إياد بركاترسالة مفتوحة لدولة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض دولة رئيس الوزراء.. أعرف أنك تتألم بسبب الهجوم والشتائم التي تتعرض لها عبر صفحات التواصل الإجتماعي، لكن لنحمد الله ونشكره على وجود شبكات التواصل الاجتماعي، والمنصات التي تتيح للجماهير التعبير، بل والثورة الكلامية اللفظية، التي إن فهمت وعولجت بالشكل الصحيح، تجنب الناس اللجوء للشارع، وتجنب الوطن مخاطر الفوضى والاحتجاجات التي لديها القدرة على التحول لجنون جماعي مدمر يحركه الوهم والإشاعة. مثلما كانت الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي حلم العلماء وأصحاب الخيال العلمي منذ عشرات السنين كان هناك حلم آخر لدى رواد الخيال العلمي الأوائل الحالمين بمستقبل يسوده السلام، بأن يتم مستقبلا تطوير أسلوب للحروب بين الدول أطلقوا عليه (الحروب الافتراضية) بحيث تخوض الدول حروبها وتفرض إرادتها على غيرها، عبر ما يشبه الألعاب الإلكترونيه، فكل دبابة وطائرة وجندي على أرض الواقع يكون لها مثيل في اللعبه الافتراضية، بنفس القوة والموقع! بدلاً من الاشتباك بالنار والرصاص وإهدار الأرواح والموارد، لتقوم الدول بشن حروبها وهجماتها عبر العالم الافتراضي ليعترف المهزوم بهزيمته ويتحمل نتائجها، كما لو أنها كانت حقيقة، وهذا النوع من الحرب ليس بجديد على البشرية، بل هو قديم قدم الجيوش نفسها، فكثيراً ما كانت الأمم بشعوبها تتجنب اشتباك جيشين باللجوء للمبارزة بين بطلين أو مجموعة من الأبطال يلتزم الطرفين بعدها بالنتائج دون زج الجيوش للمعركة وإزهاق الأرواح.حلم خوض الحروب افتراضيا بدلاً من الدم واللحم والحديد لم يتحقق بعد، ولكن تحقق حلم آخر لا يقل عنه أهمية، ألا وهو حلم خوض الاحتجاجات والثورة افتراضيا، عبر الإنترنت وقبل اللجوء الى الشوارع للاصطدام الفعلي بين قوى الأمن والجماهير، الذي قد يؤدي لتدمير المجتمعات والدول كما نشاهد في سورية وشاهدنا سابقا في ليبيا، عليكم فهم الأمور والتعامل معها بهذا السياق قبل فوات الأوان، يجب عدم التقليل من شأنها والقول أنها ظاهرة فيسبوكية! وأقل بقليل من حجم الاحتجاجات بالشارع، لنحمد الله على ذلك، ولنعمل على أن لا تتم ترجمتها على أرض الواقع، لأنها فعلاً بدأت تدريجيا تًظهر لنراها في الشارع. دولة رئيس الوزراء … جميع الثورات والهزات الداخلية وانتفاضات الجماهير ضد أنظمة، كان محركها الرئيسي الغلاء، البطالة (الجوع)، النتائج دائما اعتمدت على طبيعة النظام بقدراته وإمكانياته على التعامل معها، لكن الجوع وحده لا يؤدي للثورة ضد الذات، فمعظم الشعوب التي تعرضت لمثل هذه الظروف، بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية ماتت جوعا ولم تَثر، فطالما تعرض شعبنا الفلسطيني لأبشع أنواع الحصار والتجويع، كحصار المخيمات ولم يثر أو يتذمر من منظمة التحرير، بل على العكس تمسّك بها أكثر فأكثر، إذاً ماذا إذاَ تغير الآن؟قد تكون هذه هي المرة الأولى عبر التاريخ الفلسطيني المعاصر منذ النكبة، التي نرى فيها بوادر ثورة وانتفاضة جماهيرية فلسطينية ضد النظام الفلسطيني نفسه، مؤسساته، قياداته، رموزه، مفاهيمه ومبادئه. ماذا تغير إذاً؟ دولة رئيس الوزراء .. كيف تحول جوع الفلسطيني لغضب ضد ذاته وأٌطره بدلا من ترجمته لالتفاف حولها وقوة بيدها وشرعية لها؟دولة رئيس الوزراء .. جل السياسة والدبلوماسية الفلسطينية سواء كانت داخلية أم خارجية بنيت على أن لا خيار إلا المفاوضات، واختزل النضال الفلسطيني الشعبي بنشاطه الرسمي ودبلوماسيته على هذا الأساس، بأدوات ووسائل قتال إعلامية دون غيرها من وسائل القتال الأخرى، سواء كانت عنيفة أم سلمية، هذا الاختزال كان منطقي وحتمي، فإن كانت المفاوضات هي الخيار الوحيد تصبح وسائل الإعلام كافة وقدرتها على خلق الانطباعات عند الشعب الفلسطيني والاحتلال والرأي العام العالمي الأداة والوسيلة المناسبة. لكن في عصر ثورة المعلومات والاتصال، حيث تبث أخبار وصور الحروب والكوارث الإنسانية برمتها بثاً حيا ومباشراً على مدار الساعة، عبر الإنترنت والقنوات الفضائية وأجهزة المحمول، لذلك أصبح من الضروري والحتمي على جميع القوى والمؤسسات الحكومية .. من الإدارة الأمريكية إلى السلطة الفلسطينية .. أن تتمكن من استيعاب الكم الهائل من المعلومات والرسائل الإعلامية والقدرة على التعامل معها ووضع الإستراتيجيات بناءاً عليها، يمكن القول أن كل فعل يقوم به السياسي سواء كان انقلاب عسكري، تحريك دبابة، قصف مدينة، احتلال دولة أو افتتاح مشروع ماسورة مياه، أو تقديم طلب للأمم المتحدة، حدثاً إعلاميا يجب التفكير الملي بآثاره ونتائجه، على الرأي العام والانطباعات الناتجة محلياً وعالمياً.انتهت دون العودة الى الخلف فسحة الوقت التي كانت قبل عقود متاحة لصنّاع السياسة، والتي كانت تمكنهم من التأمل الطويل والتحليل ووضع اللجان المختصة، للخروج بتوصيات عملية وسياسات مناسبة. فالجماهير المحلية والعالمية، تشاهد الأزمات وتتفاعل معها بالبث الحي والمباشر، فأصبــــحت تتوقع أن تأتي الأجوبة والحلول من صناع السياسة، مباشرةً .. تزامناً مع بث الأحداث! وهنا كان الخطأ الفلسطيني الرسمي خلال السنوات الأخيرة! في المقابل كان النجاح الإسرائيلي الذي تمكن من إدارة الصراع وتحويله لصراع إعلامي بتركيزه على خلق الانطباعات وتوجيهها محلــــيا وعالميا، بدلاً من خوض الحرب الإعلامية، حسب الأحداث الصغيرة والأرقام والإحصائيات والتصريحات الانفعالية، منذ اتفاقية غزة-أريحا، عمل الاحتلال على خلق انطباع بأنه أصبح هناك انظامب فلسطيني حقيقي، عليه تحمل مسؤولياته ليتــــنصل من جميع التزاماته.. ومع الأسف منذ انتهاء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، كانت جلّ الإستراتيجية الفلسطينية بشقي الوطن تعمل وتتحرك بكافة مستوياتها ومن جميع فصائلها ومؤسساتها لتساعد وتروج في خلق هذا الإنطباع.’ باحث وخبير بمجال الإعلام الجديد