اسحق ليئوراذا نشبت حرب فلن يتحدث أحد عن موجة الغلاء، لكن حتى من غير حرب يتحطم وهم ان يكون بقي شيء ما من الاحتجاج. بل جف عزاء ‘تغير الخطاب’، برغم ان الاحتجاج بدا للحظة أكثر من رد لمرة واحدة على أضرار الرأسمالية وكأنه نشأت حركة زادت قوتها ووعدت بتحويلنا الى شيء مختلف.كان هناك من شكوا. وقد علمتنا التجربة التاريخية انه يجب علينا ان نبت أمر من الذي ينتمي ومن الذي لا ينتمي إلينا ‘جميعا معا’. وأصروا في وسائل الاعلام على تحديد الحريديين باعتبارهم أعداءا، وهذا وصفة مجربة لترويض العُصاة، وقد صمد هؤلاء خصوصا للتحريض، ومن جهة ثانية لم يبذلوا جهدا لاشراك الشرقيين في الشارع المحتج لكسر هذا التتابع المضاعف للهيمنة القديمة. ومفهوم ان لا أحد اجتهد لجذب العرب الى دائرة الاحتجاج، لكن الموجة أخذت تقوى.حينما لوحظت صلة ما بين انخفاض ميزانيات النشر والاحتجاج، استقر رأي القنوات التجارية على أنه يكفي، وعلى أنه لن يكون تضخيم لـ ‘البث الحي’، وارتبنا نحن: فلم يكن كل ذلك الشأن سوى نتيجة موسم خيار في وسائل الاعلام في العام الماضي، وبرنامجا واقعيا يصور شعب اسرائيل مرة بعد اخرى بأنه مستهلك دهن مؤقت.واذا كان من الممكن حقا رفع اسعار الغذاء والوقود وضريبة القيمة المضافة بهذه السهولة من غير ان يكون للخوف من الشارع أي دور، فمن الواضح ان الرعب الذي أصاب السلطة قد تلاشى وان الاحتجاج قد مات.وبرغم ذلك لا يجوز النظر الى تلك الموجة الكبيرة وكأنها لم تكن سوى رشاش ماء. ولا يجوز الغاء الواقعة وكأنه لا يمكن ان تكون لها استمرارية. ان تفسير اللحظات التاريخية هو أداة السلطة (أو المعارضة) وما يحدث بعد ذلك فقط هو الذي يحدد معنى الصيف الماضي. لا يجوز ان تلد موجة الغلاء الحالية خوفا من العجز يزيد العجز فقط. ولا يمكن ان يقطف يئير لبيد الثمار ثم لا تنكشف عورته.ان المجتمع السياسي ولبيد الثاني هو مثال ممتاز قادر على تحطيم كل احتجاج لأن المجتمع السياسي وحيد ليس عنه بديل في المجتمع المدني. وليس لنا ولم يكن لنا مجتمع مدني قط، ومن هنا تأتي السلبية الاسرائيلية. ان النجاح النسبي لـ ‘احتجاج التساوي في العبء’ هو شهادة على نجاح السلبية باعتبارها ايديولوجية: فهم يصفرون ونجري نحو صفير الدولة ونصفر معها (‘شعب واحد، تجنيد واحد’). تسهل السخرية من سلبية عجائز مغربيات. لكن كل طيار احتياط سلبي بنفس القدر على الأقل (هل رأيتم طياري احتياط يحتجون على الحرب في ايران من خارج أحاديث الصالون؟).نشأ المجتمع الاسرائيلي على يد مجتمع سياسي في مسار معاكس لمسار الديمقراطيات الاخرى ومنها بلدان الهجرة. ولهذا فان الاسرائيليين من أكثر الشعوب سلبية. فقد ترعرعوا في داخل بنى سياسية (ولغوية) قائمة وليسوا قادرين على اعتقاد أنهم مجموع بل يفكرون بمصطلحات الدولة. ومن هنا يأتي ايضا عدم القدرة على العمل في نفس الوقت في اماكن ليست مركزا والامتناع عن تفكير في السيطرة البلدية على بلدية وبلدة اخرى ومدينة اخرى. ومن هنا يأتي الشوق الى ‘جادة روتشيلد’، وعدم القدرة على انشاء قوة مُفرقة بدل الاجتماع أمام مكاتب الحكومة أو السير في مسيرات الى القدس وكأن الطريقة يتم تغييرها على هذا النحو.انتصرت الفاعلية للحظة في الصيف الماضي وبعد ذلك عادت السلبية للرقود أمام التلفاز والحاسوب للثرثرة في الغلاء. ومع كل ذلك فان هذه السلبية يجب ان تتبخر وان يستمر الغضب بسبب ما بقي من سند الأجرة البائس اذا بقي سند كهذا يحل محلها. نظموا أنفسكم!.هآرتس 3/9/2012