المظاهرات الصاخبة بأرجاء البلاد في الأسابيع الأخيرة هي حدث مؤسس لم يحدث مثله في تاريخ دولة إسرائيل. ومن المشكوك فيه أن يكون بالإمكان احتواء تلك المظاهرات الحازمة بقيادة الجيل الشاب أو حتى تهدئتها بكلمات فارغة وبحيل مخادعة. وكما يبدو، لن تعود السياسة بمجملها كما كانت. وفي أعقاب هذه المظاهرات قد ينطلق نقاش واسع ومعمق سيمس جذور الأزمة الثلاثية -السياسية والاجتماعية والصحية، الواقعين تحتها، وسيطرح مطالبة بإصلاح أساسي، سيغير طابع السياسة الإسرائيلية وطابع النظام. هذا هو الأمل.
لن يجتاز نتنياهو هذه المظاهرات. لقد طفح كيل الخجل حتى لدى العديدين من مؤيديه التقليديين. ليس نتنياهو هو الذي أفسد النظام السياسي في إسرائيل، وهذا النظام أُفسد وشُوه منذ فترة طويلة. ويمكن القول عن نتنياهو إنه لم يتجاوز أي شرخ في السور، وينجح في ذلك في هذه الأثناء. لقد قال حكماؤنا عن حالة نتنياهو: ليس الفأر هو السارق، بل الثقب. شخص بائس تماماً منفلت العقال وعديم الخجل يتجرأ على استغلال النهج الإسرائيلي بهذه الصورة.
إن الشعار القاطع “فقط ليس بيبي” هو شعار صحيح ومحق. هذا الرجل إهانة للذكاء والذوق الرفيع. ولكن هناك من يسألون وبحق: من سيأتي بعد نتنياهو؟ هذا سؤال محرج. من جانب يصرون على تقليص النقاش والتركيز على الجانب القيادي الشخصي. يسألون من سيكون الأفضل: غانتس أم يائير لبيد أم نفتالي بينيت؟ كم تبدو الإجابة واضحة: من أجل كل الأسباب التي يطالبون بإزاحة نتنياهو من أجلها، يمكن الموافقة على كل مرشح ليس مشكوكاً في نزاهته. بيد أن دودة الشك لا تتوقف: هل كل المطلوب أن يكون الزعيم مستقيماً فحسب؟
يعدّ غانتس، على سبيل المثال، شخصاً مستقيماً حسب كل الدلائل، ولكن عالم مفاهيمه لا يختلف عن عالم مفاهيم نتنياهو؛ بل قد يكون أضيق. هو ليس كاذباً مثل نتنياهو، ومن أجل أن يكون شخصاً كهذا يجب أن يتحلى بمؤهلات خاصة؛ ولكنه عالق في نفس الشبكة المفاهيمية المشوهة التي تجري الحياة السياسية هنا طبقاً لها.
يبدأ التشويه بإنكار الجوهر المدني للدولة، وإن إنكاراً كهذا يغفل التبرير الحصري لوجود أي دولة. ولا يجب بأي حال من الأحوال أن نرى في الدولة أداة تنفيذية لأي مجموعة عرقية أو ثقافية، وبالتأكيد ليس لدين معين، فكل مشاكل الدول في العالم الإسلامي تنبع بصورة مباشرة من تدخل الإسلام في حياة الدولة، ولأن الدولة -حسب رؤية الإسلام- أداة تطبيق وتنفيذ للدين. تتناقض هذه المقاربة بصورة تامة مع الرؤية التي ترى في الدولة نظام حكم سيادي، غير خاضع لأي نظام خارجه وهي ملتزمة في المقام الأول بسلامة ورفاهية سكانها -مواطنيها، دون تفريق حسب الدين والجنس والعرق. الدولة في المقام الأول دولة مدنية، دولة كل مواطنيها.
حسب رؤية الدين اليهودي، لا لزوم للدولة؛ فهي تمثل سلطة سيادية وقطرية وعلمانية في جوهرها، ولا تتساوق مع سيادة الإله. من خلال اليهودية التاريخية لم تطرح مطلقاً المطالبة بإنشاء دولة لليهود. فقط بفضل عمليات الحداثة -التعليم والتحرر الذاتي- التي جرت وسط أوروبا وشرقها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تشكلت كتلة اليهود العلمانيين الذين تجمعوا حول الفكرة القومية التي ترى في اليهود كياناً قومياً وليس دينياً، وخرجت من داخلهم المطالبة بتأسيس دولة لليهود.
اندمج هذا المطلب مع اليقظة القومية التي اجتاحت شعوب شرق أوروبا ووسطها، وهناك تشكلت الرؤية القومية التي دعت إلى أن الدولة تنتمي للقومية المحلية المهيمنة: بولندا للبولنديين، هنجاريا للهنجاريين، وألمانيا للألمان. كانت تلك رؤية مناقضة تماماً لمفهوم الدولة المدنية. أصل كل الحروب والنزاعات في أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين ومن بينها الحربين العالميتين، كان في محاولة تجسيد نموذج الدولة القومية المليئة بالتناقضات. ودولة إسرائيل تبنت لدى تأسيسها نموذجاً هجيناً: من جانب النموذج القومي كما في شرق أوروبا، ومن جانب آخر النموذج المدني الذي أملاه قرار الأمم المتحدة الصادر في تشرين الثاني 1947، والذي بنوده الأساسية مشار إليها في إعلان استقلال الدولة. ولكن الدولة لم تنفذ التعهد الذي أخذته على عاتقها بصياغة دستور حسب اشتراطات قرار الأمم المتحدة، والتي عكست مبادئ الدولة المدنية. السبب في ذلك واضح: كان الدستور سيوضح علاقات الدين والدولة، وبالضرورة كان سينص على مبدأ الفصل بينهما. علاوة على ذلك، الدستور كان سيمنع تشويهات التشريع الناتجة عن التصور الذي يرى في إسرائيل دولة يهودية. خاف مؤسسو الدولة من ثقل المهمة. والخيار الذي كان أمامهم، إما يهودية أو دولة، كان خياراً ثقيلاً عليهم؛ لقد كانوا أسرى لرواية كاذبة عرضت الصهيونية كاستمرار طبيعي لليهودية التاريخية. ولكن اليهودية التاريخية كانت أمة دين مناوئة للدولة، في حين أن الصهيونية كانت ثورة ثقافية ضخمة. في أرض إسرائيل الانتدابية، نمت ثقافة محلية، أصلية إسرائيلية، استخدمت كقاعدة صلبة للثقافة الإسرائيلية المعاصرة.
لم يرتق المؤسسون إلى مستوى المهمة، وتهربوا من المسؤولية وأجلوا للمستقبل غير المحدد القرارات المطلوبة -فصل الدين عن الدولة وصياغة دستور. لقد اختبأوا خلف الادعاء بأن هذا الجيل لم يكن ناضجاً لقرارات حازمة كهذه. ووقفت أمام أعينهم كما يبدو كل الأجيال اليهودية من الماضي، والذين فضلوا البقاء في المنفى منذ أيام كورش وفي عهد البيت الثاني ثم القبول بحكم سلطة أجنبية، وعدم الوقوف ثانيةً أمام خيار -إما الدولة أو سلطة الدين.
سنذهب لانتخابات… وهذا أمر غير مشكوك فيه، ولكن لن ينتج عنها قرار حاسم. الانقسام بين كلا المعسكرين، اليمين، واليسار-وسط، انقسام جوهري. هو يقسم الجمهور إلى اثنين، ومن غير المتوقع أن يتغير. لم تكن التغييرات الحقيقية في يوم من الأيام نتيجة لعمليات داخلية، بل نتيجة لضغوطات خارجية. لهذا، فإن من يؤمنون بإمكانية تغيير نظام (حركة، حزب، مؤسسة) من الداخل يفشلون دائماً. إن سذاجة غانتس ورجاله، والذين دخلوا إلى حكومة نتنياهو لاعتقادهم بأنهم سينجحون في التغيير على نهجها وسياسيتها من الداخل، هو أمر مفجع حقاً.
والأكثر فجعاً هو الاعتراف بأن التعادل السياسي بعد إزاحة نتنياهو سيظل على حاله. سيتضح أن أمله زائف من يأمل بانطلاق حوار جماهيري معمق يقود إلى إيقاظ حركة احتجاج ضخمة مطالبةً بتعديل العيوب الأساسية لإسرائيل -غياب دستور وعدم فصل الدين عن الدولة- ثانية. السياسة الإسرائيلية ستعود للتمركز في مياه ضحلة، والأزمة الثلاثية (الاقتصادية، الاجتماعية، الصحية) ستتعاظم ولن تختفي من حياتنا. وعلى خلفية عمليات العولمة التي تؤثر عميقاً في اقتصادات الشعوب وثقافاتهم وهوياتهم، سيزداد هنا الميل للهجرة والتشتت، بدايةً للنخب الإسرائيلية. وحينئذٍ، سوف يجمع من سيتبقون هنا قوتهم ويحدثون تغييراً حقيقياً.
بقلم: يغئال عيلام
هآرتس 2/11/2020