ثمة أمل واحد أمام الإنسان المحب للحكمة، وهو أن يلقي نفسه في مدينة المتوحد التي يترأسها ابن باجة، الذي قال إن دخول المدينة لن يسمح به سوى لأهل الفطرة الفائقة، ومن أجل أن تكون إقامتهم ممتعة، ينبغي عليهم أن يحملوا معهم الحوار كعملة لصرفها مع أهل الفكر والفن. هكذا سيظهر ذاته من العدمية، ويسبح في مباهج الوجود، لكن ما الذي يمكن قوله عن هذا الإنسان الفائق الفطرة؟ وما علاقته بآراء أهل المدينة الفاضلة؟ وبعبارة أخرى، كيف يستطيع الإنسان أن يكون إنسانا، هل عندما يتحرر من العبودية؟ أم بمجرد ما يسلك الفطرة الفائقة أي العقل؟
جاء في كتاب «الجمهورية» ما يلي: «فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، وأرغمناه على أن ينهض فجأة ويدير رأسه، ويسير رافعا عينيه نحو النور، عندئذ تكون كل حركة من هذه الحركات مؤلمة له، وسوف ينبهر إلى حد يعجز عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلالها من قبل، فما الذي تظنه سيقول: إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل، وأن رؤيته الآن أدق، لأنه أقرب إلى الحقيقة» .
من الضروري أن نتوقف عند هذه الصورة المأساوية، التي تصف العبيد عندما يتعودون على العيش في ظلام الكهف، ولذلك يصعب تحريرهم حتى ولو تدخل الفيلسوف بكل معارفه، ولعل ذلك ما كان يقصده سقراط بقوله: «لو أرغمنا أحدهم على الخروج من الكهف ورؤية الشمس» ويعني بالشمس الحقيقة التي تقابل الزائف، وبعبارة إنها بيت الفلسفة، باعتبارها مجموعة من الآراء الفاضلة والأفكار العلمية، وهي معشوقة لذاتها، أي أنها أعز ما يطلب، ولا أمل في إنسان لم يتشوق لمعرفة الحقيقة. فالوعي الإنساني يخوض تجربته في الوجود، ليس بالمحسوس فقط، لكن بالمجرد الذي يتجه نحو المطلق. فالفرد يتعلم ما الذي تعنيه هذه التجربة، وكيف يمكن أن ينمو ويتطور إلى أن يقع في أحضان العقل، وهذه غاية الغايات، وليس عبثا أن تعرّف الميتافيزيقا الإنسان بأنه حيوان عاقل، لأن تجريده من هذه الماهية يعني تجريده من الإنسانية، والفلسفة ستظل باستمرار هي ذلك الشاهد الذي لا شاهد له.
لم يعد العقل يحكم التاريخ، بل يتحرك في هوامشه، ولعل هذه الفكرة مثل جثة هامدة تظل في حالتها البدائية، والجديد فيها ليس سوى تكرار للصيغة نفسها، التي تحرم الفكر من تأسيس ذاته على العقل والنقد.
ومن المعلوم أن هذا الرأي سيبدو مناقضا لوجهة نظر شائعة في عصرنا الراهن، وقد ساهم رجال الثيولوجية وبعض المدرسين النمطيين، في انتشار العدمية بين الناس، وأضحى العقل مجرد جنون، والحقيقة تؤدي إلى الإلحاد، هكذا لم يعد العقل يحكم التاريخ، بل يتحرك في هوامشه، ولعل هذه الفكرة مثل جثة هامدة تظل في حالتها البدائية، والجديد فيها ليس سوى تكرار للصيغة نفسها، التي تحرم الفكر من تأسيس ذاته على العقل والنقد. الواقع أن الزمن العربي هو أشبه بالليل الذي تكون فيه كل الأبصار سوداء، لا يترك مجالا للفكر والاختلاف، وربما تحولت هذه النعمة الرتيبة إلى عائق أبستيمولوجي يمكن تسميته بـ»الكل في واحد». هكذا أصبحت خدمة الأمير والزعيم والفقيه، هي الهدف الذي يخفي شمس الحقيقة، ويؤجل بزوغ النهار، من أجل أن تنزلق في الشفق ملامح عالم جديد، ويظل الإنسان بدائيا يتحرك في عالمه القديم.
وبما أن المرحلة المتردية التي وصل إليها الوعي الذاتي تدعو إلى القلق، فإنه من الواجب على الفيلسوف أن يدق ناقوس الخطر، وإلا ستتخلى عنه الفلسفة، لكن: «الشعور في قلبي وكلما حاولت إبرازه للفهم خبا السراج وانطفأ» كما قال هيغل. إذ لابد للفلسفة أن تنتفض ضد العبودية والهيمنة والقمع، لأنها مرآة لوطنها تعكس الخير والشر، وتسعى إلى إشعال نيران ثورة الحرية. فلا فكر دون حرية، ولا إنسان دون فكر، فالإنسان تكمن قوته في الروح وإرادته في المعرفة، وحياة الروح ليست هي تلك التي تفزع أمام الموت، وتصون نفسها من الدمار، وإنما تكمن عظمة الروح حينما تقاوم هذا الدمار وتجد نفسها في تمزق تام، وتسعى إلى تطوير نفسها من خلال الوعي، وتجعل وجودها متحدا مع ماهيتها.
وطالما أن روح الإنسان إيقاع بين المعرفة والحقيقة، طالما أن جدل العقل والتاريخ سيظل إلى جانب الإنسان يدعمه، من أجل تحقيق عصر التنوير، باعتباره لحظة أساسية في صيرورة الإنسان، ومن العيب أن يهرب الإنسان من ماهيته، لأنها أهم ما يملكه، كنز ثمين، إنه الفكر القادر على التمييز بين ما هو نافع وما هو ضار، وبين الخير والشر، وبين الجميل والقبيح : «لقد وهبت الطبيعة كل إنسان ملكة التفكير، غير أن التفكير هو كل ما تدعي الفلسفة أنه الشكل المناسب لعملها». ولذلك يجب على الإنسان أن يهب نفسه للفلسفة، إذا كان يرغب في حيازة فكره، بل أكثر من ذلك، نجد أرسطو يقول: «فمن يريد أن يكون سعيدا لا بد له أن يتفلسف» وأن يهب نفسه للفلسفة، وإلا اقتحمته العدمية، وحولت حياته إلى شقاء وتعاسة: «يتحتم علينا أن نحشر في زمرة التعساء، أولئك الذين يجعلون لاكتساب الثروة أهمية تفوق العناية بطباعهم وأخلاقهم». ولعل هؤلاء التعساء من قاد الأمة إلى الانحطاط، وحكم عليها بالعيش في القدرية والجبرية والعدمية، وهذا هو أحقر شيء في الحياة، أضحى يمارس هيمنته بالسلطة، والحكمة تقول: «لا تعطِ السكين للطفل، يعني أن لا تضع السلطة والقوة في أيدي الرعاع» والمدهش الرعاع أصبحوا حكام الدولة والمدينة عندنا، ولم يعد حالنا هو حالنا. ما أبشع الشقاء في هذا الفضاء الشقي، وهو يجهل ذلك، لأن سكانه تم تخديرهم ولم يعد إدراكهم قادر على الحركة في اتجاه العقل، وأصبحت الحياة السعيدة عندهم هي الحياة التي تعتمد على امتلاك الخيرات الخارجية، بل يحتقرون خيرات الروح وسمو الفكر ونبل الأخلاق، ولم يعد من سبيل أمامهم سوى سبيل العدمية، إلى درجة أنهم لم يتوقفوا عن ترديد سؤال العدمية، أي ما جدوى ذلك؟ هكذا تتباعد المسافة بينهم وبين الوجود، لأنه بفقدانهم لملكة الفكر، نقدوا أنطولوجيتهم، فالفكر والوجود هما الشيء نفسه. لقد توقفت الفلسفة عن المقاومة منذ أن أصبحت تخضع لهيمنة الثيولوجية، ويبدو أن تدريسها بطريقة سكولائية، قد حرمها من ماهيتها، أي الشك والنقد، لأنهما سلاحها ضد العدمية والعبودية، لأن الذات تثبت وجودها بواسطة الشك، وبلغة ديكارت فالذات التي تشك موجودة، والتي لا تشك معدومة.
كاتب مغربي