الاتفاق السياسي بين البرهان وحمدوك يحمي مكاسب الجيش ويفتح الباب لعودة الإسلاميين ويبقي للمحتجين الشارع

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

قاد الجيش في السودان في 25 تشرين الأول/أكتوبر انقلابا ثم قام بعد شهر بتحرك بدا وكأنه انقلابا على الانقلاب وعودة إلى المربع الأول، وأعاد رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إلى منصبه، وذلك بعد توقيع «الاتفاق السياسي» بينه والفريق عبد الفتاح البرهان يوم الاحد، 21 تشرين الثاني/نوفمبر تم فيه التوافق على المضي في المرحلة الانتقالية وبناء معايير جديدة وبمجلس سيادة شكله البرهان مع نائبه محمد حمدان (حميدتي) دقلو. ويقضي الاتفاق بعقد انتخابات في عام 2023 وضمان انتقال السلطة الانتقالية في موعدها المحدد إلى حكومة مدنية وتوسيع المشاركة في تنفيذ الفترة الانتقالية بما في ذلك الطرق الصوفية والمرأة واللجان الأهلية والتأكيد على الوثيقة الدستورية لعام 2019 والمعدلة عام 2020 وتعديل الوثيقة الدستورية بما يضمن مشاركة واسعة عدا حزب المؤتمر الوطني المحلول.

حماية الجيش

لكن النظرة الفاحصة لتحرك الجيش تشي بأن البرهان ومجموعته حصلوا على ما يريدون من انقلابهم وأحبطوا تسليم السلطة للمدنيين، فقد كان من المقرر وحسب اتفاق عام 2019 ان تسلم السلطة للجانب المدني لكي يمضي في العملية الانتقالية في 19 تشرين الثاني/نوفمبر. وكانت هناك مخاوف للجيش بعدم تسليمه السلطة في الفترة الحالية، وتتعلق بالمحاسبة على الفترة الماضية، ذلك أن معظم قادة الجيش المنخرطين في العملية الانتقالية كانوا من المسؤولين في عهد الرئيس السابق عمر البشير الذي أطيح به في عام 2019 واستفادوا من لعبته في التلاعب بمصادر البلاد وتقديم المزايا حفاظا على موقعه في الحكم، كما وتورطوا في حروبه ونزاعاته وانتهاكاته، وخاصة في دار فور. يضاف إلى ذلك المصالح التجارية والمالية والتنقيب عن الذهب ومجموعات الشركات التي كونها الجيش بحيث أصبح قوة في الاقتصاد، أسوة بالجيش المصري الذي أقام مملكته داخل الدولة وبات المهيمن، وزادت هيمنته في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي. وبهذه المثابة يعد الانقلاب الذي قاده البرهان حركة للحفاظ على النفس. وحاول إخراجه من خلال لوم المكون المدني واتهامه بإفشال العملية الانتقالية وتغليب المدنيين مصالحهم الخاصة على المصالح الوطنية. وصور البرهان تحركه بأنه تصحيح للمسار وليس انقلابا. وكرر هذا الكلام في كل تصريحاته وآخرها ما قاله لصحيفة «فايننشال تايمز» (24/11/2021) وقال: «هذا ليس انقلابا ولكن تصحيحا لمسار العملية الانتقالية ووضعها في الطريق الصحيح». وحمل الأحزاب السياسية المسؤولية وقال إن «الأحزاب السياسية قامت باختراق مؤسسات الحكومة لتحقيق مكاسب لنفسها، وهذه هي المشكلة». وأكد أن العملية كانت ضرورية، «اعتقدنا أن البلد يسير نحو المجهول» في إشارة للأزمة الاقتصادية والسياسية. فالسودان يعاني من نقص في المواد الغذائية والوقود وتراجع في قيمة العملة ومعدلات عالية في التضخم، ولهذا يتفاوض على حزمة إنقاذ بـ 56 مليار دولار من الدين الخارجي. ووعد البرهان بالتخلي عن السلطة بحلول 2023 ومغادرة الجيش و «الاهتمام بشؤوني». ووصف الاتفاق مع حمدوك على أنه يسمح بحكومة تكنوقراط تركز على القضايا الملحة مثل السلام والأمن والاقتصاد. وبدا في كل هذا أن خطاب الجيش، البرهان تحديدا وحميدتي هو السائد على خطاب الشارع، فحملة تخريب العملية الانتقالية رافقتها حملة هجوم إعلامي، وتضليل من أجل توجيه رسائل للداخل والخارج.

لا يوجد هناك اتفاق جيد

وفي أحاديثه للصحافة الأجنبية، التزم حمدوك بأهمية العودة إلى التشارك في السلطة، معولا كما قال لشبكة «سي أن أن» (23/11/2021) على حسن نية الجيش وأنه قبل بالعودة «حقنا لدماء» السودانيين التي سفحت في الشارع، فقد قتل منذ بداية الاحتجاجات على الانقلاب 41 شخصا، رغم زعم البرهان أنهم 10 وأن قتلهم لم يكن على يد الجيش حسب تحقيق مبدئي للنائب العام كما قال. ولخص حمدوك موقفه بانه يريد الحفاظ على ما أسماها المنجزات الاقتصادية والسلام. ونفى أن يكون قد تعرض للإهانة من الجيش الذي وضعه تحت الإقامة الجبرية. وبرر قائلا إنه لا يوجد هناك اتفاق جيد بل ممكن وعملي، وأن المسألة بالنسبة إليه ليست شخصية. وفي المقابل قال حميدتي في مقابلة مع قناة «الجزيرة « الإنكليزية (25/11/ 2021) إن حمدوك كان على وعي بأن الجيش سيتحرك، مضيفا أن النقاشات تمحورت على ثلاثة خيارات وكان خيار التدخل الذي اختاره العسكر.

باع الثورة

ولم يقبل المدنيون، من قوى الحرية والتغيير ونقابة المهنيين السودانيين بالتوافق الجديد وشعروا أنه جرى إخضاع المدنيين للعسكر وقال مسؤول في الحكومة السابقة لـ«فايننشال تايمز» عن البرهان: «لقد قام بالانقلاب للحفاظ على رئاسة مجلس السيادة ويقوم باتهام الأحزاب السياسية بالبحث عن المنافع مع أن وظيفتها الطبيعية هي الحكم أو محاولة الحكم، وهو يقوم بلعبة خطيرة أو روليت روسي» مضيفا أن «المدنيين هم الذين يجب أن يشرفوا على الجيش وليس العكس». ويرتبط الاتفاق الحالي الذي وصفه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بأنه «خطوة» وهناك حاجة لبناء الثقة بين اللاعبين السودانيين بقدرة الأطراف على التعايش وسط رفض شعبي له، في وقت استمرت فيه التظاهرات ودعوات لحشود واسعة. والمشكلة هي أن المكون المدني في الحكومة الذي كان منقسما على نفسه قبل الانقلاب أصبح في وضع ضعيف إن لم يكن مستبعدا من المشاركة، بعد موافقة حمدوك على العودة. فشعبية رئيس الوزراء ارتفعت وهو تحت الإقامة الجبرية وعومل كبطل «أفاتار» لكنه أصبح الآن في مرمى هدف النقاد. وأشارت مجلة «إيكونوميست» (25/11/2021) إلى أن رئيس الوزراء بعد شهر من الاعتقال بدا في أول ظهور له متوترا بشكل واضح وهو يحاول إضفاء لمسة إيجابية على الاتفاقية التي وقعها للتو مع الرجل الذي أطاح به لفترة وجيزة في انقلاب. وفي احتفال قصير متلفز، قال حمدوك إنه وافق على الصفقة لإنهاء إراقة الدماء وأصر على أن وضع يده بأيدي الرجال الذين احتجزوه «سيمنع بلادنا من الانزلاق إلى المجهول». وردا على ذلك قام متظاهرون بالهتاف خارج القصر الرئاسي بإحراق الإطارات ونصب المتاريس ورددوا هتافات «حمدوك باع الثورة» وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع. قتل متظاهر يبلغ من العمر 16 عاما بالرصاص. وترى المجلة أن البرهان، وهو الرجل الذي قاد الانقلاب يشعر بأنه حقق ما يريد. وزعم أن الاتفاق كان بمثابة «دفاع واضح عن الثورة» التي وقعت قبل عامين. في ذلك الوقت، استولى الجنرالات على السلطة في انقلاب ليوقعوا على مضض اتفاق ائتلاف مع قادة الاحتجاجات بعد بضعة أشهر. هذه المرة، على الرغم من ذلك، فإن العسكر الذين حكموا السودان طوال فترة ما بعد الاستقلال تقريبا حصلوا على ما يريدون إلى حد كبير. وقالت إنه بعيدا عن بنود الاتفاق الذي اشترط الإفراج عن الوزراء المعتقلين فإن حمدوك بات يعمل بإذن من البرهان، الذي يبدو أن لديه السلطة لإقالته أو عزل أي من وزرائه. وهذا يقوض إلى حد ما وصفه الدكتور آدم الحريكة، مستشار رئيس الوزراء، بأنه ميزة للترتيبات الجديدة: أن حمدوك يمكنه أن يعين حكومة من التكنوقراط المدنيين. وتضيف المجلة بعدا آخر لقوة الجنرالات وهذا نابع من التحركات التي قام بها البرهان بعد الانقلاب، حيث ملأ المواقع البيروقراطية بالموالين. وأصبح «مجلس السيادة» الذي شكل بعد ثورة 2019 بشراكة مدنية- عسكرية، الآن هيئة عسكرية خالصة. وتبدو هذه الصيغة الحالية مقبولة للغرب والاتحاد الأفريقي الذي يفكر برفع الحظر عن السودان الذي جمدت عضويته بعد الانقلاب. وتدفع مصر بهذا الاتجاه. وتعتبر مصر إلى جانب السعودية والإمارات، حليفا قويا للبرهان ويعتقد أنها شجعت انقلابه. ويقول مجدي الجزولي من معهد ريفت فالي، وهو مؤسسة فكرية لها مكاتب في لندن ونيروبي: «يبدو الغرب سعيدا بشكل أساسي طالما عاد حمدوك».
هل يعود الإسلاميون؟

ويرى تيودر ميرفي من برنامج أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات للخارجية بمقال على موقع المجلس (25/11/2021) أن هناك تباينا بين ما يريده المجتمع الدولي وما تسعى إليه حركة الاحتجاج. فالأول يريد العودة إلى اتفاق الشراكة المدني-العسكري، أما الطرف المدني الذي يشعر بالخيانة من الجيش فهو يطالب بالتصعيد. ولم تكن الثقة موجودة بين الطرفين، ولكن اتفاق الشراكة الأول قام على فكرة عدم تجاوز العسكر الخط الأحمر والإطاحة بالمكون المدني، وأصبح هذا أثرا عفا عليه الزمن بعد تحرك 25 تشرين الأول/أكتوبر. وبالنظر إلى الخلف، يرى المدنيون الآن أن اتفاق الشراكة الذي وقع على تردد بعد سقوط البشير ومقتل مئات المحتجين في حزيران/يونيو 2019 كان تحركا ساذجا ويعبر عن ضيق نظر من القيادة المدنية للاحتجاج. وفي الوقت الذي يدعو فيه المجتمع الدولي للعودة إلى النظام الدستوري الذي يقوم على التعاون المدني- العسكري يدعو المحتجون للتصعيد وتسليم زمام الحكم للمدنيين وبالكامل.
وبمقاييس المتظاهرين فالاتفاق السياسي الأخير لا يعد عودة كاملة للوضع القائم لأنه أعاد فقط حمدوك وليس الحكومة المدنية السابقة. ويعتقد المحتجون أن الإكراه والتعب والعزلة عن الاستشارة الخارجية أدى إلى قرار حمدوك التوقيع على الاتفاق، وأن واجب منع سفك دماء جديدة كان دافعا له، لكن هناك أشياء كثيرة بحاجة لتفسير قراره العودة من جديد. ولا شك ان الإقتتال الداخلي بين المدنيين كان عاملا في الحد من قدرة حمدوك على المناورة والتحرك، وهو ما استخدمه الجيش كمبرر لقراره و «تصحيح المسار». ويرى ميرفي أن الاتفاق الأخير أغلق الباب أمام الحكومة المدنية السابقة باستثناء حمدوك، ولكنه أيضا فتح الباب أمام قوى استبعدها الاتفاق السابق واعتبرت خارجة عن اللعبة السياسية بعد الإطاحة بالبشير. وتتحدث النقطة السادسة في الاتفاق إلى توسيع المشاركة في الحكومة الانتقالية، وتشير بالتحديد إلى مكونات غير المدنيين الليبراليين والمعسكر السياسي الديمقراطي. وفي تقاليد الساسة الماهرين، ربما رأى حمدوك في الأزمة السياسية التي خلقها الانقلاب فرصة لا يمكن تضييعها. والمشكلة لحمدوك والعملية الانتقالية بشكل عام أنها تستثني معسكرا سياسيا لتفتح الباب واستبداله بآخر. وبات الطريق معبدا لعودة النظام السابق بدلا من إنشاء حكومة فاعلة.
وسيكون الإسلاميون، مفتاحا مهما في هذا، فعادة ما وضعوا جميعا في سلة النظام السابق أو حزب المؤتمر الوطني. ويخشى المتظاهرون من النقطة السادسة في الاتفاق التي تتحدث عن استبعاد النظام السابق من المشاركة، إلا أن الإشارة الغامضة للإسلاميين قد تكون حصان طروادة يسمح لهم بالعودة. ومسارعة الجيش بوضع عدد من الرموز المرتبطة بالنظام السابق يعطي ثقة لهذا الخوف. ويعتقد ميرفي أن عودة حمدوك بدون غطاء القوى المدنية التي دعمته في الماضي، يخلق مشكلة لصناع السياسة الأوروبية، فدول الاتحاد الأوروبي دعمته لأن القوى المدنية هي التي جلبته وبخاصة «قوى الحرية والتغيير» وهي مظلة مرتبطة بالمحتجين، وبعد خروجها من المعادلة فلم يعد ممثلا لها. وهنا المعضلة، فخسارة رئيس الوزراء لحركة الاحتجاج ستعني أن الدعم له، أوروبا مثلا، لا يقترن بدعم الديمقراطية، وهذا سيعقد عملية صناعة القرار الأوروبي. وبالنسبة لحركة الاحتجاج، فهي ماضية من غير حمدوك بمعارضة الاتفاق السياسي، وهذا خيار ليس سهلا. لأن نجاح الحركة يحتاج من المجتمع الدولي أمرين، الأول استبدال الاتفاق السياسي بدون اتفاق وإضعاف العضو الأكبر في الحكومة المدنية. وهذا تحرك دبلوماسي جريء، ويحتاج إلى جهود دبلوماسية على مستويات عليا. ولهذا تحتاج حركة الاحتجاج التحرك سريعا وتقديم حلول عملية بدلا من الحديث عن المشاكل، وهذا يشمل إظهار أن رئيس الوزراء الحالي ليس مؤهلا ويجب استبداله بآخر يحظى بتوافق القوى كلها. كما ويجب عليها أن تقدم بديلا واقعيا للاتفاق السياسي الحالي. ومن جانب المجتمع الدولي فإنه قد يتعامل مع الاتفاق على أنه التسوية الضرورية لمنع سفك الدماء والعودة للعملية الانتقالية. ولكن هناك خطوات أخرى يمكن لأوروبا القيام بها من ناحية بناء الثقة بين رئيس الوزراء وحركة الاحتجاج، والتعامل مع الاتفاق السياسي على أنه خطوة وليس النهاية والتأكد من تنفيذ بنوده، وبخاصة الإفراج عن المعتقلين السياسيين وتفكيك الدولة العميقة، ولو فشل كل هذا، فستكون أوروبا قد ساعدت الجيش في محاولته منع عمل الحكومة المدنية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية