الاتفاق السري بين الأمم المتحدة وميانمار تفوح منه “رائحة كريهة”

حجم الخط
0

ميانمار – ناتالي برينهام: لا يزال نحو مليون من الناجين من الإبادة الجماعية بحق الروهينجا في ميانمار، والذين فروا إلى بنغلاديش المجاورة، غير مقتنعين إلى حد كبير بالأخبار التي تتردد عن أحدث اتفاق أبرمته حكومتهم مع الأمم المتحدة لإعادتهم إلى الوطن.

بل يدعو الكثير من هؤلاء إلى أن تضمن قوات من الأمم المتحدة عودتهم الآمنة إلى موطنهم بولاية أراكان غربي البلاد.

ففي 6 يونيو/حزيران الجاري، وقعت حكومة ميانمار والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مذكرة تفاهم بشأن دعم الأمم المتحدة تهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين الروهينجا طوعاً وبشكل آمن من بنغلاديش وإعادة دمجهم في أراكان.

وبعد ذلك، خرج “كنوت أوسبي”، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في ميانمار، ليعرب عبر “تويتر” عن ترحيب المنظمة الدولية بذلك الاتفاق، الذي يتم التعامل مع محتواه وكأنه “سر من أسرار الأمن القومي”.

إلى جانب ذلك، حاول “أوسبي” طمأنة لاجئي الروهينجا عبر وسائل الإعلام بأن “الأمم المتحدة ستضغط على السلطات في ميانمار من أجل الاعتراف بهويتهم، ومن أجل تهيئة الأجواء لعودة آمنة وكريمة ودائمة”.

لكن منظمات حقوقية دولية رائدة، مثل “منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان” (Physicians for Human Rights (PHR الحائزة على جائزة نوبل للسلام (مقرها بوسطن الأمريكية)، ومنظمة “اللاجئين الدولية” Refugees International (مقرها واشنطن)، التي يترأسها إريك شوارتز ، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية السابق لشؤون اللاجئين والهجرة، أصدرت بيانات أكدتا فيها على “الغياب التام للظروف الضرورية التي تجعل هذا الاتفاق واقعياً وقابلاً للتحقق”.

وجاء تحذير المنظمتين من الاتفاق مقابل موجة ترحيب من جهات دبلوماسية عدة.

وتعبر كلا المنظمتين عن درجات متفاوتة من الشكوك حول مذكرة التفاهم؛ لا سيما أن الظروف على الأرض لا تشير إلى وجود أي إجراء يضمن سلامة الروهينجا حال عودتهم.

كما أنه لا يوجد ما يشير إلى قبول ميانمار رسمياً للروهينجا كـ”أقلية عرقية، وجزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع”؛ لا سيما عندما يتذكر المرء المكانة الوطنية التي تمتع بها الروهينجا حتى السنوات الأولى من الحكم العسكري في ستينيات القرن الماضي.

وهناك احتمال ضئيل لإعادة اندماجهم في المجتمع الذي تسوده أغلبية بوذية، خاصة أن قائد الجيش في ميانمار، مين أونغ هلاينغ، اعترف علناً بنيته حول “الإبادة الجماعية” حين وصف ما تقوم به قواته ضد الروهينجا في أراكان بأنه “إنهاء مهمة لم تكتمل منذ الحرب العالمية الثانية”، في تلميح وصفه محللون بأنه “تحريض على الانتقام” من هذه الأقلية.

وإضافة إلى الاحتمالات المخيفة المتمثلة في العودة إلى “ميادين القتل” في ميانمار، فإن هناك حالة من خيبة الأمل تعتري لاجئي الروهينجا في بنغلاديش، فيما يتعلق بوعود الأمم المتحدة.

ونتجت خيبة الأمل تلك من تمتع المنظمة الأممية بسجل سيئ لدى الروهينجا؛ لا سيما عند النظر إلى المرة الأولى التي شاركت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في عملية الإعادة إلى الوطن في صيف 1978؛ حيث ظلت معاناتهم متواصلة طوال الأربعين سنة التي تلت ذلك.

وتعمل المفوضية في كل من بنغلاديش وميانمار بشكل يؤمن مصالح الحكومتين، وكلاهما غير موقع على اتفاقيات بشأن اللاجئين.

وبينما قد يفتقر موظفو الأمم المتحدة الدوليون المتناوبون في ميانمار إلى الذاكرة المؤسسية حول دورهم غير المريح فيما يتعلق بإعادة اللاجئين الروهينجا إلى وطنهم، فإن تلك الأقلية المسلمة التي أعيد عناصرها قسراً بفعل الأمم المتحدة في الماضي، تحتفظ جيداً بهذه الذاكرة.

وفي السياق، فإن المفوضية الأممية المذكورة، التي تتمثل مهمتها الرئيسية في حماية اللاجئين، هي في الواقع ليست في وضع يسمح لها بالوقوف مع الروهينجا الأشد ضعفاً المشتتين بين ميانمار وبنغلاديش.

ففي العقود التي تلت عملية إعادة توطين عام 1990، كانت المفوضية تواصل بثبات الحفاظ على علاقات جيدة مع الحكومات المضيفة من أجل ضمان الوصول إلى أماكن المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية فيما يمكن وصفه بـ”البراغماتية الإنسانية”، إلى جانب تفويضها التنظيمي الخاص بالحماية.

وهذا هو السبب في أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وجميع وكالات الأمم المتحدة الأخرى العاملة في ميانمار، لديهم توجيهات مفتوحة، إن لم تكن مكتوبة، بأن يلتزم جميع الموظفين بما يتعلق برفض ميانمار استخدام مصطلح “الروهينجا” على اللاجئين.

لذا يتجنب موظفو جميع وكالات الأمم المتحدة العاملة في ميانمار استخدام كلمة “روهينجا” في جميع اتصالاتهم التي يراها أو يسمعها المسؤولون في ميانمار.

كما وردت أنباء عن أنه قبيل أعمال “التطهير العرقي”، التي بدأتها السلطات في ميانمار ضد الروهينجا مؤخراً في أراكان، سحب برنامج الأغذية العالمي تقريراً أصدره في يوليو/تموز 2017 حول ظروف أشبه بـ”المجاعة” واجهها نحو 80 ألف طفل روهنجي دون سن الخامسة؛ بناءً على “طلب” حكومة ميانمار.

وعلى وجه التحديد، تقود وكالات الأمم المتحدة في ميانمار مسارين مختلفين، وتتحدث بلهجتين؛ إحداهما مصممة خصيصًا لاسترضاء نظام ميانمار من خلال عدم تسمية الروهينجا بالاسم العرقي للجماعة في الاجتماعات والتفاعلات مع سلطات ميانمار، والأخرى تهدف إلى إرضاء منظمات حقوق الإنسان العالمية والنشطاء المدافعين عن الروهينجا على الصعيد الدولي عن طريق تسمية تلك الجماعة العرقية باسمها الصحيح في محافل دولية أخرى.

وعلى مستوى الإدارة الفردية لفريق الأمم المتحدة داخل البلاد، اختارت آخر منسقة للأمم المتحدة مقيمة في ميانمار، ريناتا لوك-ديساليان، الحفاظ على علاقات ودية مع قادة ميانمار، واعتماد منهج يراعي المصالح أكثر من حقوق الإنسان، وهو عمل أدى إلى تقويض سياسة “حقوق الإنسان أولاً” للأمين العام السابق للأمم المتحدة السابق، بان كي مون.

وتبنى بان كي مون تلك السياسة نتيجة إخفاقات وكالات الأمم المتحدة على نطاق واسع خلال المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية في سريلانكا في ظل ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وحتى الإبادة الجماعية ضد أقلية “التاميل” الهندوسية.

وعلى وجه التحديد، كلفت لوك ديساليان موظفيها بإعداد تقرير داخلي بعنوان “دور الأمم المتحدة في ولاية راخين (آراكان)”، لكن تم سحب التقرير لاحقاً بناء على طلب السلطات على الأرجح.

وتضمن التقرير توصيات تدعو إلى الدفاع عن حقوق الإنسان فيما يتعلق بجماعة الروهينجا المضطهدة، في ظل “فظائع جماعية محتملة ضد تلك الجماعة العرقية، وأخذ موقف أكثر حزماً بشأن انتهاكات حقوق الإنسان الفاضحة في الولاية”.

ومنذ ذلك الحين، استبدلت الأمم المتحدة لوك ديساليان بـ”كنوت أوسبي”، وزادت ميزانيتها بشأن ميانمار بشكل كبير، ورفعت مستوى ممثلها في ميانمار إلى مستوى مساعد الأمين العام.

إن سمعة الأمم المتحدة -وعلى الأخص سمعة مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي- على المحك في ميانمار وخارجها.

فأي دور تلعبه المنظمة في تسهيل عودة اللاجئين من بنغلاديش إلى ميانمار ينطوي على مخاطر، عندما يمكن أن تؤدي العودة إلى جولة أخرى من عمليات القتل الجماعي، وعقود أخرى من الاحتواء في معسكرات الاعتقال أو التجويع البطيء المتعمد.

ويجب على وكالات الأمم المتحدة ببساطة، أن تضع الحماية وحقوق الإنسان في المقام الأول هذه المرة.

لكن المؤشرات حالياً تدل على وجود اتفاق سري جديد، وهذا أمر لا يبشر بخير بالنسبة للناجين من بطش السلطات.

فقد غابت مبادئ المنظمة الخاصة بالشفافية، عن مذكرة التفاهم التي تم توقيعها حديثاً مع ميانمار. (الأناضول)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية