القاهرة ـ «القدس العربي»: منح القدر ثوار الميادين في الذكرى الثانية عشر لثورتهم المجيدة هدية لم تكن في الحسبان، فبينما الهجوم على أشده ضد الثورة من قبل إعلام السلطة، إذ بالمؤسسة الدينية ممثلة في الأزهر الشريف تمنح الثورة صك الطهر والنبل، بتأثيرها في وجدان الجماهير، رغم ما آلت إليه الأحداث لاحقا من تبدد الحلم بتحقيق الشعارات الخالدة التي دعا إليها الثوار، وهنأ الأزهر الشريف رئيس الجمهورية وجموع المصريين بذكرى ثورة 25 يناير/كانون الثاني المجيدة، التي كتبت فصلا جديدا في تاريخ النضال المصري والسعي نحو النهوض بالوطن.
وفي سياق مواز طالب الأزهر الشريف الشعوب العربية والإسلامية بمقاطعة جميع المنتجات الهولندية والسويدية، واتخاذ موقفٍ قويٍّ وموحَّدٍ نصرة لكتاب الله ولقرآننا الكريم؛ كتاب المسلمين المقدَّس، وردّا مناسبا لحكومتي هاتين الدولتين في إساءتهما إلى مليار ونصف مليار مسلم، والتمادي في حماية الجرائم الدنيئة والبربرية تحت لافتة لا إنسانية ولا أخلاقية يسمونها “حرية التعبير”، والجدير بهم أن يسموها ديكتاتورية الفوضى، وسوء الأدب، والتسلط على شعوبٍ راقيةٍ مرتبطةٍ بالله وهداية السماء. ويشدِّد الأزهر على ضرورة التزام الشعوب العربية والإسلامية بهذه المقاطعة، وتعريف أطفالهم وشبابهم ونسائهم بها، وأن يعلموا أن أي عزوف أو تقصير في هذا الأمر هو تخاذلٌ صريحٌ عن نصرةِ الدين، الذي ارتضاه الله لهم، وأنَّ هؤلاء المنحرفين لن يدركوا قيمة هذا الدين – الذي لا يعرفون عنه شيئا، ويستفزون المسلمين بالتطاول عليه – إلا حين يكونون وجها لوجهٍ أمام ضرورات المادَّة والمال والاقتصاد التي لا يفهمون لغة غير لغتها، ولا يقدسون أمرا غير قوانين الوفرة والإنتاج والاستهلاك. وصدق الله العظيم “يَعْلَمُونَ ظَاهِرا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ” (الروم: 7). وبدوره تذكر كارم يحيى الثورة في “المشهد” قائلا: “لو كتبوا لي نعيا عند الرحيل، أتمنى هذه العبارات.. شارك في ثورة يناير/كانون الثاني بين الملايين من مواطنيه المصريين، وعمل من أجلها. لم يكن يوما قائدا أو نجما أو من المشاهير، ولم يدع بعدها. ولم يكن أبدا له زعيم، أو يساهم في صناعة طاغية جديد. فقط كان يشرفه أن يكون بين شهدائها الأبرار من أجل التغيير والعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، ومن دون أضواء وصور تذكارية و”بروباغندا” أو مغانم ومناصب.
ولأنه عاش بعد 25 يناير 2011 سنوات شاءها الله، فقد ظل للنفس الأخير يحلم بثورة أخرى تستكمل مسيرتها وأهدافها. ورجاء.. ترحموا أولا على شهداء الثورة المنسيين، الذين ارتقوا بلا عصبيات وألوان سياسية أو أيديولوجية أو دينية أو نخبوية شللية، ودون أن يجلسوا مع مضطهدي شعبهم وقاتليهم ليعقدوا “الصفقات الخائبة الخاسرة” الواحدة تلو الأخرى”. ومن اخبار مؤسسة الرئاسة: قال الرئيس السيسي، إن انتشار العنف والإرهاب يمثل تهديدا ليس في مصر فقط، ولكن على مستوى العالم كله، ولذلك تم الاتفاق بين مصر والهند في مجالات التعاون الأمني. وتابع “استعرضنا مع رئيس الوزراء الهندي أهمية إنشاء صندوق لتمويل الخسائر المترتبة على التغيرات المناخية في الدول النامية”. ومن أخبار المثقفين: افتتح الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الرابعة والخمسين، يرافقه عدد من الوزراء والمسؤولين.
باقية في داخلنا
25 يناير/كانون الثاني بالنسبة لمصطفى حجازي في “المصري اليوم”: دفقة إنسانية.. تمام إنسانيتها في نقصه.. تبقى وتثمر متى أيقنا هذا، وتذهب زبدا جفاء متى أريد لها أن تُستحال إلى حالة نورانية ملائكية، القسمة فيها بين ملائكة وشياطين. «كل إنسان يموت، ولكن ليس كل إنسان يحيا». هكذا أجملها مارتن لوثر كينغ.. أيقونة من عاشوا أحياء في القرن العشرين، فليس لبشر حظ من حياة إلا بقدر ما يقتفي ويحقق من إنسانيته.. وليس لتلك الحياة من جدوى إلا بقدر وعيه بأنه خُلق إنسانا مكرما بالعقل وبأمانة الاختيار.. وأن جوهر الاختيار هو تكليف بالحرية وتكليف بالعدل وتكليف بالكرامة. وإذا كان كُنه الحياة هو المجاهدة في اقتفاء الإنسانية.. فحالنا فيها بين مواءمة ومواجهة ولا حال ثالثة لنا فيها.. وبين المواءمة والمواجهة تكمن حقيقة وجودنا بين أن نكون «حي يعيش» أو «ميت يعيش».. بين بشر يعيش حيا «حي يعيش» بالتنادي على إنسانيته.. وبشر «ميت يعيش» يدب على الأرض ميتا بالاستغناء عن تلك الإنسانية. تكمن حقيقة كل دفقة وطنية إنسانية في تاريخ مصر والبشرية كلها.. سبقت يناير أو تلحقها. وعلى هذا فإن عرفناها بحق.. فهي ليست يوما ولا ثمانية عشر يوما، هي ليست فورة، ولكنها تدافع إنساني رشيد كائن وممتد.. تدافع قيمي مبدئي.. وليس صراعا سياسيا أو اجتماعيا أو طبقيا.. وصرفه إلى غير كونه كذلك إهدارٌ لطاقة المجتمع، وإجهاضٌ لأي إصلاح مأمول.. هو ليس أبدا صراعا على تغيير طبيعة نظام سياسى لإحلال نظام سقط بآخر جاء.. أو تناطح أيديولوجيات قد جاء موعد أن ترث إحداهما الأخرى.. هو ليس هكذا صراعا.. حتى إن أراده البعض تناحرا للعلو والغلبة.. وحتى وإن أداره البعض صداما صفريا.. النصر فيه لدعاوى الاصطفاء أو الخيرية أو الأحقية التاريخية.. على أرضية النقاء الوطنى أو الديني.
الأحلام لا تموت
ربما تكون قد تبدلت مشاعرك تجاه 25 يناير/كانون الثاني، وفقدت حماسك للمعنى الذي خلده في وجداننا، وربما والكلام لمحمد مصطفى أبو شامة في “الوطن”، تكون انقسامات كبيرة وصراعات مريرة وخسائر كثيرة، هي الجزء الظاهر من حصاد حلم الثورة الجميل، لكن ما يجب أن يدركه هذا الجيل من شباب مصر، الذي كان نواة هذا الحراك السياسي الملهم، هو أن الأحلام لا تموت، مثلها مثل الشهداء، أبدا لا يموتون. لا يصح أن نظلم يناير/كانون الثاني وشبابها، بل يجب دوما أن ننصفهم ونذكرهم بالخير، فقد أشعلوا شمعة في فضاء الوطن المعتم، نبهتنا إلى حتمية التغيير، ونثرت بذور الحلم الوطني المصري، الذي لاحت بشائر إثماره مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي ألهمته «حركة الشباب» لرسم معالم طريق الأمل في نهضة حقيقية لمصر، وتبلورت رؤيته في «خريطة طريق» ظل شعارها «مصر تستطيع.. وشعبها قادر»، وتولى القيادة وأنقذ السفينة قبل أن تغرق، شاركه مخلصون ممن لم يتلاعب الهوى في وطنيتهم، ولم تجرفهم الرياح العاتية بعيدا عن شاطئ الوطن، فلبوا مع الرئيس نداء «تحيا مصر». إن أهم ما تعلمناه من درس «يناير 2011»، حسب كتاب لأبو شامة هو التأكيد على أن مصر لا يناسبها «التغيير الثوري»، فلم تحقق الثورات لها عبر تاريخها الحديث أي إنجازات شعبية فارقة أو نتائج سياسية مستدامة، مصر حضارة عريقة لا تحتمل الزلازل السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية أو الدينية، مصر تناسبها الحلول التدريجية والتغيير المرتبط بالنضج والتطور، لأنه يؤسس لنفسه وجودا حقيقيا في أوصال الجسد المصري العريق، الذي لا يتقبل إلا ما تهضمه ذائقته الحضارية، لقد مرّت على مصر أهوالا وغزتها إمبراطوريات عتيدة، نهبت صفحات مطولة من تاريخها.. لكنها لم تسرق روحها، واجتاحتها رياح الأفكار المقبلة من كل بقاع العالم في كل الأزمنة، لكنها استوعبت الجميع وحافظت على ملامحها وعلى شخصيتها الأصيلة، التي تظهر أوقات المحن والأزمات، أن «المعدة» الحضارية المصرية قادرة على تقبل كل اختلاف واحتوائه بصبر، ومزجه مع «المكون» المصري، أقول هذا وأؤكده، رغم ما نعانيه مؤخرا من خلافات فكرية تبدو مقلقة أحيانا.
محنة فخر العرب
يمرّ محمد صلاح بأول محنة مهنية منذ احترافه في الخارج قبل أكثر من 10 سنوات صعد فيها نجمه في كل بلد لعب فيه، سويسرا وإيطاليا وإنكلترا، وحاز فيها وفق ما أشار إليه أحمد عبد التواب في “الأهرام” أعلى تقدير، من الجماهير العريضة ومن المؤسسات الرياضية والإعلامية والخيرية، وأحبه الكبار والصغار، وصارت الجماهير تضع له الأغاني وتصدح بها في الملاعب، وتصدرت أخباره وصوره الصحافة والمواقع، وأقبلت عليه الإعلانات، وتسابق المعجبون على شراء قميصه، ووافق ناديه ليفربول قبل أشهر قليلة على منحه أكبر راتب في تاريخ النادي،إلخ، وكان كل هذا بناء على أدائه الفذّ في الملاعب، الذي لولاه لما التفت أحد إلى ابتسامته الساحرة وإلى نشاطه الخيري وإلى تعاونه مع زملائه، وإلى روحه الرياضية مع منافسيه، ولم يكن من الممكن لكل محبيه أن يتسامحوا معه عندما يتذبذب مستواه في مباراة أو اثنتين، ما دام أنه سرعان ما يعود إلى أدائه الجميل. أما ما حدث طوال الأشهر الأخيرة، فهو أن أداءه تراجع بشكل ملحوظ طوال مدة نصف موسم كامل، مقارَنة بما كان عليه هو شخصيا، وكان الجميع كرماء معه في البداية، ووجدوا له تبريرات بأن طول فترة التفاوض على تجديد عقده، والمساومة على الراتب، كان يجب، مثلما حدث في حالات شبيهة، أن تعقبها فترة استكانة بسبب التوتر والعبء النفسي وتوقعات الانتظار، أما أن تمتد هذه الفترة بطول عدة أشهر فهو ما لا يمكن أن يتقبله وسط لا يمنح إعجابه إلا للأداء الرفيع الاستثنائي، وهو ما ناله صلاح عندما استحقه، وصار مهددا بفقده مع التراجع، وهو ما بدأت نتائجه تظهر بوضوح لأول مرة، في آراء الجماهير التي تنتقده وتطرح، في انقلاب تام على موقفها، إمكانية استبداله أو بيعه، مع آراء تُنسب لمدربه، في كلامه وراء الكواليس، أنه يناقش استبعاده، وقيل إن مسؤولي النادي وضعوا بالفعل تصورا ماديا لقيمته في سوق البيع والشراء. ووجد الإعلام الإنكليزي فيضا من المعلومات المُوَثَّقة عن أدائه هذا الموسم، جمعها الكمبيوتر بمنتهى الدقة عن أعداد مرات استقباله للكرة، وتمريراته لزملائه، وتسديداته على مرمى المنافسين، ومراوغاته، وتصدياته، ونسبة الدقة في كل هذا، ومقارنتها بالمواسم السابقة. وللأسف، لم تكن النتائج في مصلحته.
