حسين مجدوبي تطوان ـ طنجة (شمال المغرب) ‘القدس العربي’: يعيش المغرب ومنذ أسابيع على إيقاع التظاهرات المطالبة بالإصلاح السياسي والاجتماعي الشامل، وتتميز هذه التظاهرات بنكهة خاصة في شمال المغرب، حيث ترتفع الأصوات مطالبة بالحصول على حقوق مثل الحقوق السياسية والثقافية للأمازيغ والبعض الآخر يراهن على إنشاء الأحزاب الجهوية لتقليص هيمنة الرباط.
ويتميز المغرب بثقافات وإثنيات متعددة، حيث تحاول كل منطقة من المناطق أن تصوغ لنفسها أجندة خاصة داخل الأجندة العامة لحركة 20 فبراير المحركة للتظاهرات وهو ما ينعكس جليا في خصوصية بعض المطالب والشعارات بين المدن والأقاليم. فإذا كان الشعار المركزي هو نظام ملكي برلماني ومحاكمة المقربين من الملك بسبب الفساد الذي ارتكبوه، فشعارات أخرى تعطي لكل منطقة شخصيتها السياسية.
ومن ضمن هذه المناطق شمال المغرب، حيث تسجل مدن مثل طنجة وتطوان والعرائش والناضور والحسيمة أكبر التظاهرات في المغرب إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم الساكنة مقارنة مع نسبة المشاركين، علما أن الإعلام الوطني والدولي يركز دائما على المركز، في مدينتي الرباط والدار البيضاء. وعلى غرار باقي مناطق المغرب، فيوم الأحد الماضي، كانت مدن شمال البلاد وبعض القرى الكبيرة مسرحا لتظاهرات ضخمة بل أن مدينة طنجة سجلت أكبر تظاهرة في المغرب شارك فيها عشرات الآلاف من الأشخاص، كما كان العدد هائلا في مدينة تطوان والناضور.
وكانت الشعارات كلها مؤطرة في إطار ‘عدالة حرية وكرامة’، ذلك أن الشمال بسبب تسجيله بعض الظواهر السلبية مثل زراعة المخدرات والهجرة السرية تحول إلى المنطقة التي تشهد أكبر نسبة من الخروقات وفرض الأتاوات من طرف بعض مسؤولي الدولة، ويكون السجن مصير كل من رفع صوته منددا بالفساد وتورط مسؤولين في المخدرات كما حدث مع الناشط المعروف شكيب الخياري الذي أفرج عنه مؤخرا وشارك في تظاهرة تطوان الأحد الماضي. ويؤكد الخياري لجريدة ‘القدس العربي’ ‘حركة 20 فبراير أعطت نفسا للنضال السياسي، ومن ضمن الأهداف في شمال المغرب كباقي مناطقه وضع حد للخروقات الخطيرة في مختلف المجالات، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتحقيق مغرب المسؤولية الحقيقية’. واللافت للنظر هو حضور الأعلام الأمازيغية في التظاهرات في مدن شمال المغرب. وقال صبري وهو طالب إعلام في طنجة وأحد نشطاء حركة 20 فبراير ان نضالات الحركة ‘أعطت بعدا للقضية الأمازيغية من خلال طرحها بشكل مكثف في النقاش الوطني والتأكيد على ضرورة دسترتها كلغة وطنية في الدستور المقبل’، ويرى صديقه عبد الرحيم.
ع ‘كل شيء ممكن من خلال النضال لتحقيق تغيير جذري يمس جميع جوانب الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في المغرب’. ومن مدينة الشاون الأندلسية، نشر مولاي علي الريسوني وهو من علماء المغرب شريط فيدوي في يوتيوب يطالب فيه بدسترة العنصر الأندلسي على غرار الأمازيغي طالما أن الموريسكيين قد أضفوا طابعا خاصا على المغرب ولاسيما شمال المغرب، حيث غذت مدن مثل الشاون وتطوان ذاكرة الموريسكيين.
وفي مدينة تطوان يرى الحقوقي عبد الحميد البجوقي وهو لاجئ سياسي سابق في اسبانيا وكان قد حوكم بثلاثين سنة سجنا بسبب انتفاضة الخبز سنة 1984 ‘الحركية المتواجدة في الشمال تتجه نحو بلورة وعي جهوي قوي قد يتوج بآليات سياسية جديدة في المشهد السياسي المغرب من ضمنها حزب سياسي جهوي. فتاريخيا، شهدت منطقة شمال المغرب تأسيس أحزاب قبل باقي مناطق المغرب وكانت أحزاب جهوية في الأساس’. ويضيف ‘وفي الوقت ذاته، فكل إصلاح سياسي لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الشمال سيكون إصلاحا فاشلا’. وأبلغ محمد سعيد السوسي ‘القدس العربي’ قائلا ‘تعيش تطوان نقاشا سياسيا بين الشباب حول أهمية الحزب الجهوي مستقبلا، بل هناك أشخاص بدأوا بإعداد أرضية للنقاش في هذا الاتجاه’، مبرزا أن ‘القانون يحظر تأسيس أحزاب جهوية، ولكن تطور المجتمع سيجعل هذه القوانين متجاوزة’. ونشرت جريدة ‘هسبريس’ الالكترونية مقالا منذ أيام حول مشروع حزب سياسي في منطقة الريف بعد نقاش استغرق أربع سنوات.
ويعتبر المحامي الحبيب حاجي وهو مسؤول في ‘جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان’ التي تنشط في شمال المغرب أن ‘الوضع الراهن يتطلب الانتقال نحو الأحزاب الجهوية، فلم يشارك برلمانيو مدن شمال المغرب في التظاهرات إلا القلة القليلة، وهذا يعني أن الأحزاب الوطنية لم تعد تقدم الكثير للمناطق، فهي تركز أساسا على المركز أو محور الرباط الدار البيضاء’. والمثير أن بعض صور البرلمانيين الذين ينتمون إلى الأحزاب الوطنية ويشغلون رئاسة بعض البلديات كانت صورهم مرفوعة في بعض التظاهرات إلى جانب صور شخصيات وطنية من ضمنها مقربون للملك ضمن صور المسؤولين عن الفساد.
وبهذا تأتي حركية 20 فبراير لتدفع نشطاء شمال المغرب نحو استعادة مميزات المنطقة ومن ضمنها تأسيس أحزاب جهوية، حركية تضع ما يسمى بالمخزن المغربي في موقف صعب طالما أن توظيف ‘الوحدة الوطنية’ كفزاعة للتخويف والردع لم يعد صالحا أمام موجة الوعي السياسي والجرأة المترتبة عن 20 فبراير.