الدوحة ـ”القدس العربي”: تراهن سلطات الاحتلال غداة تشكيل الحكومة جديدة، على ترجمة الخطط والأهداف المعلنة بشأن تطبيع علاقاتها مع عدد من دول الخليج، إلى واقع يكرس بجملة خطوات، يتم العمل على تنفيذها في الفترة المقبلة.
تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو، قبل أيام، أن سلطات بلاده “تقيم علاقات سرية مع العديد من الدول العربية والإسلامية” يصب في سياق توسيع مظلة التطبيع المعلن، ويكون ذلك رهاناً أساسياً للمرحلة المقبلة.
واعتبر نتنياهو أن هذه التغيرات العملاقة تنبثق من كون إسرائيل قوة يجب أخذها في عين الاعتبار، موجهاً كلامه إلى الدول العربية بالتأكيد “أن التعاون مع إسرائيل، يساعد على ضمان مستقبل شعوبهم وأمنهم”.
رهان سلطات الاحتلال، ينطلق من اتخاذ بعض الزعماء الخليجيين، العداوة مع إيران، ذريعة لتلك العلاقات والتعاون معها، في مجالات التقنيات، والمسائل الأمنية وغيرها.
هذه الدوافع المعلنة والخفية، تدفع لطرح تساؤل عن مآلات هذه العلاقات التي تتزايد، أمام فرضية السلام مع دولة الاحتلال والقبول التام بها كدولة في الشرق الأوسط.
اتفاقية جديدة
كشفُ رئيس الوزراء القطري السابق، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني مؤخراً، عن اتفاقية مرتقبة سيتم توقيعها بين دول عربية وإسرائيل، عقب طرح الإدارة الأمريكية خطتها للسلام في الشرق الأوسط، المعروفة إعلامياً بـ”صفقة القرن” يعزز من تلك الفرضيات.
وأوضح في سلسلة تغريدات له في حسابه على موقع “تويتر” أن الخطوة التالية بعد الإعلان عن “صفقة القرن” ستكون اتفاقية عدم اعتداء بين (إسرائيل) ودول في مجلس التعاون الخليجي.
التحركات الخليجية تسير وفق عدد من التسريبات، في اتجاه عقد لقاء إسرائيلي عربي معلن، على درجة عالية من التمثيل، تلعب أبو ظبي، دوراً كبيراً في تنسيقه.
مصادر إسرائيلية سربت معلومات عن اتصالات مكثفة تجري بين واشنطن، وتل أبيب، والقاهرة، والرياض، من أجل تنظيم قمة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
وكشفت التسريبات عن إجراء وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو وفريقه، اتصالات بهذا الخصوص منذ عدة أشهر.
وتعكس اللقاءات بين مسؤولين إسرائيليين، وآخرين عرب وخليجيين، رغبة من الطرفين برؤية علاقات تطبيع، تُنهي حالة “العداء” بينهما، من دون أن يكون الفلسطينيون جزءاً منها، بعد ترسيخ واقع عزل المسار الفلسطيني عن المسار الخليجي، والقبول بدمج إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط كقوة فاعلة.
وتأتي موجة التطبيع الخليجي غير المسبوق، بعد إعلان الرئيس الأمريكي، الخطوط العريضة لخطة السلام المزعومة: “صفقة القرن” والتي لم تعارضها دول عربية كانت لها خطوات تطبيعية، مثل السعودية والإمارات والبحرين.
وعزز تقرير سربته دوائر إسرائيلية مؤخراً عن مساع تبذلها تل أبيب من أجل توقيع اتفاقية “عدم حرب” مع دول بالخليج. السبب الأساسي وفق داعمي الخطة،
التصدي لخطر إيران وتحجيم نفوذها في الشرق الأوسط.
مطبعون يتناسلون
الخطوات التطبيعية الرسمية التي تباركها سراً، وعلانية الرياض، وأبو ظبي، والمنامة، تسندها خطوات شعبية، تكثف من تحويل العلاقة مع إسرائيل، إلى فعل طبيعي.
وزادت في الفترة الأخيرة، التصريحات، والأحاديث، والخطوات، والمبادرات، التي ترعاها نخب خليجية، من الواضح أنها تلقت ضوءا أخضر من سلطات بلادها، تكرس فكرة الانفتاح على دولة الاحتلال.
الشواهد على هذا المسار كثرت في الفترة الأخيرة، وتوزعت بين نخب العواصم الثلاث.
ويستشهد على ذلك ما جاء على لسان رجل الأعمال الإماراتي المثير للجدل الملياردير خلف الحبتور، من تأكيد “أن العرب واليهود” هم “أبناء عمومة” داعيا دول الخليج للإعلان عن رغبتهم في التطبيع مع (إسرائيل).
جاء حديث الحبتور، في مقابلة مع مجلة “عامي” الأمريكية اليهودية، وأكد فيها: “يجب علينا في دول الخليج، أن نقول علناً، إننا نريد إقامة علاقات مع إسرائيل”.
مزاعم الحبتور، تتناغم وخطوات التطبيع الإماراتية مع الكيان الإسرائيلي، التي تأتي في منحىً تصاعدي غير مسبوق في الفترة الماضية.
كان آخر مظاهره احتفاء رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، بالترتيبات الجارية لتأمين مشاركة “إسرائيل” في معرض “إكسبو الدولي 2020” المؤجل إلى حين، بسبب انتشار فيروس كورونا.
الترحيب والاحتفاء الإسرائيليان بخطوات الإمارات نحوها، ترافقا مع دعوة وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، قبل فترة، إلى الانفتاح العربي على سلطات الاحتلال. ونقلت مصادر إعلامية، عن أنور قرقاش قوله: “إن العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، بحاجة إلى تحول من أجل تحقيق تقدم نحو السلام مع الفلسطينيين”.
وظهرت في السعودية، سمات التطبيع، عبر خطوات المواطن محمد سعود، الذي يبدو أنه يتلقى دعماً وسنداً، من أعلى سلطة في المملكة.
ويتجلى الأمر في زيارته المسجد الأقصى في القدس المحتلة، والالتقاء مع عدد من المستوطنين، والإسرائيليين، ثم عودة الشخص نفسه ليروج للتطبيع ومن عاصمة بلاده، الرياض.
ولم تكن البحرين الأقل اجتهادا في سباق التطبيع من السعودية، أو الإمارات، فهي التي استضافت، قبل أشهر، الورشة الاقتصادية الخاصة بصفقة القرن، في حين أن بادرة التطبيع كانت سبقت هذه الورشة حين زار وفد بحريني ضم 24 شخصاً من جمعية “هذه هي البحرين” “إسرائيل”.
ومهد لهذه الخطوات، نشاط لافت لوزير الخارجية البحريني الأسبق، خالد بن أحمد آل خليفة، مطلِقاً سلسلة تصريحات يؤيد فيها حق إسرائيل في “الدفاع عن نفسها”.
كما ظهرت الإعلامية الكويتية فجر السعيد في إحدى القنوات الإسرائيلية، في واقعة هي الأولى من نوعها في الكويت، متحدثة عن أهمية بناء علاقات قائمة على السلام مع إسرائيل.
الخطوات التطبيعية
رهان سلطات الاحتلال على استقطاب دول خليجية إلى صفها، يدفعها إلى جعل العلاقة، إكسيراً يحقق لها مكاسب اقتصادية وتجارية، تسيل لعاب المؤسسات النافذة، وتلهث الشركات المتخصصة في إنتاج وتسويق معدات وبرامج التجسس، على اقتناصها.
وتتأهب الشركات المسجلة في إسرائيل، وأشهرها “أن أس أو” لتوسيع حجم مبيعاتها مع دول الخليج، وخروج تعاونها الحالي من دائرة السرية إلى العلنية، لتعظيم الصفقات التي وقعت بعضها سراً قبل فترة.
وتسربت العديد من التقارير عن فحوى الصفقات التي وقعت بين الطرفين، الإسرائيلي وعدد من الدول الخليجية، لتصدير الأجهزة المتطورة للمراقبة والرصد والتجسس، وبرامج القرصنة، مثل برنامج التجسس الأشهر “بيغاسوس”.
وتدرك سلطات الاحتلال أن تفوق شركاتها في هذه المجالات، ضمانة لتسويق منتجاتها للدول المعنية، خصوصاً الإمارات، والسعودية، والبحرين، المتلهفة للحصول على برامج تيسر لها عمليات مراقبة هواتف الملاحقين والمعارضين. ومن شأن تلك البرامج تسهيل أمر تسجيل الاتصالات والمحادثات في الهواتف الذكية الخاصة بتلك الأهداف، وتحديد موقعهم بدقة، والقدرة على السيطرة، عبر هواتفهم الذكية، وعلى كمبيوتراتهم. كما من شأنها أن تجعل كل نشاط لهم، مكشوفاً للأجهزة الأمنية لدولهم، وبشكل ميسر.
وذكرت تقارير عدة أن تلك العواصم الثلاث (الرياض، وأبو ظبي، والمنامة) تراهن على الخبرات والمعدات والأجهزة الإسرائيلية في ملاحقة المعارضين من مواطنيها، حيث أن شركة مثل “أن أس أو” الإسرائيلية، باشرت فعلياً نشاطها، وأصبحت الرائدة في تزويد تلك الدول بمتطلباتها، والإبقاء على تلك الصفقات سرية، وبعيداً عن الأضواء.
وقبل افتضاح تورط الشركات الإسرائيلية في قضية المعارض الإماراتي أحمد منصور، لم يكن معروفاً علناً، أن برنامج “بيغاسوس” كان من الأدوات التي استخدمتها الإمارات لمراقبة أكثر من 150 شخصية من العائلة الأميرية في قطر وكبار مسؤولي الدولة ومواطنيها.
وإلى جانب الإمارات، تسير السلطات السعودية على الدرب نفسه وتتطلع إلى مزيد من التعاون مع سلطات الاحتلال، لتعزيز قبضتها على النشطاء المعارضين، بالتزود بتلك التكنولوجيا.
ومؤخراً افتضح أمر تلك المساعي، مع اكتشاف عمليات تتجسس على المعارض السعودي عمر عبد العزيز المقيم في كندا، عبر استخدام خدمات شركة “أن أس أو”. كما انضمت البحرين لقائمة الدول التي تتعامل مع الشركات الإسرائيلية العاملة في هذا القطاع، مع توالي الأنباء عن موظفين ومسؤولين إسرائيليين يذهبون إلى المنامة بشكل دوري، لصيانة هذه الشبكات والأجهزة، عبر استخدام جوازات سفر أجنبية.
صفقات التسلح
الرهان على تطبيع العلاقات الإسرائيلية، مع العواصم الخليجية المروجة لإسرائيل في المنطقة أنها حمامة سلام، تستند أيضاً على مفاوضات سرية، لتنفيذ صفقات تسلح، تساهم في تكديس المعدات الحربية الإسرائيلية في مخازن أسلحة تلك الدول.
ويوجد ما يقرب من 150 شركة صناعية عسكرية إسرائيلية، تملك الحكومة أهمها، من بينها “آي أم آي” التي تصنع دبابة الميركافا، و”آي أيه آي” التي تشرف على صناعة الطائرات، وأنظمة الطائرات الإلكترونية، تتفاوض سراً على توريد منتجاتها إلى الخليج.
وكشف مؤخراً، تسريب للاتحاد الدولي للصحافة، وصحيفة “سوديتش تسايتونغ” الألمانية، أن رجل أعمال إسرائيلي يدير شركة سويسرية، كان عرابَ صفقة تناهز قيمتها المليار دولار، لتزويد الإمارات بطائرات تجسس إسرائيلية متطورة، لجمع المعلومات.
ويتوقع المتابعون أن تزايد في الفترة المقبلة، وتيرة الصفقات والتفاهمات العسكرية والأمنية الإسرائيلية مع العواصم الخليجية المطبعة. وتتحول العلاقة تدريجياً إلى واقع، ويروج لها أنها ضمانة استقرار أساسية في المنطقة.
مباركة أمريكية
تراهن الإدارة الأمريكية، وتحديداً في عهد الرئيس دونالد ترامب، على تسريع خطوات التطبيع الإسرائيلية الخليجية.
ويقود جهود البيت الأبيض، المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، وصهر ومستشار ترامب جاريد كوشنر وهما من أبرز المسؤولين عن “صفقة القرن”.
وستتأكد مع تشكيل الحكومة الإسرائيلية تفاصيل المسار التطبيعي الإسرائيلي، الذي يهدف إلى الانتقال إلى مرحلة متقدمة من تنسيق الجهود مع العواصم العربية، وجعل سلطات الاحتلال أمراً واقعاً في المنطقة.