الإنسان والميتافيزيقا: وجهان لعملة واحدة!

الميتافيزيقا هي الخير حين يفيض على الوجود ويغرقه في النور، ولذلك فإن العقل يستمد ملكته من الخير، ويدين للميتافيزيقا بوجوده وماهيته: «وإن لم يكن الخير ذاته وجودا، وإنما هو شيء يفوق الوجود قوة وجلالا»، فبدون عقل يظل الإنسان في مرحلة الحيوان، ما دام أنه محكوم عليه بالحرمان من الدخول إلى مملكة المعقولات وعالمها الفريد، لكن بأي معنى يمكن أن تحتكم الميتافيزيقا في ماهية العقل؟ وبعبارة أخرى، كيف استطاع العقل أن يجتذب بسحره الميتافيزيقا؟ وما هو دور الإنسان في هذا الجدل بين الميتافيزيقا والعقل؟
أخشى ان أضطر إلى ترك الكثير من الغموض من دون السعي إلى توضيحه، ولعل هذا بالذات هو الإرث المرهق الذي تركه سقراط للفلاسفة، والشاهد أنه كان يتهرب من الغموض، بواسطة تأجيل الحوار، ولذلك نجده يتفق مع محاوره في نهاية كل حوار باللقاء المتجدد في الغد: غدا نكمل الحوار، ذلك أن الحوار لا يمكن أن يصل إلى النهاية، لأن هناك أشياء ظلت في الغموض، وبعبارة هيدغر أن ما يقوله الفيلسوف يستحق أن يفكر فيه باستمرار، لأن الحوار الذي يظل من دون نهاية لا يمكن اعتباره خطأ، ولكنه دلالة على اللانهاية في ذاتها، ومن أجل الفكر الذي يتذكر إمكانية عيش قدره من جديد، لأنه عندما يأتي اليوم الذي سنترك فيه الفكر هناك، من دون استعماله سينتحر، أو يتحول إلى إنارة مشعة في الغرابة، تحذرنا من أن الخطر الذي يهدد هذه الكائنات الفانية، التي هي مدعوة إلى الانتباه إلى حكمة الميتافيزيقا التي تقول لهم: «تذوقوا طعم الموت كإمكانية مطلقة للوجود الفاني، والموت ليس نهاية الممكن، ولكنه المخبأ الرفيع الذي هو أعدل قسمة بين الكائنات الفانية مثله مثل العقل، هناك حيث سر كشف الحجاب الذي ينادينا» .

طالما أن الإنسان أصبح يدير ظهره للفكر والوجود معا، وطالما ان الثنية كسبب لوجود الميتافيزيقا ستختفي، ولن تعود في متناول الكائنات الفانية، بل إن الفكر قد لفه النسيان بمجرد ما تم نسيان الميتافيزيقا والتوجه بشراهة نحو التدين الشعبي والأوهام والأساطير والخرافات.

لا بد من الاعتراف بأن الفكر قد اختفى في زمننا هذا، ومدننا هذه، بعدما اشتد عليه خناق التقنية، ولم يعد هو تلك الطية التي تجمع بين الوجود والفكر، بل طالما أن الإنسان أصبح يدير ظهره للفكر والوجود معا، وطالما ان الثنية كسبب لوجود الميتافيزيقا ستختفي، ولن تعود في متناول الكائنات الفانية، بل إن الفكر قد لفه النسيان بمجرد ما تم نسيان الميتافيزيقا والتوجه بشراهة نحو التدين الشعبي والأوهام والأساطير والخرافات. ما زلنا أبعد ما نكون عن فهم ما الذي يجعل الإنسان المخدر الإدراك ينقض بشراهة ضد من يعلمه الحكمة، ويضع نفسه رهن إشارة من يستعبده ويستغله بالأوهام، وفي ظل هذه المقاربة المتشظية، يجب أن نفهم ما معنى أن الابتعاد عن الميتافيزيقا، هو نفسه ابتعاد عن النزعة الإنسانية، ما دام أن ما يحدد ماهية الإنسان هو العقل، والعقل لا يكون عقلا إلا عندما يبدأ في التفكير، بيد أن الوصول إلى هذا الهدف لن يتم بدون دعم الميتافيزيقا، لأن الفكر في حد ذاته ليس سوى تلبية لنداء الوجود، والميتافيزيقا هي علم الموجود بما هو موجود، فالفكر محكوم عليه بالانتماء إلى الميتافيزيقا إذ كان يرغب في عشق الوجود.

الإنسان والميتافيزيقا مثل الفكر والوجود، إنهما الشيء نفسه، فلا مجال للتفكير خارج هذه الثنائية، وإلا سيصبح قدر اللاوجود الحزين هو الأفق الوحيد، الذي سيرغم الإنسان على الانتماء إلى الجمهور عديم التفكير الذي يعتبر الوجود واللاوجود الشيء نفسه «كالصم والعميان والأغبياء»، بلغة بارميند، بل إن الحمير تفضل القش على الذهب، ولذلك ينصحنا هيراقليط بأن لا نختار قدر أولئك الذين لم يصلوا بعد إلى لحظة الإنصات، ولا إلى لحظة الكلام، بل إنهم يهتمون بالأشياء التافهة التي تسقط أمامهم في الطريق، ولذلك يعتقدون خطأ بأن السعادة تقوم على اللذة وتحقيق الثروة لكن: «لو كانت السعادة تقوم على ملذات الجسد، لكانت الثيران سعيدة حين تجد حبوبا للأكل» كما قال أرسطو. غائبون وهم حاضرون، ولم يعد لهم سوى طموح واحد، وهو الارتواء بالشهوات، خلاصة القول إن الإنسان لن يجد متعة إلا في ضيافة تلك العتمة التي تحكم باعتقال العقل، هكذا ينبثق العلم في الروح، وينشر العدمية، فيكثر السوقة الدخلاء على الحياة: «ولو كان هؤلاء العدميون على غير ما هم عليه من غريزة، لتبدلت إرادتهم وليس للنقص أن يجاري الكمال، فعلى من نشكو إذا صارت ناضرات الأوراق إلى الذبول.. دع الأوراق تنتشر، دعها تذهب مع الريح»، وليت تجتاحها أعاصير النار فتذريها رمادا.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية