الاحتجاجات الأمريكية امتحان لترامب والديمقراطيين على السواء!

رلى موفّق
حجم الخط
0

الربيع الأمريكي ليس العامل المؤثر في الانتخابات الرئاسية

بيروت-“القدس العربي”:كان ينقص دونالد ترامب “الربيع الأمريكي” على مسافة بضعة أشهر من الانتخابات الأمريكية. أضحى نزول مئات الآلاف إلى الطرقات احتجاجاً على أي قضية في أي بلد هو “ربيع”. لم يكن الأمريكي الأسود جورج فلويد ليعلم أن كلماته “لا أستطيع التنفس” ستصبح شعاراً يُرافق الأجيال، ولا أن لقطات فيديو توثّق مقتله في مينيابوليس تحت ركبة شرطي أبيض، سيكون لها هذا الوقع والفعل، ليس فقط في ولاية مينيسوتا والولايات الأمريكية الأخرى، بل في عواصم كثيرة من الكون الذي أصبح قرية عالمية بفعل التقنيات الحديثة.

هو مثال جديد على مدى قوة الإعلام الحديث والتواصل في التأثير سلباً أو إيجاباً على الأحداث. ليس هذا محور النقاش راهناً، ولكن هل كان لمقتل رجل أسود، نتيجة أداء خاطئ لشرطي أبيض، أن يُشعل ببرهة مدناً أمريكية، ويتحوَّل حدثاً عالمياً في غير هذا الزمن؟ صحيح أن الأمر يرتبط بالذاكرة الجماعية لكل معالم التمييز العنصري بين البيض والسود، ولكن الصحيح أيضاً أن الأجندات السياسية دخلت بقوة على الخط، لتوظيفها في حسابات الاستحقاق الرئاسي.

مشهد الشرطي الأبيض ديريك شوفين، الجاثم بركبته فوق رقبة الضحية الأسود جورج فلويد، كان ليبقى في إطار الحادث الناجم عن العنف بين الشرطة والأقليات وتداعياته المتعددة، لو لا أن البلاد دخلت في فلك التنافس الانتخابي على “البيت الأبيض” حيث إن كل حادث أو حدث، كبيراً كان أو صغيراً، يُؤثّر على مزاج الشارع الأمريكي وأصوات الناخبين، ولا سيما في الولايات المتأرجحة.

ولاية مينيسوتا تُعتبر من الولايات المتأرجحة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. كفَّتها رَجَحَتْ للديمقراطيين في انتخابات 2016. وعنها وصلت النائبة إلهان عمر، المسلمة المتحدّرة من أصول صومالية إلى مجلس النواب في الانتخابات النصفية عام 2018. وهي من الولايات المفتوحة على نوافذ الاضطرابات الأهلية.

اللافت في قراءة المحللين، الآتين من لدن الحزب الجمهوري، أن غالبية الولايات التي انتشرت وتمادت فيها أعمال الشغب هي ولايات ومدن يقود الديمقراطيون إدارتها المحلية، مِن حكام وعمداء ومُدّعين عامين، ما يدفعهم إلى تأطير ذلك في خانة الاستثمار السياسي عبر ترك الشارع متأججاً، ورفع منسوب الاعتراض إلى مستويات أعلى، بتحويلها إلى اعتراضات في وجه ترامب المرشح لولاية ثانية وسياساته.

كان الرئيس لا يزال يُلملم آثار وباء كورونا وما أحدثه من تداعيات صحية واقتصادية على البلاد. وكان التقييم العام لأدائه وطريقة تعاطيه مع الأزمة الصحية، من قبل المحيطين بفريقه، يُعتبر مقبولاً، ويُعوّلون في مقبل الأسابيع على الاستراتيجية التي يتّبعها لإعادة دفع عجلة الاقتصاد المتباطئ والتخفيف من النتائج السلبية لذلك على الإنتاج وأعداد العاطلين عن العمل. وكانت سياسة تحميل الصين مسؤولية الضرر الكبير على أمريكا، ومعها العالم، تَدْخُل في إطار هذه الاستراتيجية، فإذا بـ”حدث مينيابوليس” يدخل عاملاً رئيسياً على مسار التحدّيات الجديدة أمام الرئيس-المرشح، وعنصراً مؤثراً في الحملة الانتخابية لكلا الحزبين.

ليس واضحاً بعد الوجهة النهائية التي ستؤول إليها الاحتجاجات ومفاعليها القريبة والمتوسطة. تغريدات ترامب، ولا سيما تلك التي وَصَفَ بها المتظاهرين بأنهم “عصابات” وتهديده باستدعاء الجيش في حال عدم سيطرة الولايات على الوضع في الشوارع، أثارت جدلاً، وظهر التباين إلى العلن في الموقف ضمن فريق الرئيس. لكن المراقبين يرون أن الإدارة نجحت في مقاربتها لماهية التحركات على الأرض، حين ميَّزت بين فئات ثلاث في التظاهرات: فئة أولى-وهي الأكبر-رافضة لانتهاك الحقوق المدنية وحقوق الإنسان وتطالب بتغيير الثقافة السائدة في عمل الشرطة وبالمحاسبة والعدالة. وفئة ثانية تُشكّلها حركة “أنتيفا” التي تضم ناشطين ذات توجهات يسارية متطرفة، ولديها قدرة على التحشيد في الاحتجاجات، وتقوم بالعنف وبتدمير وتخريب الممتلكات العامة كوسيلة للتعبير، وتبرز بقوة أثناء الاضطرابات، وقد ازداد نفوذها بعد مجيء ترامب. أما الفئة الثالثة، فهي مجموعات من الطفيليين الذين يقومون بأعمال النهب والسرقة، مستفيدين من حال الفوضى التي تعمّ في الحركات الاحتجاجية. ويرى هؤلاء أن هذه المقاربة ستُسهم في خفت حدّة الاحتجاجات، ولا سيما بعد إجراءات للنائب العام في ولاية مينيسوتا بحق الشرطي ورفاقه، التي أدرجها في “صالح الضحية والعدالة والمجتمع والدولة” والتي من شأنها أن تُهدّئ من روع المحتجين، فيما ذهب الرئيس إلى اقتراح تصنيف “أنتيفا” بالـ”الجماعة الإرهابية” في ضوء انفلاش أعمال التخريب، وطالب حكام الولايات، ولا سيما الحكام الديمقراطيين، بتدابير أمنية فعّالة.

ستذهب المطالبة أكثر في اتجاه إصلاح نظام العدالة الجنائية، وهو ملف لم يُحقّق أي نجاح في عهد الرئيس الأسود باراك أوباما، بينما أحرز خطوات متقدمة في عهد الرئيس الأبيض ترامب، والذي يَعد بالمزيد من الإصلاحات. وهو من باب إصلاح نظام العدالة الجنائية، وخفض معدلات البطالة والجريمة، قال بعد اتهامه بإحداث انقسام في المجتمع الأمريكي “إن ما قدَّمته إدارته لمجتمع السود بأمريكا، أكثر مما قدَّمه أي رئيس آخر منذ أبراهام لينكولن”.

وفي رأي محللين محسوبين على الجمهوريين أن انعكاسات ما يجري من احتجاجات على حظوظ ترامب في الانتخابات، لا يمكن قياسها خارج إطار العوامل التي تتحكّم بحسابات الناخبين الأمريكيين، والمرتبطة أساساً بعامل الاستقرار الاقتصادي وقدرة المواطن الأمريكي على تأمين متطلبات حياته ورفاهيته، وبعامل الاستقرار الأمني. ومن سيحدّد ذلك، في حقيقة الأمر، هي الولايات المتأرجحة. ذلك أن الولايات المحسوبة تاريخياً على الديمقراطيين أو على الجمهوريين لا يتوقع أن تشهد تحوّلات كبرى في مزاج ناخبيها. ويُقدَّر حجم تلك الكتلة المتمركزة في الوسط بنحو 15 مليون صوت في الولايات المتأرجحة بين الحزبين التي هي قيد المعاينة الدقيقة، ليس فقط من قبل ترامب، بل أيضاً من قبل الديمقراطيين الذين سيخوضون الانتخابات بجو بايدن، ويراهنون على إخفاقات ترامب في هذين الملفين لعودتهم مجدداً إلى “البيت الأبيض”.

 يستقيم الرهان على مفاجآت قد تحدث في الداخل الأمريكي، ولكن ماذا عن الرهان على ما يُحكي عن مفاجآت تنتظر ترامب من الخارج، وستكون لها الكلمة الفصل في تحديد مستقبله الرئاسي!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية