شحاتة عوض أفرزت الجولة الأولى من الإنتخابات الرئاسية المصرية نتيجة هي أخر ما كان يريده أو يتمناه المخلصون لمصر وثورتها، الأمر الذي وضع كل القوى السياسية والوطن برمته أمام خيارات بالغة الصعوبة. جولة الإعادة ستكون بين مرشح الاخوان المسلمين الدكتور محمد مرسي ومرشح النظام السابق الفريق أحمد شفيق. ولعل هذا هو السيناريو الكابوسي الذي كان يخشاه الجميع لكن تأتي صناديق الإقتراع بما لاتشتهي سفن الثورة والثوار. فمرشح الإخوان حل في المركز الأول ليثبت القوة الضاربة للجماعة وليؤكد تماسك الجبهة الداخلية لها ويظهر درجة عالية من الإنضباط والإلتزام بقرارت الجماعة. أما الفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع وصاحب موقعة الجمل، فهو مرشح النظام السابق ورجاله وشبكه مصالحه بإمتياز.
هو أحد الأركان الاساسين للنظام الذي قامت الثورة لإسقاطه فاذا بها يعود للمشهد بقوة عبر صناديق الاقتراع هذه المرة وبشرعية شعبية لا يستطيع أحد عن يتحداها والإ كان معاديا للديمقراطية. هنا المفارقة تبدو حاضرة. نحن إذن أمام مواجهة خالصة بين الاخوان المسلمين ونظام مبارك الذي لا يزال يحكم مصر حتى اللحظة، الأمر الذي يظهر إلى اي درجة وصلت حالة الاستقطاب ليس بين الإسلام السياسي من ناحية وبقايا نظام مبارك من ناحية اخرى، بل إن الاكثر دلالة على عمق هذا الاستقطاب هو أن النتائج عكست إنحيازا لافتا للطرف الأكثر يمينية داخل كل معسكر من المعسكرين، فتيار الإسلام السياسي وفقا للنتائج بدا أكثر إنحيازا للمرشح الأكثر إنضباطا والتزاما بالتنظيم والجماعة على حساب مرشح إسلامي معتدل يحاول الخروج من ضيق التنظيم لرحابة الفكرة هو عبد المنعم أبو الفتوح.. وفي المعسكر الآخر المحسوب على النظام السابق كان الامر نفسه إذ أظهرت النتائج إنتصارا للمرشح الأقرب للنظام وألاكثر إخلاصا لمصالحه على حساب مرشح أخر محسوب على النظام السابق وإن بدرجة أقل هو عمرو موسى. وبين هذين التيارين تبدو تيار الوسط العريض ممثلا في بقية القوى المدنية واللييرالية والثورية والشبابية التي صوتت لصالح حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح وهي تشكل غالبية المصريين وفقا للارقام التي اظهرتها النتائج.
ايهما أخطر على الوطن شفيق أم مرسى، كان هذا سؤالي لأحد الاصدقاء وهو إستاذ بارز في العلوم السياسية ممن صوتوا لعبد المنعم ابوا لفتوح؟ وكان جوابه إن شفيق أقل خطرا على الوطن وهويته ومصالحه من مرسي، وان شفيق يمكن التعايش معه بشكل أسهل من التعايش مع مرسي. هذا الرأي سمعته من أكثر من شخص من المحسوبين على القوى الليرالية والمدنية الذين يرون أن التعايش مع بقايا نظام مبارك أقل خطرا من هيمنة الإخوان على كل مفاصل الدولة. لكن في المقابل هناك قطاع هو الاكبر يرى أن الخلاف مع الإخوان المسلمين خلاف تكتيكي يتمحور حول رؤية كل طرف لكيفية تحقيق أهداف الثورة، بينما الخلاف مع شفيق ورموز النظام السابق خلاف إستراتيجي ومصيري، بل إن هناك من يرى أن الخلاف مع مرسي وجماعته خلاف سياسي، بينما الخلاف مع بقايا النظام السابق هو خلاف جنائي يتعلق بجرائم ودم وأرواح أزهقت ووطن استيبح. الصورة ليست قاتمة ولا تدعو للأكتئاب كما يحاول البعض تقديمها بعد نتائج الجولة الأولى من الإنتخابات، فهذه النتائج تظهر أن القوى التي تمثل الثورة تحتل مكانة كبيرة في المشهد السياسي وأنها وإن كان أيا من مرشحيها لم يصل إلى جولة الإعادة، فانها اصبحت رقما بالغ الأهمية إن لم يكن الأهم في معادلة الانتخابات الرئاسية وأن مواقفها ستحدد بشكل كبير هوية الرئيس القادم لمصر. هذه القوى تبدو أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الانحياز لمحمد مرسي رغم أنه ليس الخيار الافضل، أو لصالح شفيق وما يعنيه ذلك من إعادة إنتاج نظام مبارك بشكل كامل وبالتالي الإجهاز على الثورة. لكن هذه القوى التي بدأ المرشحان في مغازلتها وخطب ودها تبدو في موقع قوة يسمح لها بأن تملى شروطها وتفرض رؤيتها لتغيير قواعد اللعبة تماما من خلال تحديد رؤية واضحة وبشروط مكتوبة ومعلنة، لطريقة إدارة الوطن وحماية ثورته في الفترة المقبلة. وإذا كان مرسي هو الأقرب لها في هذا الصدد فإن الإخوان المسلمين في هذه اللحظة أمام إختبار هو الأهم والأخطر ربما في تاريخهم كله وهم مطالبون اكثر من أي وقت مضي، إن كانوا يريدون إنقاذ الوطن و الثورة وإنقاذ أنفسهم، أن يكونوا على مستوى هذا الاختبار عبر تقديم كل الضمانات والتطمينات لشركائهم في الوطن والثورة بأن مبدأ المشاركة لا المغالبة أفعال لا أقوال. على الإخوان مسؤولية كبرى لتجاوز أزمة عدم الثقة بينهم وبين القوى الوطنية والثورية وهي ازمة تعمقت بشكل كبير على مدى الشهور الماضية ويتحمل الإخوان الجانب الأكبرمن المسؤولية عنها. عليهم التنازل من عليائهم والتخلي عن حالة الغرور التي تملكتهم بعد الإنتخابات البرلمانية والعودة عن روح الهيمنة والمغالبة، فقد أظهرت الإنتخابات الرئاسية أنهم جزء من الوطن وليسوا كل الوطن. مرشح الإخوان فاز بربع أصوات الناخبين المصريين وهذا لا يؤهله لان يكون ممثلالكل المصريين او غالبيتهم أو أن يدعي ان الاخوان هم القوة الأكبر في مصر، وهذا من شأنه أن يفرض عليهم العمل الجاد والصادق لبناء شبكة أمان وطنية من خلال تحالف حقيقي وليس شكليا ووفق اسس وشروط واضحة مع كل القوى الوطنية لتجاوز هذه المرحلة الصعبة من تاريخ الوطن والخروج بمصر إلى شاطىء الأمان. هنا سيتضح ما إذا كان الإخوان بالفعل يحملون الخير لمصر كما يقول شعارهم الإنتخابي.
في المقابل فإن القوى الثورية والوطنية عليها مسؤولية كبرى هي الاخرى بأن تحافظ على بوصلتها في الإتجاه الصحيح وألا تدفعها مخاوفها من الإخوان وسلوكهم أو المرارات السابقة في علاقتها معهم، إلى الإنتحار السياسي بمنح الفرصة لشفيق ليعود مجددا، كما أنها لا تملك ترف الخطاب العدمي بمقاطعة الإنتخابات والرهان على النزول للشارع لأنه رهان محفوف بالكثير من المخاطر على الوطن كله. فالمخاوف من الإخوان مهما عظمت فانها تبدو في ظني صغيرة جدا في مواجهة إحتمال عودة نظام مبارك مرة أخرى لسدة الحكم… القوى الثورية التي أضاعت فرصة تاريخية في الإنتخابات الرئاسية لو أنها توحدت خلف مرشح واحد كان سيفوز من الجولة الاولى، لكن القدر يمنحها فرصة جديدة لتصحيح الخلل في المعادلة الراهنة تحسين شروط هذا السيناريو البائس من خلال فرض شروطها ورؤيتها من خلال الدور الذي يمكن أن تلعبه في جولة الإعادة.
فجميعنا يدرك ان مرسي أو شفيق ليس الخيار الأفضل للوطن، فالاول يمثل جماعة تريد، أو هكذا يبدو، إبتلاع الوطن، والثاني يريد إعادة إنتاج نظام مبارك.
هذه الحقيقة تفرض على هذه القوى أن تجيب بشكل واضح وبعد تفكير عميق ووفق حسابات دقيقة على سؤال عن اي الطرفين أخطر على الوطن والثورة؟ عندها يمكن أن تحدد أي طريق تختار هل تؤيد مرسي أم تقاطع، لكنها بالتأكيد وفي كل الأحوال لن تؤيد الفريق شفيق. في كل الأحوال فان القوى لن تدعم مرشح مبارك ولكنها في المقابل لا ينبغي أن تعطي الإخوان صكا على بياض في الإنتخابات الرئاسية بل لابد من توافر ضمانات حقيقية ومقبولة.
حالة التشوش والإرتباك والإرباك في مواقف الناخبين ستسمر والحرب الكلامية والإعلامية بين معسكري شفيق ومرسي ستزاداد ضراوة خلال الأيام المقبلة وحتى موعد جولة الإعادة، وسيواصل النظام القديم ومناصريه شيطنة الإخوان في مسعى للاجهاز على ما تبقى لهم من رصيد شعبي ومحاولة قطع الطريق على كل من يمكن أن يفكر في منح صوته لمرسي في الإعادة من خارج الإخوان سواء من أنصار أبو الفتوح او حمدين، وفي حال نجح هذا المخطط فان الأخوان سيدفعون ثمنا مضاعفا، مرة لإخطائهم السياسية وأخرى لخسارتهم الإنتخابات الرئاسية وثالثة لفوز واحد من ألد خصومهم الكبار. هذا السيناريو المخيف يضع على كاهل الإخوان مسؤولية إضافية لمحاولة التصدي له من خلال مزيد من التنازلات والتحلي باكبر قدر من الواقعية السياسية. الكرة الآن في في ملعب قوى الثورة ومعهم الإخوان وليس في أي ملعب أخر ليقرروا مصير الوطن وثورته فماذا هم فاعلون؟’ كاتب مصري