الاتجاه’المعاكس”آن’اوان’التغييروالدراما لسورية والسينما للمغرب… والثورة لتونس

حجم الخط
0

ميساء آق بيقأحب عندما يأتي المساء وأعود من عملي ورأسي مليء بالأخبار السياسية أن أعطي نفسي استراحة موسيقية مع حفل لأم كلثوم على شاشة ‘روتانا زمان’. فأعيش لحظات في الزمن الذي يحلو للبعض أن يسميه الزمن الجميل، لا أدري لماذا يسمونه الزمن الجميل، ربما لأنه لم يكن فيه انترنت وهواتف بلاك بيري تلاحق الإنسان إلى أي مكان يتجه إليه فلا تتركه لثانية واحدة من دون أن يفكر بالعمل والناس، وربما لأنه لم تكن هناك قنوات فضائية بل كانت قنوات أرضية قليلة تنهي إرسالها في ساعة معينة وتجبر المشاهدين على النوم بدلا من قضاء الليالي وعيونهم مفتوحة على كل ما هب ودب من مواد تتخمهم أحيانا بالسخافات، وأحيانا بمصائب الدنيا وكوارثها.

عندما تغني أم كلثوم يروق لي أن أنظر إلى جمهورها الحاضر في المسرح، مصريون يجلسون بأناقة، يصفقون عند الحاجة ويهللون للنغمة الجميلة، المرأة تجلس إلى جانب الرجل مصانة وراقية وأكثر الحاضرات منهن حاسرات الرأس، يعني لم يكن الجانب الديني في تلك الأيام يحمل شكل مظهر معين، ربما كانوا يصلون ويصومون ويتعبدون لكنهم لا يضايقون بعضهم البعض ولا تخشى المرأة بينهم أن تتعرض للتحرش أو الانتقادات اللاذعة أو النظرات السيئة. كانت نسبة كبيرة من الطبقة الوسطى التي تعيش تلك’الأيام وترتاد المسارح تعيش متصالحة مع نفسها لا تعيث العقد النفسية فيها فسادا أخلاقيا أو اجتماعيا، ومع ذلك كانت مصر تعيش القومية العربية بأحلى صورها التي جعلتها راية خفاقة في قلوب العرب جميعا، وكانت تنبري للدفاع عن قضايا الأمة بالقول والفعل، رئيسها حمل يوما بسيارته على أكتاف الشعب السوري. وفي إحدى الحفلات امتلأ المسرح بالآيات القرآنية والعبارات التي كانت تدعو لمحاربة العدو والصبر والثقة في النصر. اليوم اختلف المشهد، تدثرت النسبة الكبرى من المصريين برداء التدين الشديد لكن المرأة لم تعد تجد الأمان في الشارع من المتحرشين والمنتقدين إذا لم تكن محجبة، لم يعد المسيحي والمسلم يتعايشان بنفس الأمان الذي كان يظللهما، ولم تنحسر نسبة الغش أو الكذب أو النفاق تبعا للتدين، أما فكرة الحرب…. انس.. حرب من ضد من ولمن؟ أمة عربية؟ أي أمة عربية؟ وحدة؟ وحدة من مع من؟ المرأة لم تعد كما كانت، ليست شريكة للرجل، بل إما ظالمة أو مظلومة. لماذا أختار هنا النموذج المصري لأتحدث عنه؟ لأسباب كثيرة، أولها أنها ستبقى أكبر دولة عربية بجميع المقاييس، ثانيها أن الفن كان دائما ينطلق من أرضها، وعاشقو الفن ومحبوه ومريدوه كانوا على مرأى ومسمع من بقية الأمة العربية التي كانت تشتهي حياتهم والنموذج الذي يقدمونه من خلال فنهم وصحافتهم وأدبهم وشعرهم وحتى سياستهم، فما الذي حصل؟ وكيف انقلبت أحوالهم حتى صار الإعلام والغناء في لبنان، والدراما في سوريا والسينما في المغرب والجزائر والثورة في تونس؟

الاتجاه المعاكسقد تمنعني أصول زمالة العمل الإعلامي من إبداء رأيي الواضح ببرنامج تلفزيوني، ولكني أود أن أناقش فكرة استضافة شخصين على النقيض تماما من بعضهما البعض، في برنامج تلفزيوني مليء بالمشاحنات والمشاجرات والصراخ والعويل. كثيرا ما يكون أحد الضيوف شخص لم يسمع باسمه أحد من قبل لكن وجوده يخدم فكرة الشجار المطلوب ليكتمل البرنامج. عندما نبحث عن الفائدة أو الجدوى من أي نقاش نعلم أن من أهم مبادئ الحوار هو وجود أرضية مشتركة بين الاثنين يمكن أن تؤدي إلى نتيجة مفيدة تُبنى عليها فكرة إيجابية، فعلى سبيل المثال إذا جمعت شخصين أحدهما شديد التدين والآخر ملحد بشكل كامل لا يمكن أن تزرع بذرة نقاش بينهما لأن المبدأ الأساسي للدخول في حوار غير موجود، وبالتالي سيتحول الأمر إلى استفزاز متواصل يعطي انطباعا بأن أحدهما على وشك قتل الآخر. برأيي الشخصي أن الهدف الأول من تحضير برنامج حواري يجب أن يكون تعميم فائدة على المشاهد أو المستمع، وما يحدث عندما يدور نقاش مدته تقارب الساعة من الزمن يبدو أقرب إلى حوار الطرشان، فلا هذا يريد أن يسمع ذاك، ولا ذاك يريد أن يصغي إلى هذا، أن يخرج المشاهد بصداع ودوران في الرأس لا يدري’هل يؤيد الأول أم الثاني، هذا إذا لم يكن منذ البداية قد عزم أمره وانتهى. عندما بدأ بث برنامج الاتجاه المعاكس كانت الفكرة العامة تدور حول أننا نحن العرب لم نتعلم أصول الحوار واحترام الرأي الآخر، وأننا بطبعنا نميل للديكتاتورية عندما يتعلق الأمر بآرائنا، فجاءت فكرة البرنامج ناقدة للحوارات العربية وأساليبها، لكني أعتقد أن أشياء كثيرة تغيرت منذ ذلك اليوم إلى الحاضر، فقد اتسعت شريحة الناس التي تحترم حق الآخر في التعبير بحرية عما يجول في خاطره خصوصا إذا كان لديه برهان مقنع عما يقوله، هذا على الرغم من أن أغلبنا نحن العرب وبالتحديد المشرقيين عاطفيون كثيرا، نثور بسرعة ونهدأ بسرعة. المشكلة أننا نعرف منذ بداية بث إعلان حلقة البرنامج أي منحى سيأخذ وفقا لترتيب الجمل التي يكتبها معد البرنامج، والنقطة التي أود أن أصل إليها هي أنه ليس خطأ أن يتوقف برنامج ما عند’مرحلة معينة يكون حقق فيها هدفه، ليبدأ البحث عن فكرة جديدة أخرى، فمتى سيحين هذا الوقت؟

تونسيكاد المرء لا يصدق عينيه وأذنيه عندما يرى المسؤولين التونسيين الجدد يملأون شاشات المحطات الإخبارية بالمقابلات والتصريحات والإعلانات عن الخسائر في الأرواح والأموال بشكل هادئ وشفاف وواضح. لو أن أحدا قال منذ فترة أن هذا البلد ذا العشرة ملايين نسمة الذي لا يعيش على أرضه مراسل إخباري تلفزيوني واحد سيمتلئ بالصحافيين والكاميرات ووحدات النقل المباشر على الهواء لم يكن ليصدقه أحد، بل كان سيتحول إلى مادة للتندر والسخرية. هكذا انقلب الحال في تونس التي كانت مغلقة إلا على أخبار الرياضة والسياحة إلى بلد عالمي، ويتحول البوعزيزي الشاب المطحون المقهور إلى نموذج يحتذى فيقلده عدة أشخاص في الدول العربية ويحرقون أنفسهم على أمل أن يكونوا وقودا للتغيير في بلادهم كما كان البوعزيزي وقودا لثورة سطرها التاريخ بإصرار التونسيين وعزيمتهم وعنادهم ودمائهم وصبرهم ويقظتهم، هكذا أصبحت تونس تملأ الدنيا وتشغل الناس في الشرق والغرب، لم يستطع جهاز إعلامي واحد مرئي أو مسموع أو مقروء بجميع لغات العالم أن يتجاهل ما حدث هناك. تونس حركت المياه الراكدة، وحولت أمة لا يهتم لأمرها أحد إلا بما تنتجه من نفط وتنفقه من أموال في دول السياحة الغربية إلى أمة لديها إرادة، شعبها يحقق ما حققته دول أوروبا الشرقية السابقة التي تسير على دروب التقدم والنمو والانضمام إلى اتحاد الرجل الغني، الاتحاد الأوروبي. تلك الثورات التي حطمت جدار برلين لا بد أنها ستتحقق في بلاد عربية وتحطم جدر الجهل والتخلف والاستسلام والتخاذل الذي يعيشه العرب. حتى لو لم يتحقق الأمر خلال سنة أو اثنتين، لكن الفتية اليافعين الذين فتحوا حدقات أعينهم على ما نقلته شاشات التلفزة في ثورة تونس سيعرفون ويكونون متأكدين بأنهم إذا اجتمعوا ضد الطغيان سيسقطوه. تونس سطرت درسا عظيما في التاريخ لن يمحى حتى لو لم تتحقق الصورة التي نتمناها بشكل كامل بسرعة، فالثورات تأخذ مراحلها الانتقالية قبل أن تتبلور نتيجتها. لن يضيع الثمن الذي دفعه أهل تونس عندما تقول إحداهن بكل صراحة: ‘أريد أن أشد الرحال إلى هناك، هل يعرف أحد كيف أحصل على جنسيتها؟’ لم تعد أمريكا فقط أرض الأحلام، هناك في شمال أفريقيا، على البحر المتوسط قطعة من الجنة أقرب إلينا من أمريكا.

إعلامية وكاتبة سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية