الإنسان بين العولمة والإغتراب الثقافي

حجم الخط
0

نضال بلعاوي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ظهرت أمريكا كراعي للشعوب والديمقراطية، فأفرغت الثقافة العربية من الأصالة، حيث أن الثقافة الاصيلة تتشكل من خلال علاقة جدلية مع مجموعة هائلة من الظروف التي يمر بها الإنسان في مرحلة تاريخية معينة، وهي ترجمة واضحة لعلاقات الانتاج وأدواته، وصورة للبنية الطبقية للمجتمع، وانعكاس هذه العوامل على البنية الاجتماعية والايدولوجية والفكرية للمجموعات يؤثر ويكون جزئاً مهما في تكوين التركيبة الثقافية للمجتمعات والأفراد.

قبع الوطن العربي فترة طويلة تحت نير الاستعمار، مما أدى إلى خلق خلل حقيقي في صيرورة وتطور البُنى المختلفة لمجتمعاتنا بشكل طبيعي، حيث أن تشوه الطبقات يحدِث تشوهاً في علاقات الانتاج، فلا تتبلور طبقات واضحة في مجتمعاتنا العربية لأن الغرب أطبق كفيه على الاقتصاد الوطني، وتحكم بالقرار السياسي، مما أدى إلى عدم تكوين صناعة أو زراعة حقيقية بمعنى الكلمة، فأحدث الاستعمار شرخاً في الثقافة الأصيلة التي تطورت بشكل غير طبيعي على مدار العقود الماضية، ثم أتت العولمة بأدواتها لتغزو المجتمعات العربية بطريقة ناعمة، فقلبت مفاهيم كثيرة لدى الأفراد والمجتمعات، حيث حلّت الثقافة الفردية محل الجماعية، فغدا الفرد آلة جشعة لا تنتمي لأي تركيبة مجتمعية ولا تنتمي للمجموع أو الدولة أو العروبة لأنها فقدت مفهوم الهوية الجمعية واكتسبت الهوية الفردية، وتأتي العولمة بتقلباتها المتسارعة لتصبح دخيلاً على الانسان العربي وتبني قاعدة هلامية غير ثابتة لأخلاقياته، فيتحول الصراع إلى تعايش، والمقاومة إلى اعتدال، والعدو إلى صديق، والخلاص الجماعي إلى خلاص فردي.

تتكون ثقافة الانسان من العادات والتقاليد واللغة والأديان والأخلاق والبنُى الفكرية والايدولوجية، وتعَمُّقُ الانتماء أو سطحيته يكون انعكاساً معقداً لدرجة اقتراب الانسان أو الجماعة لل’أنا’ من هذه البُنى’الثقافة’، ليقسًًّم الانتماء إلى درجات عند الانسان أو الجماعة أو الجموع، وتؤثر العوامل التي ذكرتها في البداية على تقسيم درجات الانتماء، فالانسان الأول انتمى إلى القطيع الذي يشاركه المصلحة في البقاء، ومن ثم انتمى إلى القبيلة التي يشاركها الدم والمصالح المعيشية، وبعدها إلى الوطن الذي يشكل حالة متطورة من الانتماء وذلك لطبيعة التنوع في العادات والتقاليد والاديان وربما اللغات لكن مع الحفاظ على الحد الادنى من هذه العوامل والمصالح الذاتية والاقتصادية والسياسية المشتركة، وهناك من كان انتماؤه قومياً أو أممياً لاقترابه من الانسانية ومصلحته بتوحِد الشعوب لصراعها مع الطبقات المستغِلة لتحقيق العدالة الانسانية، فلكل انسان أو مجموع عوامل أدت إلى أن تتشكل عنده ثقافة معينة تؤدي إلى أن ينتمي لفئات معينة، حيث كان للدين واللغة والاقتصاد النصيب الأكبر في تشكيل هذه الانتماءات من خلال علاقة جدلية يكون الانسان وآخره طرفيها.

تتطور الثقافات وتتنوع في الدول المتقدمة نتيجة التطور السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يحصل بسرعة هائلة، وتتطور الثقافة بشكل بطيء في الدول المتخلفة نتيجة التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي البطيء نسبياً، فنلاحظ أن كثير من الدور الافريقية محافظة على ثقافاتها الموروثة إلى اليوم، لا أنكر أن الثقافات تؤثر وتتأثر بشكل محدود، ولكن تصدير الثقافات للدول العربية التي لم تمر بنفس ظروف دول الغرب أدى إلى تشكل صراع بين الانسان العربي وذاته، بين ثقافته الداخلية التي هي اصلا في تناقض هائل مع ما هو موروث وبين ثقافته الخارجية التي يظهر بها، وهنا يصبح الانسان في حالة اغتراب ثقافي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية