الإمارات تواجه ضغوطاً للتراجع عن دورها في «زعزعة» الاستقرار في ليبيا وتحاول الحفاظ على نفوذها

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»: تسعى الإمارات العربية المتحدة لإعادة ترتيب أوراقها حول دورها في المشهد الليبي على ضوء التحركات الدولية التي تدعو لدعم الاستقرار في البلد الذي دخل في دوامة تسحبه نحو حرب أهلية، تعمل الأطراف على تفكيكها.

وتجد أبو ظبي نفسها مجبرة على التراجع في تنفيذ سياساتها في ليبيا، والابتعاد خطوة عن حليفها المثير للجدل خليفة حفتر.
ودخلت الولايات المتحدة مؤخراً بقوة في خط أزمة ليبيا، مع محاولة لفرض خياراتها، على ضوء التطورات الإقليمية والتحولات التي تشهدها الساحة الدولية، وتحديداً مع استمرار الحرب في أوكرانيا. كما تضغط واشنطن لإبعاد خصومها وتحديداً روسيا والصين والقوى الإقليمية المنافسة من مجالاتها الحيوية، وضمان تجفيف منابع مصالحها في أفريقيا التي تحولت خلفية لنفوذ بكين وموسكو.
وتوجد الإمارات في قلب المعادلة الجديدة للقنوات المفتوحة مع غرماء واشنطن، وسعيها لتحقيق استفادة من المناخ الدولي الذي فرضته الاصطفافات الحالية.
وتكشف مصادر عدة أن الولايات المتحدة شرعت في ممارسة ضغط على حلفاء خليفة حفتر في القاهرة وأبو ظبي، مع دعوات مباشرة لتقليص الدعم الذي يتلقاه المسؤول الليبي. وتُعيد واشنطن مقاربة الملف الليبي بمفاتيح تركّز على الشقين العسكري والأمنيّ.
وأثارت زيارة رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي آي إيه» وليام بيرنز للعاصمة الليبية طرابلس العديد من التساؤلات عن توقيتها ومضامينها والرسائل التي حملتها.
وهدفت زيارة بيرنز إلى ليبيا لمناقشة مسألتين هما، بحث التعاون في مجال مكافحة «الإرهاب» وبحث النفوذ الروسي في نشاطات قوات شركة فاغنر الروسية.
وشدد رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكية على أن المرحلة الحالية التي تعيشها ليبيا يجب أن تكون انتقالية وبعيدة عن أي مسارات سياسية موازية.
ويقرأ من تشديد المسؤول الأمريكي الرفيع الذي زار ليبيا خلال لقاءاته المسؤولين وتحديداً مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وعدد من وزرائه، وضرورة أن تؤدي الانتخابات في ليبيا إلى إحداث الاستقرار، بمثابة منح هامش لحكومة الدبيبة واعتبارها «شريكاً للولايات المتحدة يمكن الاعتماد عليه».
ومع تأكيد واشنطن على ضرورة سعي المجتمع الدولي التوافق مع حكومة الدبيبة ومنحها الشرعية، ستجد الإمارات نفسها مضطرة للتعامل مع الواقع الجديد، والابتعاد قليلاً عن حليفها خليفة حفتر. وتكشف مصادر متابعة للمف الليبي أن مسؤول الاستخبارات الأمريكية وجه رسالة واضحة لخليفة حفتر لعدم القيام بأي مغامرة من شأنها المساس بالتوازنات الحالية.
كما أبدت الولايات المتحدة تركيزاً أكبر على النفط الليبي، مع التأكيد على ضرورة تأمين الإمدادات والحيلولة دون أي اضطراب، يتسبب في أزمة في القطاع الحساس.
وتلقى حفتر وحلفاؤه توجيهاً مباشراً للامتناع عن المساس بموانئ النفط وحقوله. وتشدد الولايات المتحدة في الفترة الحالية على ضرورة استقرار قطاع النفط الليبي وعدم إيقاف تصديره كما حدث في مرات سابقة.
وذهبت تقارير إلى أن الولايات تمضي في تنفيذ خطة وتضغط على حلفاء خليفة حفتر لإخراجه تدريجياً من المشهد. وسربت واشنطن معلومات ناقشها القائم بالأعمال في سفارة الولايات المتحدة لدى ليبيا ليزلي أوردمان مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر في بنغازي، والتأكيد على أهمية إعادة توحيد الجيش الليبي تحت قيادة مدنية منتخبة.
وحسب تأكيدات مصادر متابعة للملف الليبي، فإن بيرنز اشترط على حفتر أن يتعامل مع حكومة الوحدة الوطنية ويسمح لها بالعمل من مناطق شرق البلاد حفاظاً على ما سمّاه «وحدة المؤسسات التنفيذية في البلاد» ومنعاً لتوسع هوة الانقسام.

دعم عسكري مثير للجدل

وتتابع دوائر الاستخبارات الغربية التحركات الإماراتية في ليبيا، وترسل برسائل واضحة على ضرورة الابتعاد عن خططها السابقة الرامية لفرض مرشحها خليفة حفتر في المشهد السياسي.
وأشارت تقارير دولية لخرق الإمارات حظرًا أقره مجلس الأمن الدولي، في 2011 على تصدير السلاح إلى ليبيا، بدعمها لحفتر بأسلحة ثقيلة واستراتيجية تملك بعضها وتحصل على البعض الآخر من دول أخرى، في محاولة منها للإطاحة بالحكومة الليبية، المعترف بها دوليًا.
وسعت أبو ظبي منذ 2014 ورمت بثقلها ونسجت علاقاتها الإقليمية والدولية، للإطاحة بالحكومة الشرعية في ليبيا وتنصيب حفتر مكانها في البلد الغني بالنفط.
وتتابع هيئات أممية بقلق إرسال الإمارات إلى ليبيا معدات عسكرية جوية ومركبات مدرعة وأسلحة ثقيلة عديدة يستخدمها حفتر في استهداف المناطق السكنية، ما أسقط قتلى وجرحى بين المدنيين، بجانب أضرار مادية واسعة.
وفي الفترة الأخيرة تقلص الدور الإماراتي على ضوء المتغيرات المستجدة في الساحة الدولية، ودخول واشنطن القوي المشهد، مع دعم تركياً ولاعبين إقليميين مختلفين حكومة الدبيبة، التي سعت أبو ظبي استمالتها تدريجياً.

مصالح اقتصادية

تشير تقارير مراكز أبحاث على غرار دراسات معهد الخليج أن الإمارات حاولت منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي للاستفادة من الفرص الاستثمارية والاقتصادية في ليبيا.
وتتحرك الإمارات من دوافعها ورغبتها أن تصبح لاعباً إقليمياً في الساحة الدولية، مع اقتناص الفرص المتاحة تحديداً في الدول التي تواجه أزمات وعدم استقرار سياسي.
وسعت الإمارات في ظل استراتيجيتها الاستيلاء على الموانئ الكبرى والتحكم في محطات النقل العالمية في ليبيا، والتي تعد إحدى النقاط والركائز المهمة في هذه الاستراتيجية لامتلاكها عدة موانئ على البحر المتوسط مثل، ميناء الخمس ومصراتة وبنغازي وطبرق.
وتعد الموانئ الليبية مؤهلة إلى أن تتطور إلى مراكز تجارة عبور ضخمة، تنقل من خلالها البضائع العالمية جنوباً إلى أعماق أفريقيا، وتغطية كل الأسواق الأفريقية الواعدة، والذي يقدر الاتحاد الأفريقي حجمها التجاري وقدرتها الاستهلاكية بقرابة الأربعة تريليونات دولار في العام.
ومؤخراً تابع المراقبون بحذر لقاء وزير النفط والغاز الليبي محمد عون نظيره الإماراتي سهيل المزروعي. وحسب تسريبات عدة استعرض اللقاء مخططات الوزارة ورؤيتها لمستقبل قطاع النفط في ليبيا وآلية العمل التي تساهم في التخفيف من حدة الأزمة العالمية.
وتمتلك ليبيا احتياطات نفطية هائلة تُقدر بنحو 48 مليار برميل، إضافة إلى احتياطات النفط الصخري بسعة 26 مليار برميل، وهو ما يغري الإمارات التي تعمل على الحصول على مكاسب اقتصادية.
وحسب المركز الخليجي سعت أبو ظبي للسيطرة على النفط الليبي، وكان وصولها إليه مبكرًا من خلال تعاقدات رسمية أبرمتها مع نظام معمر القذافي في رأس لانوف منذ عام 2009 من خلال شركة «تراسا» الإماراتية، ليتم تأسيس شركة ليبية إماراتية تحت اسم «ليركو» ما زالت تحتفظ بحقوقها في رأس لانوف.
وترى الجهات المراقبة للملف الليبي بتوجس لنشاط أبو ظبي في مجالات عدة، ومحاولاتها التأثير على المشهد. وحسب دراسة إعلامية أعدها صحافيون ليبيون عام 2016 فالإمارات تسيطر على سبع وسائل إعلامية ليبية وعدد من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ضخت فيها نحو 74 مليون دولار.

إعادة ترتيب الأوراق

تشير تقارير أن الإمارات حالياً في مرحلة إعادة ترتيب أوراقها في الساحة الليبية، وتعمل على ضمان نفوذها بالاقتراب من مختلف اللاعبين، حتى لو كانوا على مسافة متباعدة.
ومؤخراً فتحت أبو ظبي قنوات تواصل مع حكومة الدبيبة في نفس الوقت الذي ترعى فيه خصومها السياسيين.
وتفسر الخطوة بنهج الإمارات البراغماتي الذي يسعى للحفاظ على المصالح وعدم خسارة نفوذها.
وحتى الآن تتعامل أبو ظبي مع الواقع الجديد الذي فرضته التحولات الإقليمية والدولية التي تشهدها ليبيا، وتعيد ترتيب أوراقها للبقاء في المشهد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية