الإنتفاضات العربية وغياب فلسطين والقومية العربية’

حجم الخط
0

عبدالامير الركابي

تطغى الاحادية دائما في العالم العربي، على التوجهات، فتهيمن على الافكار. عندما كانت النزعة التحررية غالبة، أ ُهمل موضوع الحريات والديمقراطية، لابل إعتبر سبة، ودليل قلة إستقامة ثورية، اليوم تطغى دعوى ‘الديمقراطية’ ويقبر ما سواها، لامكان لمسألة السيادة الوطنية، فلسطين ليس من الضروري ان نفكر بتحريرها، قضية العروبة منسية. الحديث عن الاقتصاد، وتوجيهه لخدمة الفقراء. لايخطر على البال. الديمقراطية هي كل شيء، لدرجة ان المرء يكاد يشك، فيتصور انها لا شيء. كمثال، وقبل انعقاد الدورة الثانية من مؤتمر من يسمون ‘اصدقاء سورية’ في تركيا مؤخرا، حرص ‘الاخوان المسلمون’ السوريون والمجلس الوطني (لايحمل تماما اسم مؤتمر الجلبي طيب الذكر، مع انهما الاثنان و’طنيان’، ومن نفس الطينة) على إصدار وثائق يقولون لنا فيها، ماهو مستقبل سورية الذي علينا انتظار تحققه على ايديهم. الوثائق لم تتطرق في اي جزء منها، لمسألة العروبة، او القومية العربية، او الوحدة. بما يتعلق بفلسطين، يلفت الانتباه القول في وثيقة الاخوان، بانهم يريدون ‘استعادة ارضهم’، المقصود طبعا الجولان فقط، اما المسالة الفلسطينه، فتذكر ذكرا باهتا، عرضيا، لدرجة انها لاتسترعي الانتباه، وهذه بلا شك، قفزة كبرى في التفكير والمقاربات السورية، طيلة العصر الحديث، قفزة ليست الى الامام. فهذه البلاد تميزت بانها اكثر البلدان العربية تعبيرا عن مفهوم الامة، وهي كانت ودائما تفخر، بانها ‘القلب النابض’ للعرب، وهنا تبلورت التيارات القومية الاولى، وصولا الى البعثية والناصرية، لابل وظهرت هنا فكرة القومية السورية، كذلك مورست، على مستوى القوانين، اكثر الميول المعروفة التى تقترب قانونيا من عربية السوري، ويذهب الدارسون لخصائص سورية، وتاريخ سورية الحديث، الى ملاحظة حقيقة جوهرية، مفادها اصلا، اختفاء التعبير ‘الوطني’، لصالح التعبير القومي، وان الافكار في هذه البلاد، تنتقل من المناطقية والطائفية وغيرها من المكونات الجزئية، مباشرة الى القومية الاوسع، وان لا توسط بين هذين التعبيرين في سورية الحديثة، لدرجة يمكن معها القول، بان ‘القومية العربية’ هي ‘الوطنية السورية’، ولا فصل بينهما. هذه الحالة تكفي بسبب نموذجيتها، كمدخل، يجعل المراقب لايفكر كثيرا، بالموقف المصري، او التونسي، او اليمني، بحيث يمكن القول، بان الديمقراطية اذا كانت لها اشتراطات، او ملامح رئيسية في العالم العربي، فان اولها وابرزها هو القطرية، وهذا لايتحول اليوم الى مجرد اعتبار سياسي او ايديلوجي، وهو لايستدعي حتى الدخول في محاججات، حو تفاصيل متعلقة بفكرة العروبة، او فلسطين، بقدر مايمارس ببداهة، وكانه من تحصيل الحاصل. الامر الذي يثير الدهشة، ليس لانه واقع ممارس، بل لانه يمارس دون ان يثير الدهشة. او هو لايجعل الكتلة الفعالة في هذه المنطقة، تفكر مجرد تفكير، بفداحة هذا المظهر، او بمقدار العسف، الذي يصيب الان، افكارا كانت اساسية ومحورية، وظلت كذلك على مدى عقود، خلال العصر الحديث، ناهيك عن وقعها، وحضورها في التاريخ، واصالتها في الكينونة الذاتية، وفي الملامح والسمات والبنية الوطنية والقومية. لم اكن في يوم من الايام، ‘قوميا’، والافكار والمقاربات التي يتبناها القوميون لاتعجبني، ولاتدخل فيما اعتبره محققا للذاتية العربية، لكنني عروبي حتما، في الاصول، والانتماء، والتاريخ، والتحقق، والمصير، وافترض بان للعروبة سبل تجسدها الراهنة وتبلورها كذاتية وهوية، ليس من خلال ماعرف من افكار ‘القومية’المتعارف عليها، الا انني لااستطيع ان اتصور ابدا، ان هذا الجانب والملمح الرئيسي من كينونتي، يمكن ان يغيب فجاة، من سجل المقاربات التاريخية، خلال لحظة فاصلة، وتحولية كبرى. وليست هذه حالتي شخصيا، من دون غيري. وعلى مااظن، فان الملايين من الناس، ممن ملاوا الساحات والميادين، او مازالوا يملاونها، اذا فكروا بذواتهم، فانهم سينطقون باعتبارهم عربا، ومن هذا المدخل، سينطلقون باعتبارهم فلسطينيين. ومهما كان المعنى، او المشروع، او السبل التي يعتقدونها، او يقترحونها لهذه العروبة، او لمقاومة الغزو الاسرائيلي للارض، وللمفهوم التاريخي التوراتي الابراهيميى، الذي هو في صميم منجز هذه الامة، فان محورا واحدااصليا، سوف يحكمهم حتما. قد يقول البعض، بان مسالة الديمقراطية، اولا ومن ثم ننظر، وهذه مقولة لاتستقيم مع نوع الضرورات الحاكمة للوجود العربي على الاطلاق، وحسب سلم الاولويات، فهي تجعل من القضية القومية، امرا ثانويا، كما تؤجل قضية فلسطين، وهذان المنحييان، يفقدان هذه المنطقة، اهم مكونات هويتها، التي لاوجود لها من دونها، ان الغرب اليوم يهلل لديمقراطيتنا، ويكذب، وهو الذي اطلق تعبير ‘الربيع العربي’على مايجري، فهل هو مستعد ياترى، للتمسك بهذا التعبير، في حال احتوائه على تجديد للقضية الفلسطينية وللعروبة؟ الامر ابعد من هذا بكثير، فالانتفاضات العربية لاتلتقي. لم تتناد ابدا للقاء على المستوى العربي، للتشاورعلى الاقل. ولتبادل الاراء، او حتى لكي تشتم مفاهيم القومية السابقة، ومقاربات الموضوع الفلسطيني المتعاراف عليها، وتعلن فشلها، مع شرط الوعد بتغييرها. المؤتمر الوحيد الذي نراه ونسمع عنه، هو ‘مؤتمر اصدقاء سورية’ بزعامه هيلاري كلينتون، وبظل غياب فلسطين، والعروبة، ومع تخلي من يعتبرون انفسهم ممثلي الشعب السوري، عن سوريتهم، اي عن عروبتهم، التي هي جوهر وطنيتهم. لايمكن بناء عليه مطلقا، ان نصادق، او نوافق، على فكرة ‘كمال’ الانتفاضات الجارية. هنالك نقص ما، نقص كبير، يعتورها كظاهرة وككمارسة غير عادية، وانقلابية تغييرية، في التاريخ العربي الحديث والقديم، اقل مايقال بشانه، فقر هذه الظاهرة من زاوية غياب كلية التعبير القومي داخلها. وحتى لو قال البعض، بان الديمقراطية هي اعظم تجسيدات العروبة، فان التدقيق يظل يقول، بان الديمقراطية تتعثر بسبب هذا النوع من النقص، وان التقاء هذه الانتفاضات، حين يؤجل، فان ذلك لايدل ابدا على قرب ‘تحقق الغاية المنشودة’، اذ ينبغي قبلا ان نجيب على التساؤل التاريخي الاهم: ‘من نحن’ ضمن العالم، من نكون بين حضارات وكيانات الكوكب الكبرى. او اننا سنصحو يوما، فنجد ديمقراطيتنا تضيع، وكلينتون تظل ربانها، وضيف الشرف الدائم فيها. منذ الايام الاولى للانتفاضات لم تتوقف المحاولات الهادفة لاقامة لقاء عربي بين ممثلي التغيير، من دون افكار مسبقة او اشتراطات، مع ضرورة تحديد جدول عام بالموضوعات المطلوب تناولها، بناء على ايقاع وحكم اللحظة. هذه الجهود، وبعد مرور اشهر، ماتزال تتعثر، ماتزال بعيدة عن الهدف، والانتفاضات تتراجع، الاهداف الكبرى تصغر، الا يتطلب الامر من الناشطين.. من المتعاطين بالافكار، الحريصين على المستقبل، ان يدلوا بدلوهم، وان يساهموا في اقحام هذا المطلب، على جدول اهتمامات الديمقراطيات، من اجلها، من اجلنا، ومن اجل ان نستعيدها، لتصبح ‘ديمقراطيتنا’لاديمقراطية ضيوف الشرف.’ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية