‘الإيداعات المليونية’ و ‘التحويلات المالية’.. أزمة تواجه النظام في الكويت؟

حجم الخط
0

ناصر العبدلي تمر الكويت خلال الخمس سنوات الماضية بأزمة سياسية حادة دفعت بها إلى نفق مظلم من المتوقع أن تعجز عن الخروج منه إلا بقرارات جذرية على صعيد البنى الفوقية في النظام وتركيبة الحكم، فما كان ممكنا طوال السنوات التي تلت إقرار الدستور الكويتي عام 1962 أصبح مستحيلا بعد ثورات الحرية في العالم العربي وسقوط الأنظمة الديكتاتورية فيها. السقف السياسي في العالم العربي أصبح عاليا جدا مهما كانت ملاحظاتنا على خلفية بعض الثورات ومايشوبها من غموض، الأمر الذي يلقي بظلاله على بلد مثل الكويت كان يعتقد إلى وقت قريب انه النقطة المضيئة التي تكاد تكون وحيدة في العالم العربي على صعيد الحريات، مما يتطلب تفاهما داخليا في أوساط الأسرة الحاكمة لقراءة ما يدور على الساحة العربية والدعم الدولي له بتمعن وعمق وعدم الإكتفاء بالركون إلى عامل الوقت لحل المشاكل. ماذا نرى في المشهد السياسي الحالي في الكويت هناك أسرة أو على الأقل جزءا منها يريد إرجاع البلد إلى ماقــــــبل إقرار الدستور عام 1962 عندما كان الحاكم في ذلك الوقت يختزل السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية) في شخصه وهو أمر لاتزال تعمل به الأنظمة الخليجية الأخرى ويواجه بثورات في البحرين والسعودية، وفي الجهة الأخرى معارضة تريد الدفع بالوضع السياسي إلى آخر مدى يمكن أن تصل إليه بهدف القطيعة مع الماضي القائم على فكرة شيخ العشيرة البدوي الذي يعطي ويمنع (السيف والمنسف) وعلى بعض الأساطير البائدة التي تعيد إجترارها السلطة كلما خبت جذوتها. في إطار الصراع بين الفكرتين اللتين ينفرج عنهما المشهد السياسي لم يجد النظام في الكويت للهروب من الوضع الحالي سوى اللجوء إلى إغراق البلد بالمال السياسي وهو ماتكشف فيما يسمى بالإيداعات المليونية في حسابات بعض أعضاء مجلس الأمة وبعض الفعاليات السياسية والإعلامية، بالإضافة إلى تحويلات مالية بملايين الدولارات إلى سفارات حكومية في الخارج كشف عنها أحد أعضاء مجلس الأمة في ندوة عامة ولا أحد يعرف حتى الآن ماسببها. رغم محاولات السلطة التهرب من مسؤولية هذه الإيداعات المليونية في حساب 13 نائبا سنعرف حجم تأثيرهم إذا عرفنا أن عدد أعضاء مجلس الأمة المنتخبين خمسين نائبا يشاركهم في التصويت على القرارات 16 وزيرا هم أعضاء في مجلس الأمة أيضا بحكم وظائفهم إلا ان إستمرارها في التغطية على تلك الفضيحة السياسية وإرتباكها وجرها البلاد إلى معارك جانبية تحت شعار هيبة السلطة وأمن البلاد يوحي بالشك في كونها طرفا في هذا الملف الكارثي. الحكومة الكويتية لم تقم حتى اليوم بأي خطوة من أجل الرد على كل ماطرح من إتهامات فيما يتعلق بالفضائح المالية بل أنها لاذت بالصمت أمام كل ما يجري من تجاوزات مالية وهو الأمر الذي يثير الشك لدى المواطنين من أن هناك أمر ما يحاك تجاه المال العام وخاصة الفوائض المالية الناتجة عن مبيعات النفط بعد إرتفاع أسعاره خلال الفترة الماضية. عند وضع الدستور الكويتي ثار جدل حول شكل النظام الجديد وطبيعته وكان هناك رأيين يقترح أحدهما نظاما برلمانيا تنبثق عنه حكومة أغلبية من الجماعات السياسية (الأحزاب) التي ورد ذكرها في نصوص الدستور خاصة عند بدء المشاورات لتشكيل الحكومة، فيما يقترح الرأي الثاني نظاما رئاسيا تكون فـــيه الصلاحيات في يد رئيس الدولة، ولم يحسم هذا الجدل سوى أمير الكويت في ذلك الوقت الشيخ عبدالله السالم رحمه الله عندما إقترح نظاما توافقيا يجمع فيما بين النقاط الإيجابية للنظامين وهو ما حدث فعلا في الدستور الجديد. ويبدو أن اللجوء إلى هذا الحل الوسط التوافقي كان على حساب الإستقرار السياسي في البلاد حينما أعطى فرصة كاملة للسلطة أن تعطل التجربة الديمقراطية الوليدة وتحرفها عن مسارها الحقيقي المفترض بها أن تسير فيه من خلال إستخدام بعض المواد الملتبسة في تعليق الدستور مرتين إحداهما في عام 1976، والأخرى في عام 1986، وكان لتلك الخطوتين من السلطة تبعاتهما إذ أدت الأخيرة إلى غزو الكويت وإحتلالها عام 1990. طرح قبل خمس سنوات من اليوم مقترحا بتعليق الدستور لمدة عامين من أجل ترتيب بعض الأوضاع داخل البلاد ولم يفهم في ذلك الوقت أسباب طرح مثل ذلك المقترح فالأمور تسير بشكل جيد يومئذ ولم يكن هناك أية أزمات يمكن أن تشجع على مثل ذلك الطرح، لكن بعد مضي كل تلك السنوات بدأت تتكشف أمور كانت غائبة عن الشعب الكويتي يثير بعضها التساؤلات عما إذا كان هناك مشروعا يقتضي حزمة من الإجراءات تؤدي إلى ‘تفليس’ الدولة على المدى البعيد أم أن هناك أمور ستحدث في الإقليم تتطلب مثل تلك الإجراءات. الكويتيون لديهم إحساس أن هناك ‘طبخة’ ما يقف خلفها بعض الأطراف لكنهم حتى الآن لم يتمكنوا من معرفة تفاصيلها ومع كل ذلك الغموض إنتفضوا في إعتصامات ومظاهرات تكاد تكون يومية من أجل وضع المزيد من الضغط على الحكومة لإجبارها على كشف مايجري، فالقضية لم تعد تحتمل التريث والبلاد أصبحت على مفترق طرق ولم يعد من خيار سوى المواجهة مع الوضع القائم خوفا من أن يكون ‘في الفخ أكبر من العصفور’ كما يقال في المثل المحلي. ‘ كاتب وباحث كويتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية