الاتفاق بين المجلس العسكري والمدنيين انتصار جزئي للمعتصمين ولن يغير واقع سيطرة الأطراف على المركز

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في الوقت الذي كشفت فيه هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عن تفاصيل جديدة للمجزرة التي ارتكبها الجيش السوداني ضد المدنيين كان المجلس العسكري يعلن يوم الخميس عن إحباطه عملية انقلابية واعتقاله المنفذين لها من الضباط الذين لا يزالون على رأس عملهم والمتقاعدين.

ولا شك أن هناك محاولة لحرف النظر عن الاتهامات ومنح صورة عن حالة عدم الاستقرار التي لا تزال البلاد تعيشها بشكل تجعل من إجراءات الطوارئ والحل الأمني أمرا مطلوبا وبالضرورة عدم الالتزام بشروط الاتفاق الذي وقعه المجلس العسكري الانتقالي مع ممثلي القوى المدنية الأسبوع الماضي. ويظل الحديث عن “انقلاب” عسكري في هذا التوقيت مثارا للتساؤل، وربما لجأ النظام الجديد لهذه اللعبة المعروفة لدى الانظمة الديكتاتورية لفرض سياسات واتخاذ إجراءات قمعية ضد معارضيها.

فبركة

ولا يزال أمام الاتفاق معوقات كبيرة، خاصة أنه يمثل امتحانا لنية المجلس العسكري تطبيق بنوده والعمل على نقل السلطة في النهاية للمدنيين. ومن هنا يفهم سياق الإعلان الذي نقل فيه موقع “ميدل إيست آي” في لندن (12/7/2019) عن مصادر في المؤسسة الأمنية السودانية قولها إن الجيش بالغ في تصوير العملية الانقلابية لعرقلة تطبيق اتفاق مشاركة السلطة. وكان المجلس الحاكم قد أعلن عن المحاولة يوم الخميس قبل ساعات من تأجيله التوقيع على الاتفاق. وقال مصدر عسكري سوداني إن الانقلاب تمت “فبركته” لتبرير عدم توقيعه على اتفاق يجرد المؤسسة العسكرية من بعض السلطة ويعطي صوتا للمدنيين الذين بدأوا تظاهرات في كانون الأول (ديسمبر) 2018 قادت في 11 نيسان (إبريل) للإطاحة بعمر البشير الذي قاد البلاد منذ عام 1989. وبرر المصدر أن 12 ضابطا أعلن عن اعتقالهم لا يكفي لقيام انقلاب، مضيفا أن قوات الدعم السريع والمخابرات السودانية في حالة تأهب لمنع أي تحرك من داخل الجيش. وقال مصدر آخر إن الموالين للبشير في مؤسسة الجيش كانوا يخططون لانقلاب لكن تحركهم لم يمض أبعد من ذلك. ولا يزال النظام السابق متمترسا في المؤسسة ولديه تأثير في الجيش والأمن ويمكن أن يقوم بعرقلة أي اتفاق مع المدنيين. ويرى مصدر آخر عسكري أن سبب تلكؤ الجيش في التوقيع على الاتفاق نابع من محاولته البحث عن طرق لمنع تحقيق في مجزرة الثالث من حزيران (يونيو) التي قتل فيها أكثر من مئة شخص. وقال المصدر إنهم “يبحثون عن أي شيء يساعدهم على الهروب من تطبيق الاتفاق خاصة الجزء المتعلق بالتحقيق في مقتل المدنيين”. كما أن قادة المجلس العسكري الذي وقعوا على الاتفاق تحت الضغط الدولي يبحثون عن طرق للخروج منه، فنائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو المعروف حميدتي لديه الكثير ما يخسره حال تم التحقيق لأن المتهم بالمجزرة هي قوات الدعم السريع التي يقودها بالإضافة لمصالحه التجارة خاصة عمليات التنقيب عن الذهب. ويرى محمد بدوي الباحث في المركز الافريقي للعدالة والسلام أن الجيش بحاجة لوقت كي يشرعن استثمارات الدعم السريع وإعادة موضعة مصالح الجيش قبل أي عملية تسليم للسلطة. ولم يستبعد مفاجآت من المجلس العسكري وعلاقات مخفية له مع النظام السابق.

بحث حي لمجزرة

ورغم الدعم الإقليمي الذي يحظى به المجلس العسكري خاصة من مصر والسعودية والإمارات إلا أنه يعاني من أزمة صورة، وهذا يفسر محاولات المجلس وحميدتي تحديدا الحصول على خدمات شركة علاقات عامة مقرها في كندا ويديرها ضابط إسرائيلي سابق للعمل على تحسين صورته في الولايات المتحدة وفتح علاقات مع روسيا. ويقال إن حميدتي وقع مع الشركة عقدا بمبلغ 6 ملايين دولار للقيام بالمهمة. وهي مهمة صعبة بعدما كشف تحقيق “بي بي سي” عن أن قادة المجلس العسكري هم الذين أمروا بقمع المعتصمين أمام مقر القيادة العامة للجيش. وذكرت صحيفة “الغارديان” (12/7/2019) أن الفيلم الذي أعده برنامج “أفريقيا آي” في “بي بي سي” وحمل عنوان “بث حي للمجزرة السودانية” قام على تحليل 300 لقطة فيديو التقطها المعتصمون على هواتفهم المحمولة واحتوى على شهادات من جنود شاركوا في فض اعتصام عشرات الآلاف من السودانيين أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم. وقال جندي شارك في فض الاعتصام أن حميدتي هو الذي أصدر الأمر بنفسه لقادة قوات الدعم السريع التحرك ضد المعتصمين. وقال إن “التعليمات صدر من القائد، الجنرال حميدتي، ووصلت إلينا في 20 أيار (مايو)” و “بعد ذلك جاء عبد الرحيم دقلو (قائد آخر) لرؤيتنا وطلب منا فض الاعتصام ويجب إجبارهم على الفرار. ولكي يتقدم هذا البلد نحو السلام والأمان والازدهار علينا التعامل بحزم مع كل مظاهر الفوضى”. وكان حميدتي قد رفض التعليق في مقابلته مع صحيفة “نيويورك تايمز”(15/6/2019) على أي سؤال عن المجزرة مؤكدا أنه ينتظر نتائج التحقيق. ولكنه قال إن المتظاهرين قاموا بعدة استفزازات صارخة بما فيها جندي كشف عن عضوه الجنسي الخاص أمام الجنود فيما صور أحد المعتصمين عملية تدمير عربة عسكرية. وتعهد في المقابلة بتقديم أي عنصر في الدعم السريع للمحاكمة حالة ثبت تورطه في قتل المعتصمين.

ليس انتصارا

ولم يكن هؤلاء قادرون على نشر الصور التي التقطوها للمجزرة بسبب حظر الإنترنت التي تم السماح بها بعد الاتفاق الأولي مع المعارضة والذي يحاول المجلس العسكري تأخيره مع أنه بالنظرة العامة يعتبر انتصارا جزئيا للمعارضة ولم يحتفل به الكثيرون حسب “إيكونوميست” (8/7/2019) فلم يخرج لشوارع الخرطوم إلا حفنة من الأشخاص للاحتفال بعهد جديد، وقام بعضهم برفع العلم السوداني وصرخوا “مدنية” إلا أن الحماس لم يكن عاما في العاصمة السودانية بعد الإعلان عنه. فهو وإن مثل تنازلات من الطرفين ومنح المدنيين 6 مقاعد من 11 مقعدا في المجلس السيادي الذي سيتم تشكيله ويشرف على عملية التحول للحكم المدني إلا أنه جاء بعد عودة المتظاهرين إلى شوارع الخرطوم في 30 حزيران (يونيو). وتقول المجلة إنه “انتصار للمعارضة ولكنه جزئي” لأن سبعة أشهر من التظاهرات ضد الحكم الديكتاتوري العسكري لم تقد بعد لحكم مدني، بل وسمح قادة المعارضة المدنية للطغمة العسكرية تعيين واحد منها لكي يقوم المجلس السيادي لمدة 21 شهرا، ولن يسمح للمدنيين بإدارة المجلس إلا فيما تبقى من 18 شهرا قبل عقد الانتخابات. وتنازل المدنيون عن مكسب حققوه في محادثاتهم المبدئية مع الجيش وهي أن تكون نسبة المدنيين ثلثي البرلمان، ذلك أن الاتفاق الجديد يؤجل تشكيل البرلمان إلى ما بعد الانتخابات المقررة بعد 3 أعوام وليس 4 أعوام حسب طلب المتظاهرين مما يعني عدم توفر الوقت لإنشاء مؤسسات تؤكد انتخابات نزيهة.

ضغط دولي

 ومن المتوقع أن يترأس عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي الحالي المجلس السيادي المقبل مع أن السلطة لا تكمن في يديه بل بناه حميدتي والذي يقود 30.000 من قوات الدعم السريع وتسيطر على الخرطوم. ومع أن الاتفاق ينص على منع أي شخص يثبت تورطه في مجزرة الخرطوم من المشاركة في السلطة إلا أن هذا لا ينسحب بالضرورة على حميدتي، تاجر الجمال السابق والذي بنى قاعدة للقوة له في دار فور عندما قاد ميليشيات الجنجويد التي روعت المواطنين هناك. وقال مفاوض مدني إن حميدتي حاول منع بند التحقيق في الاتفاق. وعلق دبلوماسي غربي قائلا: “من المستحيل أن يترك حميدتي كرسيه” كما وسيعارض الجهود لوضع قوات الدعم السريع تحت قيادة مدنية أو ضمها للجيش. وعبر عدد من قادة المعارضة عن عدم رضاهم من الاتفاق وقالوا إنهم تعرضوا للضغط الدولي خاصة من الأمريكيين. وتجري المفاوضات على خلفية استمرار انهيار الاقتصاد الذي تقلص في عام 2018 بنسبة 2.3 في المئة وحتى ينتعش فهو بحاجة لمساعدة في الدين العام الذي يصل إلى 50 مليار دولار. وهذا لن يتم قبل حذف السودان عن قائمة الدول الراعية للإرهاب. ولن يتم هذا في ليلة وضحاها نظرا لأن السودان على القائمة منذ عام 1993.  وعلى المستوى السياسي فالحكومة المرتقبة تحتاج لعقد مصالحة مع الجماعات المسلحة في دار فور وجنوب السودان التي قالت إنها استبعدت من المحادثات. ويعتقد الكثيرون أن الاتفاق ما هو إلا محاولة من المجلس العسكري لشراء الوقت كي يوطد سلطته من خلال البقاء في المجلس السيادي حتى بعد انتهاء مدة 21 شهرا. ولمنع سيناريو كهذا فهناك حاجة لمراقبة دولية وضغط مستمر من الشارع. ويعلق ألان بوزويل من مجموعة الأزمات الدولية “هذا ليس نهاية الطريق” بل “وليس البداية”.

أمريكا خائفة من الإخوان

ويبدو أن تأكيد الوقع القائم، أي بقاء المؤسسة العسكرية في الحكم هو ما يفسر الموقف الأمريكي، فبحسب تيبور ناغي، مساعد وزير الخارجية للشؤون الافريقية فالوضع في السودان لا يزال هشا “ولا يزال هناك مخربون” يحاولون قلب الأمور. وعلقت صحيفة “فايننشال تايمز” (11/7/2019) على تصريحات المسؤول الأمريكي البارز بالقول إن الخوف من الفوضى والعنف هو الدافع وراء دعم واشنطن الاتفاق بين المجلس العسكري والجماعات المدنية. وقال ناغي إن الاتفاق خطوة للأمام مضيفا “من بين السيناريوهات الموجودة فقد تكون النتائج سلبية جدا وقد نجد أنفسنا أمام نموذج ليبيا أو الصومال وهو آخر ما تريده مصر أو إثيوبيا”. وجاءت تعليقات المسؤول الأمريكي بعد زيارة للسودان التقى فيها مع المسؤولين العسكريين والمدنيين. ويرى عدد من السودانيين أن أمريكا والقوى الإقليمية لعبوا دورا في التوصل للاتفاقية الأخيرة بين الجيش والمدنيين.  وفي الوقت الذي دعمت فيه واشنطن تحولا سياسيا للسلطة إلا أن ناغي استبعد تدخلها في أي اتفاق بين المجلس العسكري والقوى المدنية، مشيرا إلى أن هدف أمريكا التوصل لعملية انتقالية يقبلها السودانيون. وتعلق الصحيفة أن مطالب الولايات المتحدة بتحقيق مستقل في مجزرة الخرطوم الذي فصلته عن العملية السياسية كان محلا للنقد خاصة أن حميدتي قائد الدعم السريع يلعب دورا مهما في المجلس العسكري. وتقول جيهان هنري، مديرة قسم افريقيا في منظمة ه”يومان رايتس ووتش” إن “بقاء حميدتي في السلطة هو إشكالي، قائد قوات الدعم السريع طوال هذه السنين ومتورط ليس في جرائم الخرطوم بل ودار فور” و “حتى تكون هناك محاسبة فلن يحل السلام”. وقال ناغي “القمع هو موضوع آخر وعلينا أن لا ندخل في لعبة اتهام هذا الشخص أو ذاك بل التركيز على النتيجة لأنها مهمة للسودان”. واعترف ناغي بإمكانية فشل الاتفاق وعودة رموز النظام السابق، مشيرا إلى أن هناك قلقا من عودة الإخوان المسلمين الذين حكموا مصر لفترة قصيرة و”هذا بالتأكيد مصدر قلق”.

تغير ميزان القوة

ومهما كانت النتيجة للاتفاق، فقد تغير المشهد السياسي السوداني بشكل كبير. والمشكلة أن سادة السودان أو من سيصبحون سادته مثل حميدتي وباتوا يصنعون الملوك فيه، جاءوا من الأطراف، وما يدهش كما يقول أليكس دي وال في مقال بمجلة “فورين بوليسي” (2/7/2019) أن حميدتي رجل قبلي لا يملك المؤهلات لأن يكون زعيما قوميا للسودان لكنه اليوم الأقوى فيه.

ويرى دي وال أن “الصراع في الخرطوم اليوم ليس بين الحكم العسكري والديمقراطية، لكن فيما إن كان حاكم السودان من مركز السلطة تاريخيا على نهر النيل، أم من الأكثرية الفقيرة في الأطراف” ويقول إن “حميدتي يستخدم الآن أدواته التي أتقنها في دارفور بفعالية جيدة في الخرطوم، ومع رعاته في الجانب الآخر من البحر الأحمر، ولو استطاع أن يفعل ما فعله مع ثوار الأقاليم، فإن ثورة أبريل قد تكون أدخلت البلد إلى ثورة غير متوقعة، وسيكون الأشخاص من أطراف السودان في السلطة لأول مرة. وعلى خلاف جنوب السودان، فهم لم يثوروا لينفصلوا، لكن صاحب القرار لا يخدم الدولة السودانية، لأنه استولى على البلد ليخدم طموحاته التجارية العسكرية الحرة، مما سيضع البلد في موقف غير مسبوق، لكنه في الوقت ذاته مألوف إلى درجة مخيفة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية