الإيباك تصنع القرارات الخاصة بالشرق الأوسط

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيل

إن نحن سلَّمنا بما أثبته جون ميرشيمار وستيفن ولت في كتابهما ‘اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأمريكية الخارجية’، بالدليل القاطع والبرهان الساطع، وهو أمر معلوم من الداخل الأمريكي بالضرورة، أنَّ الإيباك (اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة) وردهاتها أو لوبياتها (الإسرائيلية) الصهيونية، سواء تلك التي في داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو تلك التي في دول الاتحاد الأوروبي، بنسب متفاوتة، هي التي تصنع القرارات الخاصة بالشرق الأوسط وبشكل دقيق في الصراع الفلسطيني الصهيوني وفي العراق وفي مجمل العالم العربي، وإسلاميا في أفغانستان وباكستان على وجه الخصوص، في السر والعلن وإن لم يَبد ذلك ظاهرا دائما على السطح، فإنَّ ويكيليكس يفترض، لنقل ذلك على الأقل، أن تقرأ تسريباتها ضمن هذا المنظور الميريشيماري/الولتي. وآخرون كثرٌ في الغرب قاطبةً طرحوا مثل هذا الطرح قبل وبعد ميرشيمار وولت.

غير أن أسباب شهرة كتاب ميرشيمار وولت بالتحديد، التي ضربت الآفاق يمكن أن تعود إلى أن الكتاب صدر في عام 2006، وهو توقيت حرج لوضع الولايات المتحدة الأمريكية ودول الناتو المتردي عسكريا في العراق وأفغانستان، وحتى تاريخه وإلى هزيمة الإيباك أي (إسرائيل) والغرب على يد فصيل في لبنان وهو’حزب الله’ وتنامي القوة الإقليمية لإيران ـ نجاد وسخط الشارع الغربي على الحربين في العراق وأفغانستان وتململ الاقتصاديين ودافعي الضرائب الأمريكيين من التكلفة العالية للحربين، التي وصلت سنتئذٍ إلى زهاء التريليونين (أي ألفي مليار دولار) واستمرار تصاعد خطر (القاعدة) ضد المصالح الغربية و(إسرائيل) في العراق وافريقيا واليمن وغيرها من أجل خدمة (أكذوبة) الأمن (الإسرائيلي) الصهيوني المهدَّد أو بمعنىً أدق أمن وديمومة تأثير الإيباك وهيمنته، إضافة إلى سمعة المفكرين ميرشيمار وولت الأكاديمية وصدقية طرحهما الفكري في جامعة هارفارد والجامعات الأبرز الأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، بالإضافة إلى تدخل الإيباك مباشرة في صنع القرار الغربي في ما يتعلق بالشرق الأوسط لمصلحة (إسرائيل) حتى لو أجمع العالم كله على إدانتها في الجرائم الواضحة، مثل حرب غزة والاعتداء على سفن قافلة الحرية في المياه الدولية واغتيال المبحوح على أيدي عملاء (الموساد) في دبي باستعمال جوازات سفر أوروبية وكندية مزورة وغيرها من الأمثلة، فقد أشار كتاب ميرشيمار وولت إلى كيفية إطلاق الإيباك لمنظماتها مثل (مجلس الأمن الدولي والقانون الدولي والرباعية الدولية ومحكمة الجرائم الدولية ومنظمات حقوق الإنسان… إلخ) للكيل بمكيالين، مكيالٍ (لإسرائيل) وآخر مجحفٍ للعرب وللمسلمين لصالح (إسرائيل)، وويكيليكس ليست خروجا على ذلك، وإن تم نفي مثل هذا الارتباط من قِبل مؤسسها جوليان اسانج.

لما كانت الإيباك كما مر بنا في مقالات سابقة ـ تقرر من سيكون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فهو أو هي لا يمكن أن يرشح نفسه إلا إذا صادقت عليه الإيباك، بل وسائر التعيينات في القضاء وفي منصب العمدة ورئاسة المجالس البلدية وغيرها لا بد من أن تمر من خلال مصفاة (فلتر) الإيباك، فإن الإيباك ما كانت لتسمح بتسريبات، وهي ليست كذلك، بل هي معلومات قديمة بَيدَ أن الإيباك أعطتها صفة ‘تسريبات’ لمحاولة الإيهام، لويكيليكس ما لم يكن للإيباك مأربٌ أو مآرب. وفي هذه الحالة استعملت الإيباك عصاها ويكيليكس لتحقيق مآربها.

وكما فعلت الإيباك قبل غزو العراق للتحريض على إزالة نظام صدام الذي بدأ بالقرار الأحادي غير الشرعي (باعتبار أنه لم يصدر عن إجماع أعضاء مجلس الأمن الدولي الدائمين عدا الولايات المتحدة الأمريكية وتابعتها بريطانيا) بغزو العراق والحرب عليه واحتلاله، اتخذ في أقبية الإيباك وأمليَ على المحافظين الجدد بوش الابن ورامسفيلد وغيرهما بحكم أنهم الأقرب أيديولوجيا للصهيونية وعقيدة الإيباك؟ وقبل العراق غزو واحتلال وشن الحرب على أفغانستان، الآن تعمل الإيباك بعد أن قضت من العراق وطَرا. إذن، الإيباك هي التي أدخلت الغرب إلى العراق وشنقت، وإن بدا بشكل غير مباشر، صدام أسوة بالملك فيصل وعبد الناصر وبومدين وذي الفقار علي بوتو وغيرهم الكثير، استنفدت أغراضها في العراق فقد اغتالت معظم العلماء والنوويين العراقيين وأفقرت العراق بالفساد الإداري والمالي وزرعت الفتنة بين طوائف البلد الواحد، بحيث لن يستطيع أن ينبس ببنت شفة واحدة ضد (إسرائيل) دعك عن أي شيء آخر وسلَّحت الـ PKK الكردي ودربته ليكون شوكة في خاصرة تركيا / إردوغان.

إن الإيباك تمهد بتسريبات ويكيليكس لتأجيج مشاعر الشارع الأمريكي والغربي والتعجيل بانسحاب أمريكي مبكر، ومعها ما تبقى من دول الناتو من العراق ليتسنى للإيباك التركيز على إيران وتركيا وسورية وحزب الله وحماس والجهاد، ورياح التغيير التي بدأت تهب على المنطقة العربية وكلها ليست في صالح (إسرائيل)، فالملك محمد السادس في تطور نوعي وغير مسبوق رفض استقبال شيمعون بيريز ولبنان استقبل محمود احمدي نجاد ضاربا عرض الحائط التهديدات الصهيونية والأمريكية والغربية الفرنسية بالتحديد، ومن لبنان وجه نجاد أعنف هجوم على (إسرائيل) والولايات المتحدة والغرب، وسورية وإيران والسعودية وتركيا (ساست) بدأت تشكل ‘مظلة أمنية فوق لبنان’، كما قال نبيه بري من باريس، مفوتة الفرصة على الإيباك و(إسرائيل) والغرب لمذهبة لبنان وإدخالها مرة أخرى في نفق مظلم، وهوغو شافيز (عدو الإيباك رقم 1 في أمريكا اللاتينية) جاء الى دمشق وشن منها هجوما غير مسبوق على (إسرائيل) والولايات المتحدة واستهزأ بهما وبالغرب طويلاً وأثلج صدور السوريين الذين لم يكفوا عن التصفيق وعن القهقهات العالية، وإردوغان يوم 16 تشرين الأول/اكتوبر وجه هجوما لاذعا على الولايات المتحدة من إسلام أباد نتيجة موقفها المتخاذل من الاعتداء (الإسرائيلي) على مواطنيه الأتراك في المياه الدولية وقتلهم بدم بارد يوم الحادي والثلاثين من أيار/مايو، وأمير قطر من لندن أعلنها مدوية يوم 28 تشرين الأول/اكتوبر أن دولة قطر لن تسمح للأمريكان استعمال قاعدة (الِعديد) الجوية لمحاربة إيران. كل هذا التجرؤ على الغرب وهو تجرؤ نوعي وتطور غير مسبوق ومن خلاله على الإيباك و(إسرائيل) تنظر إليه الإيباك بعيون قلقة.’ كاتب قطري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية