الإنترنيت في سورية والخوف من المجهول

حجم الخط
0

الأسد يوقع المرسوم 26 المتعلق بقانون الإعلام الالكتروني أنور بدر دمشق ـ ‘القدس العربي’: قبيل يومين من سقوط نظام مبارك في مصر بطريقة سلمية أذهلت المراقبين، كنا نحن في سورية على موعد مع حدث آخر، لا تمكن مقارنته بثورة مصر إلا من حيث التزامن، لكنه حدث مهم في حياتنا نحن السوريين، حيث ألغت الأجهزة المعنية الحظر المفروض على موقعي التواصل الاجتماعي الشهيرين ‘فيس بوك’ و’ يوتيوب’ في خطوة باركها الشباب السوري وهللوا لها، فلأول مرة في سورية نستطيع الدخول إلى هذه المواقع بشيء من الحرية، ومن دون حجب أو بروكسيهات. لكنها ‘يا فرحة ما تمّتْ’ كما يقول العامة، إذ ظلت الخطوة السورية على أهميتها قاصرة أو جزئية، ويبدو من غير المفهوم في هذا الإجراء فتح تلك المواقع التي كان لها دور في إسقاط بعض الأنظمة العربية، بينما يُصر النظام السوري على حجب بعض المواقع المحلية، مثل ‘كلنا شركاء’، وحجب مواقع بعض الصحف أمثال ‘القدس العربي’، مع أن هذه المواقع لا تشكل خطرا يمكن أن يهدد سلامة أي نظام، إن لم يكن العكس هو الصحيح. فالحرية وتبادل الثقة مع المواطنين طريق الاستقرار.

أهمية هذا الموضوع بالنسبة للسوريين غير نافلة مطلقا، غير أنه تبقى لدي أسبابي الخاصة للاهتمام بهذا الإجراء الأخير، فأنا أعمل منذ عقد ونيف كمراسل ثقافي من سورية لصحيفة ‘القدس العربي’، ولم أتمكن مرة واحدة من الإطلال على هذه الصحيفة من دون اللجوء إلى طرق ملتوية من بروكسيهات وكسر للبروكسيهات، قد لا يصدق كثيرون أنني كتبت في هذه الصحيفة بداية لسنوات دون أن أتمكن من مشاهدة ما أكتبه، وحينها كنت كالرسام الضرير الذي يرسم دون أن يرى جمالية ما يرسم، ودون أن يستمتع برؤية إبداعه مُجسّدا على حامل. وحتى بعد أن تمكنت من الدخول إليها عبر طرق التفافية، ما زالت تغيب عني لفترات قد تطول أو تقصر تبعا لشروط لسنا بصددها الآن، والأطرف من كل ذلك هو السؤال الذي يواجهني به الكثير من المتابعين والأصدقاء، من محبي ‘القدس العربي’ أو من المتشككين على السواء: كيف يستمر حجب صحيفة ‘القدس العربي’ حتى الآن بينما الأستاذ عبد الباري عطوان رئيس التحرير مدعو للكثير من المناسبات في سورية، خاصة ما يتعلق منها بالإعلام والمقاومة على سبيل المثال؟ كيف يستمر حجب ‘القدس العربي’ وهي أصدق تمثيل للخط القومي الذي ينطلق منه حزب البعث الحاكم في سورية؟ ولكل ما يترتب على ذلك بالمعنى السياسي والدعائي الفكري؟ وكنت أقف دائما في مساحة من الحيرة عاجزا عن الإجابة!. الخطوة الثانية التي زادت خلط الأوراق تجلت في تسريب خبر توقيع الرئيس بشار الأسد على قانون الإعلام الإلكتروني بتاريخ 14 شباط (فبراير) بالمرسوم رقم 26 دون نشر هذا المرسوم في الصحف السورية كما جرت العادة، تمّ فقط تسريب الخبر نقلا عن ‘مصادر’ إلى بعض من مراسلي الصحف العربية، وفي الإعلام المحلي اكتفت الفضائية الإخبارية في سورية بإيراد الخبر بذات الصيغة ونقلا عن ‘مصادر’ أيضا، بينما لم نجد شيئا على موقع وكالة الأنباء ‘سانا’ أو في الصحف السورية الرسمية. ولا ندري إن كان يمكن إطلاق صفة السرية على مرسوم جمهوري، يجب على وسائل الاتصال الإلكترونية كلها التعامل معه، والتقيد بتعليماته؟!

وللعلم نقول بأن هذا القانون العتيد الذي أطلق عليه ‘قانون تواصل العموم على الشبكة’، سبق وتمت عملية تسريب مسودته إلى بعض المواقع الإلكترونية في سورية منذ النصف الأول للعام المنصرم، حيث أثارت الكثير من السجالات وردود الفعل الاستنكارية الرافضة له ولطريقة تسريبه، والآن نفاجأ بأن السيد رئيس الجمهورية قد وقع القانون كمرسوم جمهوري، لكن مع وجود تعديلات على المسودة التي سُربت أولا، وكل ذلك نقلا عن ‘مصادر’ لا نعلم كم يمكننا الوثوق بمصداقيتها حقا. ومن أهم هذه التعديلات كما أوضحت ‘المصادر’ أن ‘المشروع لا يشير إلى أي شكل من أشكال الرقابة على المواقع الالكترونية، وأن العقوبات التي وضعت هي عقوبات مالية فقط، أي أنها لا تتضمن الحبس كما هو وارد في قانون المطبوعات السوري’. النقطة الثانية المهمة وردت في التعريفات، حيث باتت ‘وزارة الإعلام’ هي المعنية بالقانون وليست ‘وزارة الاتصالات والتقانة ‘كما جاء في المسودة المسربة قبلا، وهذه المسألة تعني اعترافا أوليا بهذا الإعلام أكثر من كونه مسألة تقانة يمكن أن يُسمح بها أو أن تُحجب. غير أن نقاش المسألة بعيدا عن كل هذه التفاصيل وعن إجراءات التسريب التي تمت، يعيدنا إلى مربع الأحداث الجارية في المنطقة العربية بالضرورة، حيث اشتعلت الثورات العربية في أكثر من بلد كنا نخال استقرارها أبديا، وسقطت حكومات كانت لفترة قريبة تتباهى بنسب التأييد التي تحصل عليها في الاستفتاءات الجماهيرية، بحيث بات الإصلاح السياسي والاقتصادي هاجسا ملحا على كل الأنظمة العربية، وربما كانت ملحاحيته في الدول التي لم تهب عليها رياح التغيير بعد، أشد ضرورة من تلك التي خرجت فيها الجماهير تعلن مطالبها على الملأ. من هذه الزاوية تتجلى أهمية الإجراءات السورية الأخيرة، فما بين فتح بعض مواقع التواصل الاجتماعي وما بين تسريب خبر المرسوم 26 المتعلق بالإعلام الإلكتروني خمسة أيام فقط. وهنا لا بد من الاعتراف بأن هذه الإجراءات تجيء في الوقت المناسب باتجاه تصحيح مسار الإعلام السوري، باعتباره مطلبا ملحا لدى الشباب السوري بل ولدى كافة فئات المجتمع التي تتطلع إلى المزيد من الحريات العامة، وتجيء هذه الإجراءات أيضاً في اللحظة الحرجة التي بات ينظر فيها إلى حرية الوصول إلى المعلومة وحرية التعبير باعتبارهما مطالب محقة لدى الشباب، قد تعادل حقوقهم في الحصول على العمل أو الخبز مثلا. وهو ما كفلته المادة 38 من الدستور في سورية بالنص على أنه: ‘لكل مواطن الحق في أن يعبر عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى… وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون’. وهذا الحق ينسجم مع التشريعات الدولية أيضا، كما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتحديداً ما تضمنته المادة (19 ) التي نصّت على: ‘1- لكل فرد الحق في اتخاذ الآراء دون تدخل. 2- لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية البحث عن المعلومات أو الأفكار من أي نوع واستلامها ونقلها بغض النظر عن الحدود’ . لذلك تبدو الخطوات السورية باتجاه تصحيح مسيرة الإعلام ضرورة حتمية، سواء ما تعلق منها بتحرير بعض مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنيت كالفيس بوك وغيرها، أو التفكير بوضع قانون لحماية الإعلام الإلكتروني وليس حجبه أو مراقبته، لكن ما هو أشد ضرورة الذهاب بهذه الإجراءات حتى نهايتها، بدءاً من تحرير الإعلام من كل أشكال الرقابة، وتحرير الإعلام الإلكتروني أو فتح كل المواقع من دون أي حجب أو بروكسيهات، عملا بالمقولة التي رددت زمنا ‘لا رقابة على حرية التعبير إلا رقابة الضمير’، بما يتضمن تعديل التشريعات الصحافية لتصبح منسجمة مع نصوص الدستور، وروح العصر، والحقبة التاريخية التي تمّر بها البلاد، وأقصد بذلك تعديل قانون المطبوعات رقم 50 لعام 2001 والذي وعدنا بتغييره منذ لحظة صدوره. ليس أمامنا مجال بعد للتردد أو الخوف من الفضاء الرقمي باعتباره مجهولا، فقد غدا هذا الفضاء الافتراضي أكثر حقيقية في حياة شعوبنا من كل الأيديولوجيات والشعارات السابقة، وكما يقول مارشال ماكلوهان ‘تكنولوجيا الاتصال والمعلومات الحديثة هي إحدى الركائز الأساسية لحضارتنا الإنسانية المعاصرة، وإهمال استخدامها والاستفادة منها ومن ايجابياتها كفيل بأن يقذف بأي مجتمع إلى حضيض التخلف’، ونحن بالطبع نطمح إلى مزيد من الحرية والتقدم. وإذا تابعنا ما أورته ‘المصادر’ في خبر توقيع المرسوم، نكتشف أن عدد السوريين الذين يتصفحون الانترنيت في سورية يبلغ حوالي ثلاثة ملايين متصفح، وأنا أضيف أن هذا الرقم قابل للتضاعف خلال أشهر قليلة إن لم تكن أياما، كما نقرأ بخصوص المرسوم أنه من ‘المتوقع أن يصبح مرسوما نافذاً بعد التصديق عليه في مجلس الشعب خلال الأيام القليلة المقبلة لينظم عمل المواقع الالكترونية والتي تجاوزت الأربعة آلاف موقع في سورية بينها 165 موقعاً إعلامياً’. وقد أضافت ‘المصادر’ التي سربت الخبر أن هذا المرسوم سَيُعمل به منذ بداية شهر آذار (مارس) القادم، والذي ولجنا إليه دون أن نعرف بعد المعايير التي أعدتها وزارة الإعلام السورية لعمل المواقع الالكترونية، ودون أن تعرف هذه المواقع أو حتى تطلع على المرسوم ومواده القانونية التي ستلتزم بها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية