تربع التغيير على العديد من المجالات ووضعها في رهان المسائلة، وجعلها في دوامة من الأسئلة المعقدة حول المجتمع وماهيته، بإيجاز دقيق أين نحن من عملية الإنتاج الفكري؟ وهل نسير على الخريطة بشكل مثمر؟
تتمحور حياة المجتمعات بتذبذب واستمرار، حيث يحدث التاريخ طفرة مغايرة، من خلال ما يحفظه في سطور الكتب عن البلدان وكيفية نشأتها وقيامها، وهذا طبعا لا ينفصل عن سِير سلالات الأفراد في كل بقعة، فتوثر عليها الأحاديث وما نقل عنها، ما يعني تكوين الصورة الإجمالية عن هذا البلد أو المنطقة، أي شكل حياتها النهائي والباقي على تقدم الأعوام.
يُرجح الباحث مالك بن نبي أن للتاريخ عوامل تصنع الفرق المجتمعي، إذا أخذ بها ويقر بأنها الأساسية، ابتداء من عالم الأشخاص الذي يتمثل في المجتمع، عن طريق تقوية شبكة العلاقات الاجتماعية بين أفراده على اختلاف مستوياتهم وأفكارهم، مرورا بعالم الأفكار التي تُنفذ بعالم الأشياء، أي الأدوات المادية المناسبة، حيث يتم تركيب هذه العوالم الثلاثة في صورة واتجاه واحد، من أجل الوصول إلى الغاية المنشودة والهدف الذي تم السعي لإنجازه. ويُعتبر الإنتاج الفكري من أهم مقومات نجاح المجتمعات وتطورها، وارتقاء الفرد ونموه، كيف لا وهو نتاج حضارة مجتمعه ومنتج لها في الوقت ذاته، حيث تتفرد العلاقات الاجتماعية بطابع خاص في موضوع الإنتاج الفكري، فتكثيف العلاقات الاجتماعية أمر مهم ، على عكس العلاقات الممزقة والمصابة بالأنا، لا تتطور أبداً، وهذا ما حدث مع الإمبراطورية الآشورية في القرن الخامس قبل الميلاد، حيث اندثرت واختفت، لعجز النشاط المشترك بين أفرادها.
إن العمل الأول الذي يؤثر في عملية الإنتاج الفكري المبدع، هو استبدال مفهوم النزعة من الفردية إلى الجماعية، فعندما يبدأ الفرد في ابتكار آليات جديدة لتطوير المجتمع من حوله، فإنه وبلا شك يساهم بشكل جذري في تغيير الإطار النمطي الذي يحاصره، حيث يقوم بردم كل ما هو بال وإعمار كل ما هو رائع، مرتقيًا بمجتمعه أولاً وذاته ثانيًا. إلى ذلك، يعد العامل الاقتصادي إلى أي بيئة، عاملا خلاقا في مسيرة التنمية الفكرية، فبدون توافر الماديات المناسبة التي تؤهل أي فكرة للنجاح لا يمكن أن يصدر تقدم نهضوي للمجتمع، وكما يقال دائما:»غير معيشة المرء تتغير أخلاقه».
كل تلك المعطيات والعوامل ليست بمعزل على أن يطور الفرد نفسه بنفسه، وأن يحفز قوته الروحية بالإرادة نحو الأفضل على الدوام، مهما كان حلمه، سواء أكان كتابًا أو معزوفة موسيقية أو جهازا سمعيًا أو لوحة فنية، فالسلم لا يركّب مرة واحدة.
٭ كاتبة من البحرين