لندن ـ «القدس العربي»: بعد مرور ست سنوات على إصابته المروعة التي كادت تقضي على مسيرته الاحترافية بعمر أقل من 20 عاما، تصدر المدافع الدولي الإيطالي ريكاردو كالافيوري، عناوين الصحف والمواقع العالمية بعد مساهمته في نجاة منتخب بلاده من الخروج المبكر من كأس أمم أوروبا، في مشهد انطلاقته العنترية في آخر لحظات الوقت المحتسب بدل الضائع في مباراة الجولة الثالثة أمام منتخب كرواتيا، التي ختمها بتمريرة من زمن العمالقة لزميله ماتيا زاكانيي، ليطلق بدوره تصويبة ماركة أليساندرو ديل بييرو في نصف نهائي كأس العالم 2006، مسجلا هدف التعادل وضمان الوصول إلى مراحل خروج المغلوب في الوقت القاتل من المباراة، ومنذ تلك اللحظة، والتقارير والروايات المحدثة على رأس الساعة لا تفارق المدافع الإيطالي الأنيق، بتسونامي من الأخبار والقصص التي تضع اسمه في جمل مفيدة مع صفوة أندية القارة العجوز في الوقت الراهن، في مقدمتهم ريال مدريد ومانشستر سيتي، لكن السؤال الذي سنحاول الإجابة عليه في تقريرنا هذا: كيف تحول كالافيوري من يافع فاقد الأمل بعد الانتكاسة السيئة، إلى النسخة الحديثة لأسطورة الدفاع باولو مالديني؟
الطعنة الأولى
قبل ما يزيد على 290 أسبوعا، كتب المدافع الأيسر الأنيق عبر حسابه على منصة «انستغرام» بعد تداول صور ركبته المنتفخة 3 أضعاف حجم الركبة: «لقد حان الوقت لإخراج كل ما بداخلي حقا، هذه المرة، لا توجد مباراة حاسمة، ولا نهائي للفوز. هناك المعركة الأهم في حياتي، ولا يمكنني بالتأكيد التراجع. لقد حان الوقت لوضع الصبي، الصبي الصغير الذي كنت عليه حتى الآن، جانبا، وأصبح رجلا، صحيح إصابتي في الركبة ستبقيني على الهامش لفترة طويلة، لكن الرغبة في العودة أقوى من ذي قبل ستزداد كل يوم. للمرة الألف أجد نفسي أمام تحد صعب للغاية ولكن، كما هو الحال دائما، سأفوز»، وذلك بعد تشخيص حالته على أنها عباراة عن تمزق في جميع أربطة الركبة إلى جانب الغضروف المفصلي والغلاف المفصلي، وذلك في اليوم التالي للضربة العنيفة التي تعرض لها أثناء مشاركته مع شباب فريقه الأسبق روما أمام نظرائهم في فكتوريا بلزن في إحدى مباريات دوري الشباب الأوروبي، وبعد صراع مع الإصابة دام لنحو عام كامل، أو 347 يوما خارج الملاعب، بدأ في تسجيل حضوره الأول مع فريق شباب روما في بداية موسم 2019-2020، في فترة لم يكن يحظى خلالها الفتى بنفس التقدير كما قبل الإصابة، بسبب الشكوك الكبيرة حول قدرته على استعادة النسخة الواعدة التي كان عليها قبل توقفه عن ركل الكرة لفترة طويلة، حتى بعد حصوله على فرصته مع الفريق الأول تحت قيادة المدرب باولو فونسيكا، لم يسلم من الضغوط الجماهيرية الهائلة، التي كانت تضعه في مقارنة مع أساطير الألفية الجديدة أمثال فرانشيسكو توتي والمدرب الحالي دانيلي دي روسي، باعتباره ابن المدينة الذي يملك من الموهبة ما يكفي لوضع ذئاب العاصمة على الطريق الصحيح، في ردود الأفعال على الهدف الذي صنعه لإيدين دجيكو أمام أياكس أمستردام في إياب «الأولمبيكو» في ربع نهائي الدوري الأوروبي نسخة 2020-2021، وفي رواية أخرى، بعدما رد الدين للمهاجم البوسني، بعد عامين ونصف العام من لقطة إظهار دعمه وتعاطفه مع الصغير الإيطالي، حين ركض إلى مقاعد البدلاء وقام برفع قميصا يحمل اسم كالافيوري ورقمه، بعد إحراز هدف في شباك بلزن، وبعد ساعات من نقل الصغير إلى المستشفى.