عذاب الدولار
هناك ظاهرة جديدة وخطيرة جدّا ظهرت في الآونة الأخيرة، لفت لها الانظار أسامة شرشر في “مصراوي”، وهي تهريب السلع الغذائية، كما أصبح هناك سماسرة ومحتكرون يجيدون تسقيع أو حجب السلع الاستراتيجية عن المواطنين، والدولار هو الشماعة التي يلجأ إليها الصغير والكبير من مافيا سرقة قوت الشعب المصري، في ظل ظروف داخلية وخارجية صعبة جدّا. ورغم الظروف الخارجية فإن الأمر في مصر مختلف تماما؛ لأن ارتفاع أسعار السلع أصبح فوق طاقة البلاد والعباد، على كل المستويات في المجتمع، فللأسف الشديد، الطبقة المتوسطة الآن وفي ظل هذه المتغيرات والأسعار الجنونية لكل أنواع السلع، أصبحت تعاني معاناة شديدة مثلها مثل محدودي الدخل، وللأسف الشديد حتى باعة الفول والطعمية تأثروا وأصبحوا يتحدثون عن تأثير ارتفاع الدولار على سلعهم. ويبدو وجود «لوبي جديد» ومجموعات وسلاسل من المحتكرين والمهربين الذين فقدوا ضمائرهم، وجعلوا هامش الربح في أي سلعة يتعدى 200%، وليس 10% أو 20% كما هو الوضع في أي مكان في العالم، وهذا يدل على أن الحكومة في وادٍ والشعب في وادٍ آخر، وأن أدوات الحكومة من أجهزة رقابية وتموينية تعمل بسياسة رد الفعل في ضبط أطنان من السلع الغذائية في مخازن فوق الأرض وتحت الأرض، حتى أصبحت الظاهرة الأخطر في هذه الأزمة هي انتقال مافيا السلع والخدمات بين المحافظات، وحسب المعلومات المتاحة، فإنهم تعدوا المحافظات إلى مناطق حدودية مع الدول مثل، السودان وليبيا وغزة، ويقومون بتهريب السلع الغذائية والمشتقات البترولية ليحققوا أرباحا بالدولار، وليس بالجنيه، والذي يدفع ثمن فاتورة فشل الرقابة هو المواطن المصري في كل مستوياته.
التسعيرة ليست حلا
يرى أسامة شرشر، أن الأزمات لا تُحل بتسعيرة جبرية أو غير جبرية، ولكن بتشديد الرقابة الحقيقية، ومنح ضبطية قضائية وصلاحيات لكل من يعمل في مجال الرقابة والتفتيش، لأن الأفكار الإجرامية لم تعد مقتصرة على التاجر الكبير فقط، بل امتدت لتشمل صغار التجار أيضا، والهدف هو تحقيق ربح جنوني على حساب المواطنين، في ظل تشوهات وثغرات في القوانين والتشريعات، والدولة تحاول أن تحافظ في ظل الأزمة على إيصال السلع بسعر حقيقي وليس مبالغا فيه. كل هذا يجري ونحن نصدر بيانات وتصريحات، ولكن على أرض الواقع يتم غير ذلك تماما، فلماذا لا نعطي المحافظين صلاحيات، كلا في محافظته، لاتخاذ الإجراءات القانونية والردع اللازم، لوقف هذه الفئات الضالة عند حدها؟ ولماذا لا تقوم كل محافظة بعمل قائمة بالمحتكرين وإذاعتها في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة يوميّا؟ فالتجريس والفضيحة عقاب هؤلاء الخونة الذين فقدوا الحد الأدنى من الدين الإسلامي كدين معاملة، يحث على عدم الغش في التجارة (من غشنا فليس منا)، وفي الحديث الشريف «منِ احْتَكَرَ حِكْرَة يُريدُ أن يُغْلِى بها على المسلمينَ فهو خاطِئٌ»، وهنا أدعو وزير الأوقاف لأن يكلف أئمة المساجد لتكون خطبة الجمعة مخصصة للتنبيه والتحذير من حرمة رفع الأسعار على المواطنين والاحتكار. فالمشكلة الخطيرة الآن هي تزايد وتنامي أعداد الخارجين عن القانون، في ظل ضعف أدوات الردع، فهم يتكاثرون بأعداد كبيرة جدّا، وكأننا أصبحنا نعيش في مجتمع المحتكرين، وليس مجتمع المصريين، وكميات المضبوطات التي يجري ضبطها هي قليل من كثير، فمتى يعود الأمان السعري في السلع والخدمات للمواطنين؟ نحن في حاجة ماسة إلى حكومة اقتصادية.
الحل معروف
تساءل علي هاشم في “فيتو”: هل درست حكومتنا وخصوصا وزارتي الصحة والسياحة تجارب عالمية ناجحة في السياحة عموما والسياحة العلاجية على وجه الخصوص، كتلك التي تحققت في تايلند أو سنغافورة؛ أليس هذا وقت الحلول من خارج الصندوق.. أليس السياحة الأسرع ضخا للعملات الأجنبية التي تشتد حاجتنا إليها، ولاسيما الدولار الذي ألهب الأسعار وفاقم موجات التضخم بلا رحمة؟ ماذا يمنعنا من توفير مصحات متخصصة أو مراكز طبية أو مستشفيات حديثة تتوفر فيها تجهيزات طبية متطورة وكوادر بشرية ذات كفاءة عالية كتلك التي تنتشر في جميع دول العالم، ولا سيما تايلند، ناهيك عما نملكه من منتجعات سياحية وخدمة تنافسية شجعت أخير السياح الأوروبيين على الهروب من برودة بلدانهم إلى دفء بلادنا.. ادرسوا تجارب النجاح التي حققتها تايلند أو سنغافورة أو حتى تركيا في السياحة العلاجية، أو حتى دول عربية كالأردن وتونس وقد يسأل سائل: كيف صارت دولة بحجم تايلند مثلا هي الوجهة الأولى للسياحة العلاجية في العالم؟ والإجابة ببساطة، أن تايلاند تمتاز على غيرها من البلدان بانخفاض تكاليف العلاج فيها مقارنة بالدول الغربية، حيث يكلف مبلغا أقل يتراوح بين 50 و70% من التكلفة في الدول الأوروبية؛ ومن ثم فإن تاياند يزورها سنويا ما لا يقل عن 2.4 مليون شخص بهدف العلاج في مستشفياتها ومنتجعاتها الصحية. لجنة الشؤون الصحية في مجلس النواب تحركت أخيرا وطالبت بوضع خطة لتشجيع السياحة العلاجية، بمشاركة القطاع الخاص؛ فمثل هذا النوع من السياحة أصبح صناعة مهمة، يتحرك العالم اليوم نحوها بقوة لتعظيم العوائد منها؛ بحسبانها واحدة من أهم أنواع السياحة في العالم. السياحة العلاجية العالمية تمثل سوقا ضخمة بلغت في عام 2019 نحو 104.68 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 273.72 مليار دولار بحلول عام 2027، مسجلا معدل نمو سنوي مركب قدره 12.8% خلال هذه الفترة؛ ما دفع النائب خليفة رضوان، لتقديم طلب إحاطة لمجلس النواب في هذا الخصوص، الذي اجتمعت إثره لجنة الصحة في مجلس النواب لمناقشة قضية السياحة العلاجية؛ بحثا عن تدفقات سريعة للنقد الأجنبي في شرايين الاقتصاد.
ذهب لرفيقه
رحل سامي شرف، الذي تألم له كثيرا فاروق جويدة في “الأهرام” بعد رحلة طويلة مع المرض، كانت بيننا اتصالات دائمة وسؤال لا ينقطع، وكان يرصد كل كلمة تكتب أو تذاع عن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وكان من أصدق الناس دفاعا عن تاريخه وتجربته في حكم مصر.. والشيء المؤكد أن سامي شرف كان يحتفظ بأسرار كثيرة عن ثورة يوليو/تموز وقد شارك في الكثير من أحداثها، وعانى كثيرا بعد رحيل زعيمها.. وقد عمل فترة من حياته في جهاز المخابرات العامة ثم أصبح مديرا لمكتب عبدالناصر حتى رحيله، وتولي السادات حكم مصر، وكان أحد المشاركين في أحداث ثورة التصحيح وقد ابتعد عن السياسة تماما في سنواته الأخيرة، وإن جعل من نفسه صوتا مدافعا عن فترة حكم عبدالناصر.. ولا شك في أن لديه وثائق وأسرارا كثيرة عن تاريخ مصر بحكم المناصب التي تولاها.. كثيرا ما تبادلنا الأحاديث حول ثورة يوليو/تموز واتفقنا واختلفنا، ولكنه كان إنسانا مجاملا أخلص لتاريخه بكل ما فيه ضوءا وظلالا.. ولا أدري كيف تحصل مؤسسات الدولة الرسمية على ما لديه من الوثائق والأسرار.. فقد رافق الزعيم الراحل طوال مشوار حياته وربما كان سامي شرف آخر من قضى كل حياته إلى جانب عبدالناصر مسؤولا ومدافعا وشريكا وقد طال به العمر، ورغم ذلك لم يتوقف عن العمل والمشاركة وحين ساءت حالته الصحية كانت لفتة من الرئيس عبدالفتاح السيسي بعلاجه على نفقة الدولة وتوفير الرعاية الصحية الكاملة له.. وقد كتب سامي شرف مذكراته في سبعة أجزاء وكانت تجربة سجنه من أصعب الفترات في حياته، وإن بقي على عهده مع تاريخ الزعيم الراحل.. ومع رحيل سامي شرف يصمت صوت من أهم الأصوات التي دافعت عن ثورة يوليو وزعيمها الراحل رحمه الله.. كان سامي شرف لا يقبل أن يمس أحد ثورة يوليو وزعيمها بما يتعارض مع قناعاته التي عاشها وعاش عليها ولهذا اختلف مع رموز كثيرة اتخذت موقف المعارضة من تاريخ الثورة.. وفي كل الحالات لا تملك غير أن تقدر دوره وإخلاصه لمشوار حياته بأحداثه وتاريخه ورموزه وهذه هي السياسة وتلك الأيام نداولها بين الناس.
لهذا لم ينسوه
كشف خالد حمزة في “المشهد” عن جوانب من سيرة الزعيم خصه بها مدير مكتبه الذي مات قبل أيام: رغم أنني لست من مناصري عبد الناصر رحمة الله عليه، ولا من دراويش الناصرية، أو من تلاميذ كاهن معبدها الراحل هيكل، إلا أنني كنت سعيد الحظ بالتعرف والجلوس ولساعات مع الراحل سامي شرف، مدير مكتب عبد الناصر الباقي على الإيمان به وبناصريته حتى اللحظة الأخيرة. قال لي الرجل إنه عرف عبد الناصر في الخمسينيات من القرن الماضي، ومن تلك اللحظة لم يفارقه دقيقة واحدة حتى وفاته، كان يوقظه من أحلي لحظات نومه ليسأله عن مشكلة ما، أو ورقة نسيها في مكان ما، أو جملة قالها هو أو غيره له، ويريد أن يتذكرها له سامي شرف. حكي لي عن لحظات تولي عبد الناصر للمهمة الثقيلة في حكم مصر بعد اختفاء أو إخفاء محمد نجيب، قال لي إن الضرورة ومصلحة الوطن كانت تقتضي ذلك في تلك الفترة، حكى لي عن العدوان الثلاثي، وكيف وضع عبد الناصر وباقي رفاقه أرواحهم على كف عفريت، وروى لي محنة النكسة وأن دموع عبد الناصر في خطاب التنحي لم تكن تمثيلية، كما صورها البعض، بل كانت نقطة من بحر الحزن والمرارة اللتين أحس بهما عبد الناصر، الذي أيقن وقتها أن مشروعه العروبي كان في مهب الريح. حكى لي عن عبد الناصر الإنسان الشريف العفيف، وكيف أن ما كان في دفتر توفيره بعد موته لم يتعد عشرات الجنيهات أو أكثر من ذلك بقليل، حكى عن عبد الناصر الأب والمحب لكاميرا التصوير الفوتوغرافية والسينما، حكى كثيرا عن الإخوان والخيانة، وكان موقنا أنهم كانوا يخططون لإسقاط عبد الناصر ومشروعه، وأن ما حدث لهم كان ضرورة. حكى الرجل لي عن عبد الناصر والثورة والانكسار والهزيمة والنهضة والتصنيع، وكيف كانت مصر أيام السد العالي ومجمعات الصلب والألمونيوم وتصنيع السلاح، وعن خطابات عبد النصر في بورسعيد وداخل الجامع الأزهر، وكلها تاريخية بمعنى الكلمة. كان سامي شرف ناصريا أكثر من ناصر نفسه.
معرض الفقراء
بدأت فعاليات دورة جديدة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب في ظل ظروف اقتصادية يصفها سيد محمود في “الشروق” بالأصعب منذ سنوات، وبسبب أزمة الدولار أصبحت صناعة النشر ريشة في مهب الريح بعد أن تضاعفت أسعار الورق وخامات الطباعة لأكثر من خمس مرات في عام واحد. إن دعم المعرض ضرورة وطنية، ولا أكف عن دعوة الأصدقاء لزيارته والتقدم لشراء الكتب ولو في حدود كتاب واحد على الأقل من أي جناح، لكيلا تتأثر صناعة النشر، ونفقد بهجة المعرض إلى الأبد. زرت شخصيا غالبية معارض الكتب العربية وشاركت في أغلبها، لكنني لم أجد من بينها معرضا يماثل معرضنا الذي تحول عبر 54 عاما لمناسبة شعبية في كل المقاييس وصار «فاترينة» عرض للنخبة الثقافية والسياسية وفضاء مثاليا من فضاءات التواصل مع مثقفي العالم ومبدعي العالم العربي الذين يحرصون على زيارته لتأكيد المعنى الرمزي، الذي تجسده القاهرة تاريخيا كعاصمة للثقافة العربية. في السابق كنا نشكو من تدهور خدمات المعرض في مقره القديم، أو من الطابع المتكرر لندواته، سواء في العناوين أو أسماء المشاركين، لكن منذ أن انتقل إلى مقره الحالي تقلصت الشكاوى عند حدود التفصيل المعتادة، وبذل الدكتور هيثم الحاج علي الرئيس السابق لهيئة الكتاب جهدا فائقا في الانتقال به لمستوى يليق باسم القاهرة، ونجح في إقامة عدة دورات ناجحة، ويكفي لكي نتذكره بكل الخير نجاحه الكبير في إقامة دورة استثنائية جاءت في أعقاب «جائحة كورونا» وتشجعت بفضلها بقية الدول المجاورة لاستئناف معارضها بعد طول توقف. يواجه الرئيس الجديد للهيئة الدكتور أحمد بهي الدين العساسي، اختبارا أكثر صعوبة ولا يرتبط هذه المرة بخلاف حول اسم أو أكثر ضمن جدول الفاعليات الثقافية، وإنما يرتبط بأزمات اقتصادية يصعب تفادي تأثيرها في حجم المبيعات، ولذلك فإن مسؤوليتنا جميعا الالتفاف حول المعرض وتيسير كل ما يمكن تييسره لكي ينجح في هذا الظرف الصعب، لكيلا تفقد الثقافة المصرية أحد أهم أرصدتها في وقت تتعدد فيه مراكز إنتاج الثقافة وتتعاظم قيمتها كفاعل سياسي.
نكمل بعضنا
ستبقى الدولة من وجهة نظر سيد محمود مسؤولة أكثر من غيرها عن حماية هذا الرصيد، سواء بالتشريع أو بالسياسات التنفيذية والمأمول منها العمل بسرعة على تفعيل الاستراتيجية الوطنية لحماية الملكية الفكرية، وعدم إهمال مطالب الداعين لحماية الصناعات الإبداعية، وأولها صناعة النشر ومكافحة جميع أشكال القرصنة والتزوير. ومهما تحدثنا عن ضرورة ترك المجال الثقافي مفتوحا أمام مؤسسات العمل الأهلي والكيانات الخاصة والمستقلة ورفع هيمنة الدولة عن هذا القطاع الحيوي، فإن الحقيقة التي لم تعد محلا للشك هي أن الدولة تتدخل في أكثر الأنظمة ليبرالية لدعم وحماية إنتاجها الثقافي وقد شاهدنا جميعا ما جرى خلال الجائحة حين قامت الحكومة البريطانية الرائدة في اقتصاد السوق بدعم جمعيات الناشرين وأصحاب المكتبات وروابط باعة الصحف لحماية أدوات «الثقافة الإنكليزية» ومن ثم فإنه من الضروري النظر لصناعة النشر عندنا بالمنطق نفسه، فالكتاب والفيلم والأغنية والمسلسل والمسرحية كلها أدوات صنعت للثقافة المصرية صورتها التي يفخر بها المسؤولون فخرا دعائيا ويتباكى عليها المتباكون على مواقع التواصل الاجتماعي. وإذا كنا جادين في الحفاظ على ما لدينا، فالأولى بنا أن نحول هذا الفخر إلى «أدوات وسياسات واستراتيجيات عمل» وليس فقط إلى شعارات. لست من بين الأصوات التي يقلقها نجاح أي عاصمة أخرى في تنظيم فاعليات ثقافية، أو فنية، لأن ذلك لا يقلل أبدا من قيمة القاهرة أو عمق تأثيرها، بل على العكس من ذلك فإن هذه الفاعليات تأتي لتؤكد كل يوم قيمة مصر وفنانيها ومثقفيها الذين يتصدورن واجهة تلك المناسبات سواء كانت حفلات الترفية أو جوائز الإبداع، بما يؤكد معنى التراكم التاريخي. والحداثة المصرية كما أقول دائما هي حداثة مؤسسية الطابع ولذلك تنعم الثقافة والفن في مصر بسمة رئيسية هي الاستمرار الناتج عن تواصل الأجيال وعدم انقطاع العطاء لأن ما بلغناه في المجالات الإبداعية تحديدا هو نتيجة طبيعية لتراكم الخبرات التي تنجح دائما في تفادى الانتكاسات الناتجة عن تراجع كفاءة بعض المؤسسات.
أخلاق القرية
فى اللحظة التي اطمأن فيها الرئيس أنور السادات إلى القضاء على خصومه من رجال الحكم في عهد عبدالناصر، ممن كان يصفهم بـ«مراكز القوى»، بدأ مباشرة الحديث عن «أخلاق القرية». يتجلى هذا الأمر بصورة واضحة وفق ما يرى الدكتور محمود خليل في “الوطن” في خطاب الرئيس في 20 مايو/أيار 1971 (خطاب ما سماه بثورة التصحيح)، فقد تناول فيه موضوع إصدار الدستور الدائم للجمهورية، وطلب من أعضاء اللجنة المسؤولة عن صياغته استلهام «أخلاق القرية» في ما سيشتمل عليه من بنود. قال السادات في هذا الخطاب: «عايز وإحنا بنحط الدستور نرجع للقرية أصلنا ونعرف أن فيه عيب، لأن في القرية علمونا ونشّأونا أن فيه حاجة اسمها عيب، أحنا نعرف كلنا لما نبقى عيلة في القرية، وبنعرف كمان إن القرية كلها بتبقى روح واحدة، إحنا نعرف كلنا لما تبقى العيلة في القرية، رب العيلة فيها راجل حازم تبقى العيلة محترمة، عايز الدستور يتفصل على كده، يتفصل علشان مصر كلها تبقى قرية واحدة في هذا الشأن». توجّه السادات نحو النظر إلى مصر كقرية كان واضحا منذ اللحظة الأولى لتوليه الحكم، وربما يكون الرجل قد استلهم الفكرة من الآية القرآنية من سورة «يوسف» التي تصف مصر بالقرية: «واسأل القرية التي كنا فيها»، لكن من منظور مختلف، فالقرآن كان يصف تجمعا بشريا ملتئما حول مجموعة من المصالح المتفق عليها، أما السادات فكان يرمي – كما يؤشر حديثه – إلى «ترييف مصر ككل» وتمثل قيم القرية المصرية في نظام الحكم، وأبرزها احترام الكبير – الذي هو رئيس الدولة – والنظر إليه، مثلما ينظر الأولاد إلى «رب العائلة»، وأن واجب الأولاد نحوه هو السمع والطاعة لأنه الأدرى بمصالحهم. وقد ترجم السادات فكرته بإصدار قانون حماية القيم من العيب عام 1980. وفي حوارات عديدة مسجلة كان السادات شديد الحرص على التأكيد على قيم القرية المصرية، ويحذر محاوريه من العيب، وذروته عدم احترام الكبير رب العائلة. كأنه أراد أن يؤسس حكمه على شرعية جديدة هي «شرعية القرية» ضد «أفندية المدينة» الذين تشكلت منهم المعارضة، خصوصا من اليساريين والناصريين والقوميين.
في زمن الحرب
في عز الحرب، التي يتابعها جلال عارف في “الأخبار” وبينما تتواصل الضغوط (خاصة من جانب أمريكا) لانتزاع موافقة ألمانيا على إرسال مئات الدبابات الأكثر تطورا إلى أوكرانيا.. تتلقى هذه الجهود ضربة قوية بالكشف عن فضيحة فساد ترتبط بجيش أوكرانيا، وشراء الإمدادات اللازمة له بأضعاف سعرها، وليكون أول الضحايا هو نائب وزير الدفاع الاوكراني الذي أقيل من منصبه رغم دفاع الوزير المسؤول عنه للتخفيف من وقع الفضيحة، ويبدو أن القضية أكبر من ذلك، حيث شملت الإقالات الرجل الثاني في مكتب الرئيس الأوكراني، بالإضافة لعدد كبير من القيادات في الحكومة وقيادات الأقاليم.الحديث هذه المرة هو عن الفساد وليس عن الخيانة، كما حدث في منتصف العام الماضي حين أقيل رئيس جهاز الأمن وعدد من كبار مساعديه، مع المدعية العامة، وقيل إن التحقيقات تتم مع أكثر من 600 من القيادات بشأن علاقات مزعومة مع الروس، ولكن حين يتصل الفساد بإمدادات جيش يحارب في ظروف صعبة، ويكون العنوان في قيادة بحجم نائب وزير الدفاع والمسؤول الثانى في مكتب الرئيس الأوكراني، فلا شك في أن ضررا كبيرا قد وقع، وأن جهدا كبيرا سيكون مطلوبا لاستعادة شيء من الثقة التي لا بد من أن تهتز، وتأتي هذه الضربة في وقت تقول فيه قيادة التحالف الغربي، إن الروس بدأوا يكسبون في حرب المعلومات وأن حوالي 25% في المتوسط من مواطني الدول الأوروبية يميلون إلى الاعتقاد بأن الحرب جاءت ردا على استفزازات أوكرانيا ودول الناتو، ولا شك في أن فضيحة الفساد الأخيرة سوف تدعم موقف الداعين لعدم التصعيد والاندفاع في إرسال الأسلحة المتطورة لأوكرانيا خوفا من التورط المباشر في الحرب، أو رفضا لفساد يضعف الثقة في تأمين السلاح المتطور، وقد تكون مواجهة الفساد أصعب من مواجهة الدبابات والصواريخ في ميدان القتال.