الاتحاد الأوروبي وتحديات الانتخابات الأخيرة

تطلعت كثير من دول العالم العربي خلال مرحلة الحرب الباردة إلى شعارات الوحدة، اعتقادا منها أن الوحدة ستفتح المجال أمام الشباب من أجل الهجرة لإيجاد فرص عمل في دول عربية أخرى ، كما ستهيىء الظروف من أجل انتقال الاستثمارات من مكان إلى آخر في عملية مشاركة كاملة، لكن شيئا من ذلك لم يتحقق، وحين قام الأوروبيون بمبادرة الوحدة تطلع الكثيرون في العالم العربي إلى هذا النموذج من أجل التعلم منه.
غير أن التجربة الأوروبية صادفت منذ البداية ظروفا صعبة سببها التفاوت في درجة النمو الذي حققته دول القارة، فقد حققت الدول الغربية مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا والدول الإسكندنافية مستويات عالية من النمو لم تتوافر للدول التي كانت ضمن المعسكر الشرقي في الماضي، وحين دخلت بعض هذه الدول في الاتحاد الأوروبي بدأ الكثير من شبابها يفكرون في التوجه غربا، ليس فقط من أجل إيجاد فرص عمل بل كذلك من أجل الاستفادة من نظم الضمان الاجتماعي المتطورة في الدول الغربية، وقد أوجد ذلك أزمة اقتصادية في بعض هذه الدول كما أن قبول كثير من المهاجرين بأجور متدنية أثر على مستوى الأجور في الدول الغربية بطريقة سلبية، وكان ذلك سببا في عدم قدرة الكثيرين على مواجهة أعبائهم المالية، وأدى هذا الوضع برمته إلى تقوية مواقف اليمين المتطرف الذي كان دائما ضد مبدأ الهجرة إلى البلاد الغربية، وقد ظهر ذلك جليا خلال انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة.
وأدى إلى ازمة سياسية كبيرة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها من دول العالم الغربي. ولا شك أن الظروف الاقتصادية السيئة في بعض دول العالم الغربي كانت سببا أساسيا في هذا التحول الكبير.
وعلى الرغم من أن يمين الوسط وشمال الوسط سيظلان يمتلكان أكثر من نصف المقاعد في البرلمان الأوروبي بنحو سبعمئة وواحد وخمسين مقعدا فإنهما سيواجهان صعوبة بسبب ما سمي إزعاج الأعضاء الجدد الذين حققوا فوزا في الانتخابات الأخيرة . وقد وصف رئيس الوزراء الفرنسي «مانيويل فالس» اختراق «ماري لوبان» بأنه حدث كبير خاصة أن حزب «لوبان» المناهض للهجرة كان في أعلى الأحزاب هذه المرة ما دفع الإشتراكيين إلى المركز الثالث وهو ما اعتبر زلزالا في النظام السياسي الفرنسي وهو الزلزال الذي أدى برئيس الوزراء إلى إعلان تخفيض في الضرائب من أجل استعادة وضع الاشتراكيين.
ولم يتوقف الأمر على فرنسا إذ حدث الشيء نفسه في الجانب الآخر من القنال الإنكليزي حيث استطاع حزب الاستقلال بقيادة «نايجل فراج» الذي يدعو إلى الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أن يحقق انتصارا على حزبي العمال والمحافظين في هذه الانتخابات.
وكان تدني عدد المصوتين سببا رئيسيا في نجاح اليمين في هذه الانتخابات.
وتعتبر فرنسا من الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من الموقف الألماني الحسن في هذه الانتخابات فإن ضعف الرئيس «فرانسوا أولاند» قد يترك المستشارة «أنجيلا ميركل» دون شريك قوي، خاصة في المرحلة المقبلة التي يتطلع فيها الكثيرون إلى العملة المشتركة بين جميع دول الاتحاد.