غدر «السبيشال وان»
بعد رحيل المدرب باولو فونسيكا، الذي كان يتقمص دور المحامي عن مدافعه الأيسر آنذاك، ويحذر دائما من خطورة الضغوط عليه ومقارنته بأساطير النادي، جاء عدو المواهب الشابة جوزيه مورينيو إلى ملعب «الأولمبيكو» في صيف 2021، ليتخذ أول قراراته التعسفية، بإبعاد اللاعبين الأصغر سنا عن الفريق الأول، في مقدمتهم خليفة مالديني في المنتخب الإيطالي وأسماء أخرى من نوعية برايان رينولدز وماراش كومبولا، وبعدها بثلاثة أشهر أرسل كالافيوري إلى جنوى على سبيل الإعارة في سوق الانتقالات الشتوية 2022، ثم تخلص منه مورينيو نهائيا، ببيعه إلى بازل السويسري مقابل 2.6 مليون يورو فقط، في خطوة لم يهضمها المدرب دانيلي دي روسي حتى وقت كتابة هذه الكلمات، معترفا في أكثر من مقابلة موثقة، بأنه لا يزال يشعر بالاشمئزاز لسماح الإدارة على خروج لاعب بهذه الموهبة، وبمقابل مادي أقل ما يُقال عنه «زهيد للغاية»، والأسوأ من كل ما سبق، بدون وضع أي شرط لإعادة شراء ابن النادي أو الحصول على نسبة من عملية بيعه في المستقبل، كما يؤمن ريال مدريد جواهره الثمينة في عقود البيع النهائية، ورغم أن دي روسي، لم يكن قد تسلم المهمة من مورينيو، إلا أنه كان على يقين، أن ابن جلدته، يملك من المقومات والإمكانات ما يكفي ليكون محور قلب دفاع من الطراز الإيطالي الكلاسيكي، رغم أنه كان يشغل مركز الظهير الأيسر، وهو المركز الذي أصبح عليه بفضل أحد زملاء دي روسي السابقين في المنتخب، وهو المدرب السابق لبولونيا تياغو موتا، وقبله مدرب بازل هايكو فوغل، الذي كان سباقا في توظيف لاعبه الإيطالي السابق في مركز قلب الدفاع بدلا من مركزه الأصلي كظهير أيسر، وذلك بمجرد توليه الدفة الفنية لعملاق الدوري السويسري خلفا لألكسندر فراي في فبراير/ شباط 2023، في الوقت الذي كان يراقب فيه كشافة بولونيا مدى تطور ضحية روما في نهاية موسمه الوحيد في الدوري السويسري. ومع اقتناع موتا بأن الوافد المحتمل، هو القطعة النادرة المتعددة الاستخدام في أسلوب 4-3-3، وافق على إعادة اللاعب إلى جنة كرة القدم، في صفقة كبدت خزينة النادي ما يلامس الـ4.5 مليون يورو، بخلاف الشروط الأخرى التي تضمن انتعاش خزائن بازل بنسبة 40% من صفقة إعادة بيع جوهرته الثمينة في المستقبل، ولنا أن نتخيل حجم المكاسب التي ستعود على النادي السويسري بعد انتقاله إلى أحد كبار أوروبا أو البريميرليغ في سوق الانتقالات الصيفية الحالية أو القادمة على أقصى تقدير.
