الإنتصار علي الجهل وعلي العبودية مقدمة لانتصار المشروع الوطني العربي

حجم الخط
0

الإنتصار علي الجهل وعلي العبودية مقدمة لانتصار المشروع الوطني العربي

خليل قانصوالإنتصار علي الجهل وعلي العبودية مقدمة لانتصار المشروع الوطني العربي جاء في تقرير للأمم المتحدة أن مكاتب لتجنيد المرتزقة، تعمل في بلدان أمريكا اللاتينية، وإفريقيا وآسيا، تحت غطاء التشغيل في وكالات خاصة للحراسة وللأمن. ولكن العناصر الذين يتم اختيارهم عن طريق هذه المكاتب، وهم من الفقراء الباحثين عن لقمة العيش لعائلاتهم، يخضعون لدورات تدريب عسكري في بعض بلاد الشرق الأوسط، قبل إرسالهم إلي العراق للقيام بمهمات قتالية إلي جانب قوات الإحتلال. وهذا يشكل من وجهة نظر خبراء المنظمة الدولية خرقا للعقد الذي يوقعه هؤلاء المساكين حين التحاقهم كموظفين لحماية الشركات الأجنبية. ويبدو أيضا، إستنادا لدراسة ظاهرة إجتذاب المرتزقة هذه، من البيرو ومن التشيلي، والهندوراس والإكوادور، وكولومبيا، أن هناك غموضا يلف هوية المستخدِمين الحقيقيين، كما يتضح ذلك من كثرة العملاء والوسطاء الذين ينجزون عملية التطوع ثم يتوارون عن الأنظار، أو يستبدلون المسميات والعناوين التي يتغشون بها (عن جريدة Le Monde الفرنسية الصادرة في 5ـ6 شباط/ فبراير 2007 ص 6).ينجم عنه، أن أعدادا كبيرة من فقراء هذه البلاد، يقدرون بخمسين ألفا، دُفع بهم إلي العراق، ليصيروا بقوة الأمر الواقع جنودا في خدمة جيوش الإحتلال. وهم حينما وقعوا علي عقد العمل من أجل العيش ومن أجل راتب شهري يساوي ألف دولار، لم يكونوا علي معرفة بأنهم سوف يجبرون علي ممارسة الجندية، وعلي المشاركة في حرب عدوانية ضد شعب باتت أكثريته من الفقراء مثلهم. وهنا تلزم الإشارة إلي أن هؤلاء الجنود، رغما عنهم ، لا ُيمنحون بالطبع من قبل الذين جاؤوا بهم إلي العراق، صفة الجندي الكاملة، أي أنهم دائما في منزلة إئتمار، بالنسبة للجندي الأصلي في جيش الدولة الغنية الغازية. ولكن ما هو كبير الدلالة في هذا الموضوع، هو إنقطاع العلاقات بين هؤلاء المرتزقة من جهة وبين كل الآخرين من جهة أخري، وكأن وجودهم، ليس ذا أهمية، أو كأن ما يمثلونه يقاس فقط بالعدد، أو بالكمية اللازمة منهم، لإنجاز الخدمات المطلوبة. فلا توجد دولة، أو مؤسسة، أو قيادة، تستطيع معرفة عددهم بالضبط، أو بإمكانها إحصاء الخسائر التي تقع في صفوفهم، أو قادرة علي تأمين وصول الأجور التي وعدوا بها. هذا حسب فريق العمل الذي كلفته الأمم المتحدة، بدراسة الآثار والميول الناتجة عن استجابة المعدمين في بلاد أمريكا اللاتينية للطلب المتنامي علي المرتزقة (Le Monde).وإستنادا عليه، تكون الولايات المتحدة، قد استقدمت إلي العراق عشرات الآلاف من فقراء العالم، مادة بشرية يمكن جلب المزيد منها أو استكمالها تعويضا للخسائر التي تلحق بها. فأعدتهم تدريبا وتسليحا، ثم أقحمتهم في حرب القصد منها هو تخريب البلد، وإرهاب ساكنيه وإفقارهم. أي بكلام آخر، صار الفقراء يقاتلون لحساب الإدارة الأمريكية، وينفذون مخططاتها القاضية بتوسيع رقعة الفقر. هكذا يمهد اقتتال الفقراء للغزو، وُيضعف مقاومة الإحتلال. فلا منأي أمام هذه المعادلة، عن مقاربة المسألة التي يطرحها وجود هؤلاء المرتزقة في العراق، أو بعضهم من الذين ظنوا أنهم جاؤوا إلي هذا البلد، كحجاب او كحراس في شركات للأشغال العامة، ولكنهم ُخدعوا وُألحقوا بفرق عسكرية مهمتها، زرع المتفجرات ونصب الكمائن للوطنيين. إنهم يقومون بأعمال إجرامية بحق الشعب العراقي مؤازرة لأعدائه، رغم أنهم ليسوا في الحقيقة أعداء ً لهذا الشعب. بمعني أن سلطات الإحتلال هي التي قررت أن يكون البيروفي مثلا، عدوا ً للعراقي، دون أن تستشير هذا وذاك. لأن كلفة المقاتل البيروفي، لا تتعدي مبلغ الألف دولار شهريا، ما بقي حياً قادرا علي خدمة المحتلين. أما إذا قُتل، فلا إحصاء يلحظ إسمه، ولا سلطة تُسأل عنه، ولا حكومة تكفل عياله. يستوجب التوقف هنا، للتأكيد علي أن الإعلانات عن الإعتراف بحقوق الإنسان، وعن احترام إرادة الشعوب لم تغير شيئا من طبيعة المستعـمِرين الغربيين منذ القرن التاسع عشر. فهم ينشرون جيوشهم في العراق، وفي فلسطين وفي لبنان، فرضا بالقوة لما يريدونه، واستيلاء عـــلي الموارد وعلي الأرض وعلي الناس، وإن ووجهوا بالرفض وبالمقـــــاومة، أحــــرقوا القـــري وقـــتلوا الأطفال والنساء وقطّــــعوا الرؤوس Sven Lindqvist : Exterminer toutes ces brutes . أما القوانين التي يسنونها، والمحاكم التي يشكلونها، والقرارات التي يتخذونها في مجلس الأمن وفي غيره، فإنهم ُيلزمون الآخرين علي الإمتثال لها، في حين أنهم لا يطبقونها في سياساتهم وفي معاملاتهم. المفارقة إذا ً، هي أن الفقراء يندفعون إلي الإقتتال فيما بينهم، في إطار سيرورة تشبه التدمير الذاتي، او الإنتحار الجماعي، يطلقها عدوهم المشترك. قد يأخذ هذا الإقتتال أشكالا مختلفة. فقراء من بلد ما، ُينقلون للقتال في بلد آخر. حرب أهلية بين الطوائف أو بين القبائل أو بين الأحزاب داخل البلد الواحد. ولكن السمة الأساسية لمثل هذه الصراعات، هي في النهاية اطالة وجود العدو المشترك وتعاظم نفوذه.المسألة ليست في معرفة من البادئ بإثارة الفتنة الداخلية، أو من يدافع عن قضية عادلة أو من يتآمر عليها. فلا يجوز إغفال الدور الذي تضطلع به بعض العناصر المحلية التي يغلب ولاؤها للمستعمِر علي مواقفها ويعمي بصائرها، في تجييش الناس، وفي زيادة الإحتقان. كما لا بد من الأخذ بعين الإعتبار، الطاقات الكبيرة التي يملكها العدو المشترك. فهو غنيٌ بحيث يستطيع شراء ذمة الفقير إذا كان الفقير جاهلا، ولديه من الوسائل التي تمكنه من افتعال الصدامات وإشعال الحرائق إضافة إلي ممارسة الضغط والترهيب، والإبتزاز، متجاهلا للأعراف وللشرائع وللقيم. وبناء عليه، فإن الفقراء يقاتلون، أحيانا كثيرة إلي جانب عدوهم. أي أنهم يجهلون من هو عدوهم الفعلي، وينجرون إلي القتال ضد أنفسهم، اما انقيادا لزعمائهم، وإما نتيجة للوقوع في أحابيل أعدها لهم هذا العدو. ويمكن الجزم بأن الجهل سمح باستشراء النزعة العصبية في المجتمعات العربية، مهما اختلفت المظاهر التي اتخذتها، وأوقعت هذه المجتمعات في مأزق ديني وسياسي خطير، بمعني أنها أضلت قلوب الناس وقصرت عقولهم، فلم يمسكوا بجوهر الدين، ولم يبصروا طريقا يقودهم إلي الصلاح وإلي الأمان. من البديهي، أن المستعمِر يكون هو الطرف الأقوي في بداية المواجهة بينه وبين الشعب المستعمَر. وبالتالي فان مهمة المقاومة الأساسية هي قلب هذه المعادلة ترجيحا لكفة الميزان لصالح القدرة علي إزالة الإحتلال. يقتضي ذلك الدخول في منافسة، إنارة ً لحقيقة العدو، ولأهداف تواجده في البلد المحتل. بمعني أن علي المقاومة أن تقوم بدور تربوي، لإخراج المواطن من حالة الرق والعبودية التي تجعل منه إرثا يتناقله الأمراء والأولياء. إن انعدام الرشد والجهل، يحط الإنسان، فيأتمر ويطيع دون أن يتفحّص ما يطلب منه ودون أن يقتنع بما يفعله، بعكس المقاوم الذي يعبر إنخراطه في النضال عن وعي ذاتي بمعطيات الحاضر وعن ارادة في تهيئة الظروف لمستقبل لا تكون فيه الحياة استعطاء من أجل العيش، بل فعلا وجوديا متجددا، إرتقاء بالذات وإغناء لها. ذلك يحمل علي القول ان المقاومة تبدأ، بإطلاق الفكر وبإفساح المجال أمام الآراء وأمام المبادرات، كي تتقابل جميعها بحرية كاملة، تبيانا للمصلحة العامة واستخلاصا للتوجهات التي تجعل الشعب متماسكا، شديد البأس والشكيمة. تلك هي الوسيلة التي بها يمكن إغلاق ما أمكن من المنافذ التي تتيح تغلّل المستعمِر إلي بعض فئات الشعب، أو جعل هذا التغلل عسيرا ومحفوفا بالمخاطر. هكذا تتوفر ظروف التوافق الضرورية لنقل المواجهة إلي ساحة أوسع تضم كل مكونات المجتمع، كشرط أساسي لتحييد قوة المحتل الهائلة ولإبطال فعلها، ولمنعه من إرساء دعائم محلية لسلطته. وفي هذا تختلف المقاومة، عن الجيش النظامي بما هو أداة للسلطة الوطنية، مهمتها الوحيدة هي الدفاع عن الأرض وتحصين البلاد ضد الجهات الخارجية التي تضمر العداء للشعب. بمعني أن المقاومة تنشأ حينما يقع الإحتلال، أو يصير حقيقة ملموسة. أي عندما يتواجد العدو في داخل الوطن، يعبث فيه كما يشاء، يعمق الإنقسامات بين فئات الشعب، يحرّض فريقاً علي فريق آخر، يفكك المؤسسات، ينهب الإدارات والمرافق العامة، يستولي علي الوثائق الرسمية، يشكل بدائل للسلطة وللأجهزة الأمنية. عندئذ يكون المشروع الوطني قد سقط، والمسؤول عن سقوطه هو النظام الذي عجز عن ردع المعتدين. ينبني عليه، أن واجب المقاومة لا يقتصر فقط علي خلق المتاعب للعدو لإجباره علي الإنسحاب، ولكن عليها أيضا، وفي نفس الوقت استخلاص العبر من الكارثة التي حلّت، إضافة إلي إطلاق عملية انجاز مشروع وطني جديد بمشاركة جماهيرية واسعة. يتطلب ذلك بالطبع جهدا كبيرا، وعطاء فكريا متحررا متجددا، وذكاء سياسيا، قادرا علي استنباط الآليات مطابقةً لضرورات المتغيرات. فليس من باب الصدفة أن الذين قادوا مقاومة شعوبهم ضد الإستعمار حتي اندحاره، هم رجال عظماء من أمثال هوشي مين ومانديلا. يبقي أن المهم من وراء كل ما تقدم هو التأكيد علي أن الصراع بين المقاومة، وبين المستعمِر، هو صراع كامل ونهائي، فإما أن يزول الإحتلال وإما أن ُتصفي المقاومة. بمعني أن المستعمِر وخاصة المستعمِر الإستيطاني، لا يهادن حركة رافضة لوجوده، لا سيما إذا كانت تستند إلي قاعدة شعبية واسعة. لأن حركة من هذا النوع، قد تهيئ إستنهاض جبهة وطنية شاملة، تنجز التحرير وتبني الوطن. كاتب من لبنان يقيم في فرنسا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية