الاحتفاء الرمزي بالأب في «والد وما ولد»

حجم الخط
0

1 ـ أفترض أن «والد وما ولد» (1) تعيد من جديد، ومن منظور مغاير، كتابة هذه العلاقة الملتبسة الإشكالية بين الابن وأبيه؛ وهي علاقة طرحها الأدب في وقتٍ مبكرٍ من تاريخه، وبقيت إلى اليوم من الموضوعات المركزية التي تشغل الأدباء والكتّاب؛ كما أنها العلاقة التي توليها العلوم الحديثة والمعاصرة ، والعلوم النفسية خاصة، اهتمامـًا كبيرًا.
2 ـ أَقْدَمُ عملٍ أدبي نالَ الكثيرَ من الاهتمام، من قبل الأدباء والنقاد والعلماء، هو المسرحية الشهيرة: «أوديب الملك» للمؤلِّـف التراجيدي الإغريقي سوفوكل (495 ـ 405 ق.م)؛ وذلك لأنها جعلت من العلاقة بين الابن والأب موضوعها المركزي: في البداية نحن أمام أبٍ يكره ابنه حتى قبل أن يولد بسبب نبوءة المنجمين، وفي النهاية نحن أمام ابنٍ يقتل أباه، ولن يعرف بأن المقتول هو أبوه إلا بعد فوات الأوان.
وستبقى علاقة الابن بأبيه حاضرة في العديد من الأعمال الأدبية الكبرى، وخاصة في العصور الحديثة (شكسبير، جورج باتاي، كافكا، أنطوان أرتو، سارتر..)، وقد يكفينا في هذا المقام أن نستحضر رواية مشهورة نرى أنها من الأعمال التي كرست الصورة التي شيدتها مسرحية سوفوكل عن العلاقة بين الابن والأب: رواية «الإخوة كارامازوف» التي أصدرها الكاتب الروسي دويستوفسكي أواخر القرن التاسع عشر، وتميزت بالصراع المرير بين الأب وابنه البكر، وبمقتل الأب على يد ابنه الآخر غير الشرعي.
وانطلاقا من هذين العملين (أوديب الملك، الإخوة كارامازوف) تكرست صورة معينة عن علاقة الابن بأبيه، وصارت العلاقة كأنها لا يمكن أن تتأسس إلا على أساس التوتر والصراع، لأن كل طرف من الطرفين، كل ذاتية من الذاتيتين ترغب، عن وعي أو لاوعي، في الشيء نفسه (الأم / المرأة). وهذا المعطى هو الذي استمده التحليل النفسي (أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع فرويد أساسا) من هذه الأعمال الأدبية، وعلى أساسه بنى مفهومه المركزي (مُـرَكَّـب أوديب / عقدة أوديب) الذي بواسطته قرأ الإنسان قراءة نفسانية، وشيَّد تصورا نفسانيـا عن الذات الإنسانية انطلاقا من علاقاتها الأساس داخل الثالوث الأوديبي: ابن / أم / أب.
3 ـ في أدبنا المغربي الحديث والمعاصر، يمكن أن نلاحظ وجود ثلاث صور مركزية عن العلاقة بين الابن وأبيه:
أ ـ لاشك أن الرواية السيرة الذاتية التي لفتت الأنظار، وتعرضت للمنع أحيانا، وكان لها حضور خاص في أكثر من لغة، هي «الخبز الحافي» لمحمد شكري، التي ركزت على علاقة الصراع العنيف بين الابن والأب، وهو صراع لم يكن يخلو من القتل الرمزي للأب: «يضربني ويلعنني جهراً. أضربه وألعنه في خيالي. لولا الـــخـيـال لانفجرت».
ب ـ وهناك أعمال روائية ـ أوتوبيوغرافية لا وجود فيها للأب (موت مبكر للأب / ابن يتيم الأب)، وقد يكون ذلك مبررا ليتحول العمل الروائي ـ الأوتوبيوغرافي إلى محكي بحثٍ عن أبٍ رمزيٍّ بديلٍ، كما هو الأمر ـ في افتراضنا ـ في أول عملٍ سردي عرفه أدبنا الحديث: «الزاوية» الصادرة سنة 1942 للتهامي الوزاني؛ وقد يكون ذلك مبررًا ليمارس العمل السردي نوعًا من النفي الرمزي للأب حتى يفسح المجال للاحتفاء بالأم، كما في رواية «لعبة النسيان» الصادرة سنة 1987 للناقد المغربي محمد برادة؛ وقد تقوم هذه العلاقة على صراع مرير بين الابن وأبيه.
ج ـ لكن بالمقابل هناك أعمال روائية وأوتوبيوغرافية مغربية حديثة تقدِّم صورة معاكسة عن العلاقة بين الابن وأبيه: يمكن أن أستحضر هنا أعمال عبد الله العروي، وخاصة «اليتيم» الصادرة سنة 1978: هي رواية لا تقتل الأب قتلا رمزيا، بل هي تعبِّر عن الحنين إلى ذلك الأب المثاليِّ المفقود، ذلك الصديق الوحيد العطوف الوديع؛ وهي رواية تحتفي بالأبوة في صورتيها: إدريس الابن في علاقته بأبيه الذي توفي وابنه في مسيس الحاجة إليه، وإدريس الأب في علاقته بابنه الذي مات بعد أيام قليلة من ميلاده.
ونفترض أن «والد وما ولد» للأستاذ أحمد التوفيق (الطبعة الأولى سنة 2009، والثانية سنة 2011، وهذه الأخيرة هي المعتمدة هنا) تنتمي إلى هذا النوع الثالث الذي يتميز بنوع من الاحتفاء الرمزي بالأب: فنحن أمام عملٍ هو ـ مثل أغلب الأعمال السردية المغربية ـ عمل روائي ـ أوتوبيوغرافي يكشف أن العلاقة ليست بالغرابة المقلقة التي تسود بعض الأعمال السردية الكبرى، فالصراع أو العنف أو القتل ليس هو قَـدَر هذه العلاقة في كل زمانٍ ومكان، كما تحاول علوم النفس أن تقنعنا بذلك مستندةً إلى تلك الأعمال الأدبية، بل إن هذه العلاقة بين الابن وأبيه يمكن أن تكون عجيبةً مدهشةً تقتضي إعادة النظر في الصورة أو الصور السلبية المكرسة عن هذه العلاقة.
قد نفترض أن القادمين من حقل الفكر والتاريخ (العروي، التوفيق) يمارسون نوعا من الإحياء الرمزي للأب، في حين أن القادمين من الأدب والنقد الأدبي يمارسون نوعًا من القتل الرمزي للأب (شكري، برادة). وقد نفترض أن الأدب المغربي خاصة والعربي عامة قد بدأ يعيد الاعتبار للأب، وخاصة في الأعمال التي صدرت في هذه البدايات من الألفية الثالثة: من المغرب، يمكن أن أستحضر «حفريات في الذاكرة، من بعيد» (2004) للمفكر المغربي المرحوم محمد عابد الجابري؛ ومن الشرق العربي، يمكن أن أستحضر رواية الشاعر اللبناني عبده وازن: «غرفة أبي» الصادرة سنة 2013؛ وتحيل هذه الأخيرة على تراث أدبي يتميز بهذا الاحتفاء / الإحياء الرمزي للأب: في صدارة هذه الرواية قولة للشاعر الروائي الألماني نوفاليس: «لا يشعر الفتى بالأمان إلا في غرفة أبيه». لكن الاحتفاء بالعلاقة الحميمية بين الأب وابنه قد تحيل بالطبع على تراث أقدم من كل ذلك، ويمكن أن نستحضر قصة النبي يوسف وعلاقته بأبيه: وأفترض أن نص أحمد التوفيق لا ينتمي إلا إلى هذه السلالة العريقة الأصيلة من النصوص القصصية الدينية التي تحتفي بالأب رمزيا، ولهذا ليس غريبا أن يحضر النص القرآني في المؤلَّـف بدءًا من عنوانه ووصولا إلى لغته وأسلوبه وطريقته في القصِّ والحكي..
4 ـ وباختصارٍ شديدٍ، سنحاول استجلاء بعض خصائص هذا النوع من المحكي، محكي الاحتفاء بالأبوة، محكي الإحياء الرمزي للأب، في مؤلّف الأستاذ أحمد التوفيق:
4 ـ 1 ـ بنية المؤلَّف: يتألف المؤلَّف من محكيين رئيسين مختلفين:
أ ـ محكي نظري (ميتاسردي) حاضر في محطتين مهمتين من المؤلَّف: في بدايته ونهايته.
ـ في البداية نكون أمام عتبتين تتصدران المحكي:
* الأولى بعنوان: «حول العنوان»، وهي عبارة عن محكي نظري يدور حول عنوان المؤلَّـف، أي أنه يحكي لنا سيرورة ميلاد العنوان، فيوضح الكاتب أن العنوان كان في البداية: «طفولة في سفح الظل»، لكنه سيتحول في النهاية إلى عنوان فرعي، ذلك لأن الكاتب قد استوعب مع توالي الأيام أن «الأب» لابد أن يكون حاضرًا في العنوان المركزي للمؤلَّف، لأن «.. الذي تدخل، بوسم قوي وتأثير حاسم، في تشكيل شخصية الولد الذي كنته ثم الرجل الذي صرته، ليست هي البيئة الطبيعية، وإنما هي رعاية والدي ومعاملته لي… كان ينحني عليَّ بحنوه، مدفوعا برياح عواطفه الأبوية الجامحة… ويكفي الوالد فخرًا أن ولده لم يُـعيَّر بشيء إلا وله سبب ظاهر أو خفي بأثر ذلك الخفض الكريم للجناح. وأجمل ما يواسي، بهذا الصدد، اقتباس عنوان لهذه الذكريات، من إقسام الحق بوالد وما ولد، عند ذكر خلق الإنسان في كبد» ( ص5).
* الثانية بعنوان: «تشريح النص» وهو محكي نظري يدور في البداية حول الكاتب نفسه، ولكن في الوقت الحاضر، أو الأصح وقت أن قرر الكتابة عن ماضيه، ومرحلة الصبا بالأساس، فهو لم يكتب النص إلا بعد أن تجاوز عامه الستين: هل نقول بعد أن صار هو نفسه والدًا وخَبَرَ معنى الأبوة؟
وهو محكي نقدي (تشريح النص؟) موضوعه هو المؤلَّف نفسه، موضحـا أن الأمر يتعلق بــ « ..وقائع علقت في ذهن الحاكي بحسب تتابعها في الزمن وتداعياتها، مع الحرص على ذكر سياق تلك الوقائع» (ص 7)؛ وأنَّ السياق الأول يتعلق بالسنوات الأولى من طفولته، وهي مما يتذكر أنه حُكيَ له، وليست من ذكرياته؛ وأما الذكريات ـ التي ستنتهي بانتقال الحاكي من القرية إلى المدينة دجنبر 1955 ـ فقد تكون ممزوجة بأحكام الحاكي وتفسيراته، بحكم السن أو الفهم أو التصور؛ وقد يحدث أحيانا اللجوء إلى بعض الشهود من الجيل السابق.
وفي هذا المحكي النقدي، يوضح الكاتب أن الموجه الرئيسي لهذه الذكريات والحاسم في اختيارها هو «الوقع الذي تركته مستدامـًا في إحساس الحاكي الذي عاشها، فهناك تشوف إلى تصوير الحياة بمختلف مكوناتها، وهنالك حرص على الخيط الرابط الذي تشكله العلاقة بين الوالد وولده، وهنالك حرص على الحفر عما يمكن أن يكون تأثير تلك الوقائع في تشكيل شخصيته الأولى أو تقعيدها «( ص 7 ـ 8).
ـ في النهاية، هناك محكي نظري يدور حول المصير الذي آل إليه فضاء الذكريات. وينتهي الكتاب بصورة للوالد قبل وفاته بعامين، وبِـمِـبْـيَـانٍ يقدم معطيات عديدة حول الفضاء / القرية التي ينتسب إليها الكاتب.
ب ـ محكي تخييلي: قد لا نشك في أن هذه الذكريات والوقائع تتعلق فعلا بحياة الكاتب نفسه، وهو ما قد يسمح بأن نعتبر هذا المؤلَّف من جنس الأوتوبيوغرافيا (السيرة الذاتية)؛ لكن أن يختار الكاتب نفسه أن تُحكى هذه الذكريات والوقائع الذاتية بضمير الغائب أمرٌ يجعلنا لا نقصي عنصر التخييل، وأن نعتبر المؤلَّف من جنس الرواية. ولا غرابة في الأمر ربما، ليس لأن هناك أوتوبيوغرافيات كثيرة مسرودة بضمير الغائب، بل لأن أهم ما يميز الكتابة السردية المستحدثة بالأدب المغربي هو هذا الزواج بين الأوتوبيوغرافي والروائي، والأمثلة كثيرة، وقد ذكرنا بعضها سابقا.
4 ـ 2 ـ تقدير وظيفة الأبوة: يركز السارد على لحظة الانفصال عن الأم ومواجهة العالم تحت رعاية الأب، وذلك من أجل أن يرفع من قيمة الوظيفة الأبوية، وأن يوضح الابن أن أباه شديد الاختلاف عن الآباء الآخرين: يكفي أن نذكر أن الولد هو الوحيد من بين أولاد بلدته الذي يصاحبه والده أينما حل، ويجعله يجالس رجال القرية على غير العادة الجارية.
4 ـ 3 ـ لغة السرد والكتابة: أهم ما يميز عمل أحمد التوفيق هو لغته التي تتغذى من الفصاحة والبلاغة الكلاسيكيتين، وهو ما قد لا نجده في الأعمال الروائية والأوتوبيوغرافية التي تحتفي بالأم، إلى حد يجعلنا نتساءل: هل يمكن أن نتحدث عن الانتساب إلى التراث اللغوي الأدبي الكلاسيكي في الأعمال التي تحتفي بالأب، وأن نتحدث عن الانتساب إلى لغة التراث اليومي العامي في الأعمال التي تحتفي بالأم وتقتل الأب رمزيا؟
الهوامش:
1 ـ أحمد التوفيق: والد وما ولد، المركز الثقافي العربي، بيروت البيضاء، ط.1، 2009، ط.2، 2011.
[email protected]

حسن المودن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية