الاتفاق بين اسرائيل وحماس ضعيف وهش ومن الممكن ان ينهار في أي لحظة

حجم الخط
0

علي حكومة اولمرت التخفيف من حملتها في الضفة وغزة اذا ارادت انجاح الهدنة

هذا ليس اتفاقا لوقف شامل لاطلاق النار. الاتفاق حتي هذه اللحظة كان حول وقف التراشق. لا يوقفون تهريبات السلاح ولا بناء القوة العسكرية الحمساوية ولا العمليات الاسرائيلية في الضفة. هم يحاولون ببساطة تخفيف حدة النيران وتبريد الأجواء من اجل تفحص امكانية التقدم من هذه النقطة الي الصعود نحو قمة الطريق السياسي العالي. كل شيء ضعيف وهش، ومن الممكن أن ينهار في أي لحظة.

من داخل محيط العداء الساخن برز عشية يوم السبت طرف كتلة الجليد علي شاكلة اتفاق متبادل لوقف تبادل النيران. شكليا هذا يعتبر اتفاقا بين اسرائيل وأبو مازن تم التوصل اليه في ختام عملية مفاوضات تواصلت عدة اسابيع ونضجت عشية يوم السبت. أما من الناحية الفعلية فالاتفاق تم بين اسرائيل وحماس.

بعد اختطاف جلعاد شليط وبعد حرب لبنان وبعد الوصول الي نقطة اللاحل لصواريخ القسام في الاسابيع الأخيرة، وجدت اسرائيل نفسها في وضع أصبحت فيه مستعدة لدراسة الخطة السياسية التي تقترحها عليها حماس. وبالمناسبة، هذه الخطة تشبه تلك التي قدمتها حماس قبل أكثر من خمسة اشهر في اطار محاولاتها للحفاظ علي حكمها.

من الناحية الفعلية أمامنا تغير جوهري في السياسة الاسرائيلية تجاه حكومة حماس: من سياسة تنادي بالمجابهة والازالة الي سياسة الاعتراف والتفاوض من البوابة الخلفية. من المشكوك فيه اذا كان المجلس الوزاري قد اتخذ في أي مرة من المرات قرارا بصدد هذا التغيير المستحدث في السياسة. ديوان وزير الدفاع كالعادة كان بين الأطراف التي تمت مراسلتها بهذا الخبر، وعلم بالمسألة في مرحلة معينة.

تخفيض الضغطوقف تبادل النيران هو كما أسلفنا مجرد طرف للجليد: المرحلة الاولي في الفصل الاول من العملية التي يفترض فيها أن تفضي الي التطبيع في المناطق. تحت سطح المياه تختبيء رزمة تسويات مكونة من اربع لبنات مترابطة مع بعضها البعض. هذه اللبنات يفترض أن تظهر واحدة تلو الاخري فوق سطح المياه في عملية ستمتد اسابيع طويلة الي اشهر معدودات. هذا بالطبع شريطة أن تتدحرج الخطة وتسير وفق التوقعات. اللبنة الاولي تتحدث عن إضفاء الاستقرار علي الوضع، أي، وقف اطلاق النار وبناء الثقة المتبادلة. منذ خمسة اشهر حماس أوضحت في اطار حديثها عن وقف اطلاق النار مع اسرائيل بأنها ستحتاج الي اسبوعين حتي ثلاثة للتمكن من السيطرة علي نيران الفصائل المسلحة الصغيرة من المنشقين من فتح بشتي أشكالهم واللجان الشعبية والجهاد. آلاف العناصر الأمنية الفلسطينية التي انتشرت أمس في مناطق اطلاق صواريخ القسام تعزز بدورها امكانية حاجة حماس الي مدة أقل من الوقت للسيطرة علي شركائها في الدرب.

يتبين من محادثات غير رسمية ان الجانب الفلسطيني يتوقع من اسرائيل في المقابل سحب قواتها من غزة والقيام بعدة خطوات ايجابية لافتة من اجل تعزيز الثقة المتبادلة. علي سبيل المثال إزالة حواجز وتقليص العمليات العسكرية والاعتقالات في الضفة. اسرائيل تنفذ اليوم في الضفة 130 ـ 180 عملية اعتقال اسبوعيا. جوهر النشاطات يتمحور ضد نشطاء حماس الذين يحاولون تشكيل قوة عسكرية خاصة في الضفة علي غرار ما بُني في القطاع. حماس ستكون مسرورة جدا اذا خفضت اسرائيل الضغط قليلا عن عناصرها مقابل الهدوء في جبهة القسام.

في هذا الاسبوع، بعد تأجيل لمرتين، سيأتي وزير الاستخبارات المصري عمر سليمان الي اسرائيل. هو سيدخل الي مكتب اولمرت وفي جعبته رزمة اللبنات الاربع التي اتفق عليها مع مشعل، ولكنه سيضع علي الطاولة في نفس الوقت قائمة من الخطوات الايجابية المطلوبة من اسرائيل.

توزيع الحقائبالفلسطينيون يتوقعون أن يتم خلال الاسابيع القريبة، خلال فترة إعادة الاستقرار للاوضاع، بأن تطلق اسرائيل، علي سبيل المثال، اعضاء برلمان من أتباع حماس الذين كانت قد اعتقلتهم. وهذا سيكون في الواقع اللبنة الثانية: اطلاق سراح اعضاء برلمان ووزراء من حماس.

اللبنة الثالثة: اطلاق سراح جلعاد شليط مقابل سجناء فلسطينيين. خلال الاسابيع الثلاثة الأخيرة ـ بعد خمسة اشهر تقريبا من المراوحة ـ طرأ تقدم جوهري علي الاتصالات الجارية لاطلاق سراح شليط. أعداد السجناء الذين تطالب بهم حماس ما زالت بعيدة عن تلك التي تقترحها اسرائيل، ولكن السقف والارضية يتقاربان. هناك بداية تقارب ايضا بصدد اجراءات اطلاق سراح السجناء. مع ذلك ليس هناك بعد اتفاق حول الأسماء التي ستظهر في قائمة السجناء المحررين وحول الجهة المسؤولة عن تشكيل القائمة. قضية السجناء قد تذهب في مهب الريح مرة اخري اذا طلبت اسرائيل إبراز عملية التبادل كبادرة ايجابية منها تجاه أبو مازن بهدف تعزيز مكانته في الشارع الفلسطيني. حماس ليست معنية بالمرة بمنح هذا الانجاز لأبو مازن.

بعد استكمال قضية شليط يفترض أن تصل الأطراف الي اللبنة الرابعة: تشكيل حكومة الوحدة أو حكومة الخبراء الفلسطينية. الجائزة الكبري لحماس ليست فقط استمرارية حكمها من خلال البرلمان الحمساوي ووجود اغلبية وزارية لها في الحكومة، وانما ايضا فتح صنابير الاموال التي ستتيح لها المجال للبرهنة أمام أعين العالم أجمع بأنها قادرة علي السيطرة والامساك بزمام الأمور. هذه هي مصلحة حماس العليا اليوم: الحصول علي الشرعية لحكمها.

حماس وفتح قد اتفقتا في الواقع حول عدد الحقائب الموزعة بينهما. ما زال هناك خلاف بعد حول عدة حقائب: الخارجية والاعلام المعدتين لفتح والتربية والتعليم والرفاه المعدتين لحماس. الخلاف حول هذه الحقائب شخصي: من هم الاشخاص الذين سيشغلون هذه الحقائب. أما الحقيبة الخامسة فهناك اختلاف جوهري بين فتح وحماس حولها، وهي حقيبة الداخلية التي تسيطر علي القوات الأمنية. حماس ليست مستعدة للتنازل عن السيطرة علي حقيبة الداخلية، أي أنها غير مستعدة للتنازل عن السيطرة التي تتيح لها بناء قوتها العسكرية وتعاظمها.

شكوك في اوساط الجيش الاسرائيليعندما تُطرح قضية ايقاف تهريبات الاسلحة، تطرح حماس صيغة مفادها: اذا كان علينا التنازل عن خيار المجابهة العنيفة في المستقبل ـ فنحن نريد التأكد من أن اسرائيل ستتنازل عن هذا الخيار ايضا. أي ان حماس ليست معنية بالمرة بايقاف عمليات التهريب. وقف اطلاق النار سيوفر الهواء لازدياد وتعاظم قوة حماس.

خلال المداولات التي جرت امس في ديوان وزير الدفاع، طرحت الاوساط الأمنية خشيتها من استمرار تعاظم قوة حماس وعمليات تهريب السلاح في ظل وقف اطلاق النار. المستوي السياسي رد علي الخبراء العسكريين في هذه المسألة: أولم تكن هناك تهريبات عندما لم يكن هناك وقف لاطلاق النار؟.

في الاسبوع الماضي، بعد ان اتضح ان اللبنات الاربع المذكورة مقبولة علي حماس واسرائيل، دعا المصريون خالد مشعل الي القاهرة. حتي تلك اللحظة كان مشعل يطلب القدوم والمصريون يرفضون، وما ان اتضح انه سيقف من وراء هذه التفاهمات، حصل علي ضوء اخضر للقدوم واقتطاف لقب من لا تتزحزح أي مسألة من دونه.

حينئذ فقط، عشية يوم السبت، وعندما أعطي خالد مشعل لأتباعه في غزة ضوءا أخضر من القاهرة للبدء في تنفيذ اللبنة الاولي في الاتفاق، قام أبو مازن بالاتفاق حول القضية مع اولمرت.

ديوان وزير الدفاع كان شريكا ثانويا جدا في هذه الخطوة السياسية ـ الأمنية الجوهرية التي تبلورت في الاسابيع الأخيرة وأدت الي وقف اطلاق النار. وعندما يكون ديوان وزير الدفاع ضعيفا ينعكس ذلك علي درجة تأثير الجيش علي المجريات. في صفوف الجيش تسود شكوك كبيرة بصدد وقف اطلاق النار والعملية برمتها. عشية يوم السبت كان الجيش الاسرائيلي جاهزا لشن عملية عسكرية أوسع نطاقا في القطاع، ومع ذلك لم يتم بعد القاء رزمة الأوامر بالهجمات في سلة المهملات. القوات التي انتشرت داخل القطاع خرجت منه وهي في حالة انتظار.

أطراف أمنية رفيعة تكرر من ناحيتها شعارها: الهدنة علي طريقة حماس تفضي الي لبنان ثانٍ في غزة. موافقة حماس علي وقف اطلاق النار حسب قولهم نبعت من الضغوط العسكرية الفعالة التي يمارسها الجيش الاسرائيلي، ومن الخوف من تصفية قادتها الكبار ومن ضغوط الشارع الفلسطيني الذي مل هذا الوضع. في جهاز الدفاع لا يعتقدون ان هذه الخطوة ستصمد علي المدي الزمني، ولا يعتقدون أن حكومة الوحدة الفتحاوية ـ الحمساوية ستقوم وان اسرائيل انما تصب في مصلحتهم فقط. وقف اطلاق النار، سواء كان قصيرا أو طويلا، يمد حماس بالهواء الذي تحتاجه حسب رأيهم.

اليكس فيشمانالمراسل العسكري للصحيفة(يديعوت احرونوت) 27/11/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية