية السنوية إلى الإمارات من 74 مليون دولار إلى 384 مليونًا.
وبلغت قيمة التجارة البينية بين الإمارات وإسرائيل نحو 953 مليون دولار حتى نهاية أيلول/سبتمبر2021 وتجاوزت قيمة التجارة الخارجية غير النفطية بين الجانبين نحو 790 مليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2021.
وستؤدي اتفاقات إبراهام إلى زيادة كبيرة في التجارة بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة. فمن جهة، تمتلك إسرائيل قطاعها التكنولوجي الكبير، بما في ذلك التكنولوجيا العسكرية، وبالمقابل، تمتلك الإمارات ثاني أكبر اقتصاد في الخليج بعد المملكة العربية السعودية.
وشهدت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين إسرائيل والإمارات الزخم الأكبر بين الدول التي تسعى إلى التطبيع مع إسرائيل. وحتى قبل إبرام الاتفاقيات، كانت التجارة بين إسرائيل ودول الخليج، بما فيها الإمارات، تقدَّر بنحو مليار دولار سنوياً، معظمها من خلال شركات تابعة مقرها في أوروبا ودول أخرى. غير أن التجارة الثنائية بين الإمارات وإسرائيل ناهزت وحدها المليار دولار في نهاية عام 2021 من دون أن تشمل السياحة والاستثمار.
وقال مسؤولون إماراتيون إنها قد تتجاوز تريليون دولار على مدى العقد المقبل. وفي الواقع، وقّع البلدان العشرات من مذكرات التفاهم وبدأت المفاوضات حول “اتفاقية التجارة الحرة” في تشرين الثاني/نوفمبر.
الرئيس الإماراتي لنظيره الإسرائيلي:
أنت في بيتك
أكد الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقائه مع نظيره الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان، أن اتفاقات إبراهام هي إجماع وطني في إسرائيل تتفق عليه جميع أطراف الطيف السياسي، في الوقت الذي تتولى فيه حكومة تضم اليمين المتطرف السلطة في إسرائيل.
وذكرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” الإسرائيلية أن هرتسوغ قال لبن زايد “الآن علينا أن نصل إلى علو مرتفع. هذا يعني رفع مستوى العلاقات بيننا أكثر، لتعزيزها وضم المزيد من الدول إلى اتفاقات إبراهام”. ومن جانبه قال بن زايد لهرتسوغ “لقد بنينا جسراً متيناً جداً بين البلدين نفخر به كلانا”. كما أخبر بن زايد نظيره الإسرائيلي أن بإمكانه أن يعتبر الإمارات “وطنه الثاني”.
تكنولوجيا إسرائيل الأمنية
يشير تحليل أصدره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى لدراسات الشرق الأوسط أنه بعد فترة وجيزة من إبرام الاتفاقيات، أعلنت الإمارات عن خطط لاستثمار 10 مليارات دولار “في إسرائيل ومعها” – وهي مجموعة من الأموال الخاصة والحكومية التي من المرجح أن تشمل الاستثمار في الشركات التكنولوجية الإسرائيلية الناشئة وكذلك المشاريع الكبرى.
وبينما من غير المرجح تنفيذ إحدى أكبر الصفقات بينهما، وهي مشروع بناء ميناء مياه عميقة في إيلات وخط أنابيب من ميناء البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط، بسبب المخاوف البيئية، لا يزال هناك الكثير من الحديث عن استثمارات كبيرة لصناديق الثروة السيادية الإماراتية في إسرائيل.
ويكشف معهد دول الخليج العربية في واشنطن في تقرير من إعداد روبرت موجيلنيكي أن التركيز التكنولوجي يعمل على دمج العديد من الاتفاقيات الاقتصادية الناشئة بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. ويضيف أن استغراق دبي في التنمية القائمة على الابتكار، والجهود الإماراتية الأوسع لتطوير اقتصاد المعرفة من خلال التحول الرقمي، والارتقاء بريادة الأعمال يوفر أساساً صلباً لتعزيز العلاقات. وكانت شركة الذكاء الاصطناعي غروب 42 ومقرها أبو ظبي، واحدة من أولى الشركات في الإمارات، التي أعلنت عن خطط لإنشاء فرع لها بملكية كاملة في إسرائيل. وستركز عمليات G42 في إسرائيل على تشخيصات فيروس كورونا والذكاء الاصطناعي والتقنيات الزراعية وحلول المصادر المائية، والمدن الذكية والطاقة المتجددة. وأقامت الشركة الإماراتية بالفعل شراكات مع شركات إسرائيلية لتطوير حلول تقنية لمكافحة فيروس كورونا.
وفي 22 أيلول/سبتمبر، عقدت شركة أوَر كراود وهي شركة إسرائيلية بارزة للتمويل الجماعي والمشاريع الاستثمارية، اجتماعًا افتراضياً بالتعاون مع جمعية الإمارات للمستثمرين المبادرين بهدف جذب المستثمرين الإماراتيين. وبعد أسبوعين، قامت وحدة تطوير الأعمال التجارية في أوَر كراود ومجموعة النابودة بإنشاء شركة فونيكس كابيتال، وهي منصة تمويل لتسهيل الاستثمارات التكنولوجية بين إسرائيل والإمارات. كما وقعت شركة موبايلي الإسرائيلية مع مجموعة الحبتور مذكرة تفاهم لنشر أسطول من سيارات الأجرة الآلية ذاتية القيادة في شوارع دبي بحلول عام 2022.
سياح إسرائيليون في الإمارات
وكشفت وكالة “أسوشيتد برس” الدولية للأنباء، عن أن أكثر من نصف مليون إسرائيلي زاروا الإمارات خلال عامين من إشهار التطبيع بين أبو ظبي وتل أبيب.
لكن الوكالة أبرزت في المقابل ضعف إقبال الإماراتيين على زيارة إسرائيل، وهو يعبر بوضوح عن الخلل في علاقات التطبيع والرفض الشعبي الإماراتي لسياسات نظامه الحاكم.
وأدت أزمة الطاقة وارتفاع أسعار الفائدة وسياسات انعدام كوفيد في الصين إلى إعادة تشكيل قرارات الاستثمار في جميع أنحاء العالم، مع وجود العديد من العوامل في اللعبة.
وسجلت سنة 2022 مضي الإمارات في مسار تطبيع علاقاتها مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي. كما تتجه الإمارات لإنشاء أول حي يهودي كامل، يضم عدداً من المرافق والكليات. وسيكون الحي اليهودي الإماراتي، الأول من نوعه في دول الخليج، والأحدث في الدول العربية. وجاء الإعلان عن ذلك في تصريح للحاخام الأكبر للمجلس اليهودي الإماراتي، إيلي عبادي. وقال عبادي: “هناك حوالي 2000 يهودي يقيمون في الإمارات، ويمارس 500 يهودي شعائرهم الدينية”. واستطرد أن عدد اليهود في الإمارات تضاعف منذ توقيع اتفاقيات إبراهام التطبيعية بين سلطات الاحتلال والإمارات والبحرين عام 2020. وتوقع الحاخام أن يتضاعف الرقم أربع مرات خلال السنوات الخمس المقبلة.
وخلال سنة 2022 عزفت الأوركسترا الإسرائيلية لأول مرة في عاصمة عربية النشيد الوطني لدولة الاحتلال، وهو ما دفع تل أبيب لاعتبار الحدث “عرضاً تاريخياً”. وحلّت عقيلة الرئيس الإسرائيلي ميخال هرتسوغ، ضيفة شرف خلال العرض.
وتعتزم الولايات المتحدة عقد اجتماع مطلع 2023 يضم إسرائيل والدول العربية التي أبرمت اتفاقات تطبيع العلاقات مع الدولة العبرية، في إطار مساعيها لحضّ الحكومة الإسرائيلية اليمينية برئاسة بنيامين نتنياهو على ضبط النفس، على ما أعلن مسؤول أمريكي.
وقال مسؤول أمريكي كبير إن الولايات المتحدة تعمل على تنظيم اجتماع ربما في الربع الأول من عام 2023 لوزراء خارجية الدول التي شاركت في قمّة النقب في آذار/مارس 2022. وشارك في القمة بصحراء إسرائيل التي كانت تحكمها آنذاك حكومة وسطيّة، وزير خارجية مصر أول دولة عربية طبّعت العلاقات رسميا مع إسرائيل، ونظرائه من دولة الإمارات والبحرين والمغرب التي طبّعت العلاقات مع الدولة العبرية عام 2020 في إطار ما سمي باتفاقات إبراهام التي رعتها واشنطن.
خيانة القضية الفلسطينية
يقول مسؤولون فلسطينيون إنهم يشعرون بالخيانة من جانب إخوانهم العرب لإقامتهم علاقات مع إسرائيل من دون المطالبة أولا بإحراز تقدم باتجاه إقامة دولة فلسطينية.
وفي رام الله الواقعة بالضفة الغربية المحتلة، دعا واصل أبو يوسف، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدول العربية إلى مراجعة العلاقات مع إسرائيل.
وقال المسؤول الفلسطيني “الدول العربية التي أنشأت علاقات تطبيع مع دولة الاحتلال مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في هذه الاتفاقيات”.
وأضاف “المطلوب اليوم هو فرض طوق وعزلة شاملة على دولة الاحتلال وعلى هذه الحكومة بسياساتها الفاشية وأن يتم فضح جرائمها أمام العالم”.
لا يبدو أن هناك مؤشرا على أن اتفاقيات إبراهام في خطر، برغم كونها قد لا تحظى بشعبية كبيرة في الشارع العربي. لكن الخيارات الفلسطينية محدودة.