ضارة نافعة
اعترف كالافيوري في حديثه مع الصحافيين في وقت سابق من يونيو/ حزيران الحالي، أنه كان يُفضل البقاء مع روما في بداية مشواره الاحترافي، لكنه أجبر على الرحيل، لرغبته في الحصول على دقائق لعب أكثر من الدقائق القليلة التي كان يتحصل عليها مع مورينيو، قائلا: «لقد لعبت قليلا تحت قيادة مورينيو في روما لكنني أردت اللعب أكثر، لذلك ذهبت إلى جنوى ولم تسر الأمور على ما يرام، لم يكن مكان لي هناك أيضاً، لذلك ذهبت إلى بازل. لم أكن مقتنعا كثيرا في البداية، كنت مجبرا تقريبا على الذهاب من أجل العودة لممارسة كرة القدم من جديد، لكنني غيرت رأيي على الفور، كان لديهم كل ما يحتاجه اللاعب الشاب للتطور، لقد شاركت في 30 مباراة لأول مرة، ما ساعدني على تطوير موهبتي»، مجسدا المقولة المأثورة «رب ضارة نافعة»، كما حدث مع جُل المواهب التي تخلى عنها مورينيو في بداية رحلة الاحتراف، أمثال كيفن دي بروين ومحمد صلاح، بتحول إستراتيجي في مسيرته، من التراجع إلى نقطة الصفر، بالذهاب إلى دوري أقل تنافسية من الكالتشيو، مثل الدوري السويسري، إلى البطل الذي يعول عليه الجمهور الإيطالي في كأس الأمم الأوروبية، بعد انفجار موهبته تحت قيادة تياغو موتا على مدار موسم 2023-2024، كواحد من أبطال معجزة وصول النادي إلى دوري أبطال أوروبا في الموسم الجديد، بعد إنهاء الموسم في المركز الخامس المؤهل للنسخة الأولى للكأس ذات الأذنين بالتعديلات الجديدة في نظام المجموعات، ويُحسب للمدرب لوتشيانو سباليتي، رهانه على كالافيوري ضمن التشكيلة الأساسية، رغم سجله الدولي الضعيف، بمشاركته في ما مجموعه 95 دقيقة فقط على المستوى الدولي قبل وصول البعثة الإيطالية إلى ألمانيا.
وحتى الآن، يبدو وكأن مدرب نابولي في موسم معجزة استعادة الدوري الإيطالي للمرة الأولى منذ ثمانينات القرن الماضي، يفوز برهانه على مدافع بولونيا من مباراة لأخرى، بما في ذلك مباراة إسبانيا التي خسرها المنتخب الإيطالي بهدف عكسي سجله كالافيوري في شباك زميله دوناروما، والدليل على ذلك، أنه عاد في المباراة التالية أقوى من أي وقت مضى، بأداء بطولي على مدار الـ90 دقيقة أمام كرواتيا، انتهى بتمريرته الحاسمة التي أبقت الأزوري في البطولة وجعلته يضرب موعدا مع سويسرا في دور الـ16، ومعها بدأت تتبخر آمال جمهور بولونيا في رؤية قلب دفاعهم العالمي لموسم آخر، في ظل الأنباء التي تتحدث عن تهافت الكبار على خدماته، إما ليكون الخليفة المثالي للمدافع جون ستونز في مشروع بيب غوارديولا مع مانشستر سيتي، أو صمام أمان جيل «الغالاكتيكوس» الثالث في ريال مدريد، بعد انضمام كيليان مبابي إلى كتيبة الميستر كارلو أنشيلوتي المدججة بالأسماء اللامعة، وفي مقدمتهم الثنائي المرشح لجائزة «البالون دور» هذا العام جود بيلينغهام وفينيسوس جونيور، فهل يا ترى ستصدق التوقعات ونرى مالديني الجديد بالقميص الأبيض المدريدي أو السماوي المانشستراوي؟ أم سيصمد بولونيا أمام الإغراءات المالية المحتملة بعد اليورو؟ لكن في كل الأحوال، دعونا نتفق أن الطفل الذي قيل عنه قبل 6 سنوات أن مسيرته الاحترافية على المحك، قد أوفى بوعده وأصبح اليوم رجلا ومقاتلا يتمناه أي مدرب كرة قدم على هذا الكوكب.