القاهرة ـ «القدس العربي»: «لا توجد منافسة في السياسة، لذلك انتقلت المنافسة إلى ملعب كرة القدم. نحن نفعل ما علينا القيام به ضد القواعد والأنظمة عندما نعتقد أنها مخطئة». (ألتراس الأهلي 2011)
لم تكن كرة القدم مجرد لعبة شعبية، بل أكثر الألعاب شعبية في العالم، ومنذ نشأتها وحتى الآن لم تبتعد هذه اللعبة عن السياسة، ولعل هدف مارادونا الشهير في إنكلترا في كأس العالم 1986، الذي قال عنه، إن يد الله هي التي أحرزت الهدف، وقضت على أحلام أكبر دولة استعمارية في العالم في الوصول إلى النهائي، ومن ثمّ ربما الفوز بالكأس. فكرة الفوز من قِبل الدول الضعيفة، جعلت من اللعبة محلا آخر للصراع غير المباشر، صراع رياضي لا حربي يخلق أمام الحالمين الفرصة لكسب المعركة، ولو من خلال لعبة اخترعها المُحتل، وكأن الشعوب تثأر من خلال لاعبيها. ومن هذا المنطلق يأتي كتاب «الإمبريالية والهوية الثقافية وكرة القدم» وعنوانه الفرعي (كيف أنشأت الإمبراطورية البريطانية الرياضة الوطنية في مصر» للباحث كريستوفر فيرارو، ترجمة وليد رشاد زكي، الصادر مؤخراً عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، سلسلة العلوم الاجتماعية.
فرض نموذج ثقافي
يوضح المؤلف بداية أن إنكلترا لم تكن تسعى إلى الاستعمار العسكري وحسب، لكنها كانت تسعى إلى فرض نموذج ثقافي واحد بين جميع شعوب المستعمرات. ومن أشكال هذا النموذج كانت (كرة القدم) فتم نشرها في جميع مستعمراتها، حتى تعلمت الشعوب اللعبة، وتحولت إلى أداة من أدوات التعبير والمقاومة والتغيير السياسي. ورغم المستعمرات العديدة التي شملها الكتاب، هونغ كونغ، الهند، زنجبار، نيوزيلندا وسنغافورة، إلا أن مصر احتلت المساحة الأكبر بينها، والأكثر أهمية، نظراً لموقعها الجغرافي ووجود قناة السويس.
مرحلة الاستئناس
ارتبطت فكرة الاستعمار وكرة القدم بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها إنكلترا عبر أربع مؤسسات.. المدارس والجامعات، الجيش، المصانع، والمؤسسات الدينية. فوسيلة لجذب الأطفال إلى المدارس وهم من قبيل العمالة في المصانع في الأساس، تم فرض لعب الكرة في المدارس بشكل إلزامي، ومنها تحول إلى الجامعة، ومن خلال حرص إنكلترا على تعليم بعض المصريين لتشكيل طبقة من الإداريين، لمساعدة المستعمر على إدارة شؤون البلاد، أوفدت إدارة الاحتلال البعض للتعلم في إنكلترا، وبالتالي لعب كرة القدم، ومنهم مَن لعب لعدة فرق إنكليزية، كحسين حجازي ومختار التيتش. ولم يختلف الأمر بالنسبة للطبقة العاملة الإنكليزية، فتم إخضاعها وإدماجها في لعبة كرة القدم، وتأسس دوري المصانع الذي فاز فيه فريق مصنع ولتش آرسنال للأسلحة، أقدم نادٍ مهني في العالم وما زال يلعب حتى الآن تحت مسمى (نادي الآرسنال) كما برز أيضاً نادي عمال السكة الحديد، الذي يعرف الآن باسم نادي (مانشستر يونايتد). ومن قدوم بعض العمال إلى مصر تم إنشاء نادي السكة الحديد المصري أقدم وأول ناد مصري.
من ناحية أخرى نجد فرق الجيش التي أثّرت بدورها في تشكيل فرق الجيش المصري، وصولاً إلى الفرق ذات المسحة الدينية، كجمعية الشبان المسيحية في إنكلترا، وفي مقابلها نجد فرق الكرة الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين، التي إن لم تستطع أن تكوّن فريقاً رسمياً، إلا أن الكثير من لاعبي الفرق الأخرى بدأ مشواره الرياضي من خلالها.
من الممكن هزيمتهم
كانت النزعة العنصرية البريطانية لا تسمح بتأسيس فرق كرة قدم مختلطة تجمع بين المصريين والبريطانيين، مثل هذه السياسات عززت من القومية، كما شجعت بالفعل على نمو الحركات القومية ضد الاستعمار. فقد تأسس النادي الأهلي عام 1907 على سبيل المثال كمجموعات كفاح تحاول أن تجد لها مقراً وستاراً لمواجهة الاحتلال. وخلال عقدين شهد المصريون تعلم اللعبة ونمت مهاراتهم، وقد تجرأ البعض على الحلم بأنه من الممكن التغلب على المحتل في لعبته الخاصة، وعوضاً عن الانتصار في حرب صريحة على البريطانيين فإن الانتصار عليهم في ملعب كرة القدم كان في متناول اليد، فقد فاز المصريون في عام 1920، وكان هذا الفوز مليئاً بالدلالات السياسية، وحدث في وقت من تصاعد الثورات القومية ــ ثورة 1919 ــ وقد جاء بعد عام واحد من الاحتجاجات المصرية التي أدت إلى وضع دستور جديد للبلاد، ليبدو أنه أصبح من الممكن أن ينهزم المستعمر صاحب اللعبة.
قوى الألتراس
يتشكل الألتراس من مجموعات متباينة، لا يربطها إلا حب فريقها، وربما يفخر ألتراس الأهلي بفريقه، وهو أول فريق مصري يهزم البريطانيين منذ مئة عام. وتأتي أحداث 25 يناير/كانون الثاني 2011 لتؤكد قوة هذه المجموعات، وسواء كانت من مشجعي الأهلي أو الزمالك (وايت نايتس) فالأمر هنا لم يكن حرباً كروية في الاستاد، بل حرباً ضد السلطة على الأرض، فاجتمع كل منهما في مواجهة الشرطة والجيش ومؤيدي المخلوع مبارك، حتى أنهم (مجموعات الألتراس) كانوا أكبر قوة مُنظمة بعد الإخوان، وكان الصدام معهم في أي وقت من أوقات الثورة يعني الخسارة لا محالة. وهنا كان لا بد من رد انتقامي من الألتراس، وقد شهد عام 2012 مقتل 74 من مشجعي الأهلي (مذبحة بورسعيد) وكانت من تدبير الجيش والشرطة، وفي 2015 قتل 40 مشجعاً من جمهور الزمالك. وتم تعليق الدوري المصري عدة مرّات، حتى عاد بأعداد محدودة من الجماهير، وإن كان أغلبهم من المجندين، لكنهم يأتون الاستاد في زي عادي أو زي الفريق الذين يقومون بتشجيعه ـ شأن المصلين الكومبارس يوم الجمعة في مسجد الفتاح العليم ـ حتى تم حل جماعات الألتراس بحكم قضائي في مايو/أيار 2015، بحجة أنهم جماعات متطرفة تعمل وتدعو إلى التخريب. فاللعبة وعالمها لم يبتعدا يوماً عن السياسة.