ومن جانب آخر خاطبت «لوبان» جماهير المؤيدين لها قائلة إن الشعب الفرنسي لا يريد أن يقوده أناس من خارج الحدود، وخاصة التكنوقراط والمستشارين الذين لم ينتخبهم أحد، .كما أن الشعب الفرنسي لا يريد أن يأخذ بمبدأ العولمة الذي بدأ الكثيرون يتجهون إليه.
وأما في بريطانيا فلم يؤيد رئيس الوزراء «ديفيد كاميرون» دعوة «فراج» إلى إجراء استفتاء حول الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأكد «كاميرون» موقفه الذي يدعو إلى إعادة مناقشة شروط الاتحاد، ووعد بأن يضع هذه الشروط أمام الرأي العام للموافقة عليها أو رفضها إذا تم انتخابه مرة أخرى في عام 2017، ولكن البعض يقولون إن النجاح الذي حققه حزب الاستقلال قد يحفز «ديفيد كاميرون» إلى تشديد مواقفه من الاتحاد الأوروبي بما قد يخيف الكثيرين من المؤيدين لأوروبا في «أسكتلندا» ويجعلهم يصوتون ضد الوحدة في استفتاء ايلول/سبتمبر المقبل.
وقد اتجهت الأنظار في هذه النتائج إلى ألمانيا بصفتها أكبر الاقتصادات الأوروبية لترى موقفها من هذه التطورات السياسية، وهناك أعربت المستشارة «أنجيلا ميركل» عن أسفها لما حدث، ولكنها قالت إن مواجهة هذا الموقف خاصة في بلد مثل فرنسا لا يكون إلا بمحاولة استعادة ثقة الناحبين عن طريق النمو وتوفير فرص العمل والمنافسة مع الاقتصادات الأخرى.
وعلى الرغم من ذلك فإن «ميركل» لم تفقد الأمل، وقالت إن هذه النتائج ربما لا يكون لها تأثير حاسم على المؤسسات الأوروبية، وخاصة الاتحاد الأوروبي الذي سيظل يعمل بقوة يمين الوسط ويسار الوسط بحسب زعمها.
أما في إسبانيا فقد أعلن زعيم المعارضة «ألفريدو بيريز» أنه يتخلى من منصبه بعد الهزيمة في أسوأ نتيجة انتخاب مر بها، ويرى الكثيرون أن النتيجة كانت بسبب انقاص المرتبات وفصل الكثيرين من وظائفهم والفساد المستشري في أجهزة الدولة.
ولم تقتصر هذه الاجراءات على الدول المتقدمة وحدها بل رأينا صورا متكررة لها حتى في الدول الأوروبية الفقيرة مثل «بلغاريا» وغيرها.
وبصرف النظر عما جرى، فإن الحقيقة التي أصبحت ظاهرة للعيان، والتي يمكن أن تستفيد منها كل دول العالم هي أنه لا تستطيع الدول أن تصدر مشكلاتها إلى غيرها من أجل التغطية على إخفاقاتها، ولا شك أن هناك في أوروبا كما في قارات أخرى دولا كثيرة حققت مستويات عالية من النجاح، ولا يمكن أن تكون هذه الدول هدفا لدول أخرى سواء بواسطة الوحدة أو الهجرة لأن ذلك سوف يحدث ردود فعل كبيرة، ولا شك أن اليمين المتطرف كان دائما موجودا في بعض الدول الغربية ولكنه وجد الآن فرصته ليعلن عن نفسه بوضوح في ظروف يستطيع أن يتفهمها الكثيرون ويجب أن يقدر المهاجرون من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية بأنهم لا يهددون فقط اقتصادات تلك الدول بل يهددون أيضا مصالح المهاجرين الذين سبقوهم واكتسبوا جنسيات تلك الدول، لأنه في مثل هذه الحالة من الفوضى لن يكون من الممكن التمييز بين المهاجر الذي اكتسب الجنسية بطريقة شرعية، والآخر الذي يبحث لنفسه عن ملجأ في ظروف غير مناسبة.
٭ كاتب من السودان

د. يوسف نور عوض

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية