من مظاهرات عيد العمال في فرنسا
ارتبط عيد العمال غالباً بأحداث سياسية كبرى، واعتبر دائماً عيداً «خطيراً» ليس فقط بسبب أعمال العنف والشغب، التي رافقته في كثير من الأحيان، بل أساساً لما شكّله العمل من قوة سياسية، صعُبت السيطرة عليها في القرنين الماضيين. أغلبية دول العالم حاولت إدراج العيد ضمن بنيانها الأساسي، وجعله مناسبة رسمية تتم تحت رعايتها، كي يصبح العمل، على المستوى الرمزي، من قوى الدولة وأحد دعائمها الأهم، وليس قوة مضادة أو تخريبية للنظام السياسي. وهي محاولة تفاوتت مستويات نجاحها، فحتى الدول الاشتراكية السابقة لم تستطع تطويع قوة العمل تماماً، رغم أنها وصفت نفسها رسمياً بـ«الدول العمّالية» وكان لاحتجاجات العمال دور كبير في زعزعتها، من انتفاضة عام 1953 في ألمانيا الشرقية، وحتى دور نقابة «تضامن» في إسقاط النظام الحاكم في بولندا.
اكتسبت الطبقة العاملة آنذاك قوتها السياسية من كونها ممثلة الـ«Labour» (بالإنكليزية البريطانية) وليس مجرد الـ«Work» وعلى الرغم من صعوبة نقل الفرق بين المفهومين للغة العربية، إلا أن المفهوم الأول يستعمل للدلالة على الجهد البدني والعقلي والاجتماعي الأساسي في كل العمليات الإنتاجية، ضمن المنظومة الاجتماعية والاقتصادية القائمة، الذي تبذله طبقة تُعرّف نفسها بالعمل، لا بالملكية أو الاستهلاك؛ فيما يشير المفهوم الثاني إلى أي عمل قد يقوم به الإنسان، وضمن أي سياق أو وضع طبقي. وبالتالي فإن القوة الاحتجاجية للطبقة العاملة لم تنبع بالضرورة من تعرّضها لظروف سيئة، مثل الفقر والتهميش، وإنما لإدراكها أهمية دورها في كامل العمليات الاجتماعية، ومطالبتها بمشاركة في السلطة، مساوية لتلك الأهمية.
قوة العمل هذه تراجعت منذ سبعينيات القرن الماضي، مع نزع التصنيع في الدول الغربية، واضمحلال النقابات الكبرى، وتطوّر القطاعين الخدمي والتكنولوجي، وبالتدريج لم تعد أعياد العمال مناسبة لاستعراض الأهمية السياسية للطبقة العاملة، بقدر ما باتت تقليداً اجتماعياً متوارثاً، تحاول بعض القوى السياسية الراديكالية استغلاله، لإبراز نفسها وطرح شعاراتها. وفي مواجهة محاولات افتعال الفوضى سعى عدد من البلديات في الدول الغربية، مثل بلدية العاصمة الألمانية برلين، إلى تحويل العيد لما يشبه الاحتفال الربيعي، الذي يلتقي فيه الناس للتسلية والرقص والاستماع للموسيقى، تحت إشراف شركات منظِّمة متعاقدة مع السلطات، الأمر الذي يذكّر بتحويل المعامل القديمة إلى «ورشات فنية» أو نوادٍ ليلية. عمليات الانتقال من «العمل» وطبقته إلى «الثقافة» وتنوّعها طبعت معظم الدول الغربية خلال العقود الماضية، وهكذا كاد عيد العمال يصير مناسبة ثقافية، إلا أن شيئاً ما تغيّر في السنوات الأخيرة، خاصة في أوروبا، التي يبدو أن معظم الناس فيها لم يعد يملك مزاجاً للرقص في عيد العمّال، إذ خرجت في فرنسا العام الحالي «أكبر مظاهرة في تاريخ عيد العمال في البلد» بحسب تصريحات صوفي بينيه الأمينة العامة للاتحاد العمالي العام الفرنسي. فهل عاد العمل على حساب الثقافة؟ أو بالأصح: أي دلالة سياسية ورمزية لعيد العمال في أيامنا؟
«الاعتراف» بالعمل
انخفاض أهمية مفهوم «العمل» في العموم، في الفكر السياسي والاجتماعي الغربي، لم يكن مجرد انعكاس ميكانيكي لنزع التصنيع منذ أواخر السبعينيات، فقط أدت التطورات الصناعية والإنتاجية في الدول الغربية إلى بروز أنماط جديدة من العمل والعمّال، الذين استمروا في لعب الدور الأساسي في عملية الإنتاج الاجتماعي، إلا أن تحولاً على المستوى الأيديولوجي/الثقافي لعب الدور الحاسم في تغيّر المنظور السياسي السائد، وهو اعتبار المسألة الاجتماعية قضية «إعادة توزيع» للثروة العامة، وليست جانباً من «عملية إنتاج» يتوزّع الأفراد والجماعات حسب موقعهم فيها، بمعنى أن الأفراد باتوا يصنّفون حسب مستوى دخلهم وقدرتهم على الاستهلاك، ضمن منظومة تفترض نظرياً إمكانية ترقي الفرد، بناء على اجتهاده الشخصي وتطويره لذاته، وبالتالي بات مفهوم «العدالة الاجتماعية» يعني أساساً إزالة كل العوائق المبدئية، التي يمكن أن تحرم الأفراد من المساواة في فرص الترقي، وعلى رأسها عوائق العرق والجنس والانتماء الديني. تتضافر مصلحة المجتمع ككل، من رجال الأعمال الكبار وحتى أصغر المستخدمين، في إنتاج الثروة والازدهار اللامحدود، ولذلك فإن إعادة توزيع الثروة بشكل أكثر عدالة مهمة ضرورية لضمان استمرارية الازدهار، عبر محاربة ظواهر الفقر المدقع، وتنمية المناطق والأحياء المهمّشة، ومكافحة العنصرية والتمييز. وربما كان هذا هو الأساس الفعلي للحديث عن بروز «فئات جديدة» ذات هموم وقضايا مختلفة عن الطبقة العاملة، مثل النساء والمهاجرين وأبناء الأقليات؛ وكذلك كل الجدل عن «سياسات الهوية». المفاهيم الأهم ضمن هذا المنظور هي «الاعتراف» و»إعادة التوزيع» أي منح التقدير والتفهّم للحضور الاجتماعي والخصوصية الذاتية لكل فئة أو جماعة هوية؛ وإعطائها بالتالي نصيباً من الثروة العامة؛ ودار النقاش، طيلة السنوات الماضية، حول أي من المفهومين أكثر أولوية، «الاعتراف» أم «إعادة التوزيع»؟ وكان هذا محور جدل شهير بين المفكرّة الأمريكية نانسي فريزر والفيلسوف الألماني أكسيل هونيث، الذي يُعتبر من أهم المناظرات الفلسفية في العقود الماضية.
في الفترة التي اقترب فيها عيد العمال من التحوّل إلى مناسبة «ثقافية» كان في الإمكان رصد كثير من الباحثين عن «الاعتراف» في احتفالاته الراقصة.. اليوم يبدو المتظاهرون في شوارع المدن الأوروبية متشابهين أكثر، وملامحهم شديدة التقارب، على اختلاف هوياتهم.
يخالف هذا المنظور القديم لـ«الإنتاج» بوصفه قائماً على تناقض أساسي بين العمل (الاجتماعي) والملكية (الفردية) ما يجعل مصالح العمّال وأرباب العمل غير متناغمة، وكل مكسب يناله العاملون بأجر مُنتزع بالضرورة من مُشغليّهم. وهكذا فالثروة العامة ليست مجموع مبادرات وجهود فردية، تعمل بتناغم بفضل قواعد السوق، بل نتيجة استغلال وفائض قيمة يُنتزع من العمال. هذا المنظور القائم على التناقض، وليس التناغم، كان خليطاً سياسياً وثقافياً انفجارياً، جعل «الطبقة» مفهوماً مركزياً في كل بحث سياسي، وأكسب أبناءها سمات ثقافية متشابهة، قائمة على التضامن والبحث عن المشترك، وليس «الاختلاف» وهو ما انعكس بصورة وعي طبقي متقدّم، أدرك بفضله العمّال أن في إمكانهم تعطيل الإنتاج والخدمات العامة، أي إيقاف الحياة نفسها، لنصرة مصالحهم بوصفهم طبقة، دون الاهتمام بأحاديث عائمة عن «الازدهار» وآليات السوق.
في الفترة التي اقترب فيها عيد العمال من التحوّل إلى مناسبة «ثقافية» كان في الإمكان رصد كثير من الباحثين عن «الاعتراف» في احتفالاته الراقصة.. اليوم يبدو المتظاهرون في شوارع المدن الأوروبية متشابهين أكثر، وملامحهم شديدة التقارب، على اختلاف هوياتهم.
حدود «الثقافة»
ما يجعل المتظاهرين الأوروبيين الحاليين متشابهين، ليست سماتهم العرقية، أو أنواعهم الجندرية وميولهم الجنسية، بل اكتشافهم من جديد نمطاً من الحق، لا يمكن تحصيله عبر «الاعتراف» الهوياتي أو «إعادة التوزيع» بل ينبني على أساس فهم الاستغلال الشامل للعمل: يكدح البشر لسنوات طويلة، ويبذلون كل طاقتهم لـ»تطوير الذات» و»التقدّم المهني» وفي النهاية لا ينالون إلا مزيداً من الإفقار، وفقداناً للحقوق الاجتماعية، ليصلوا إلى سن الشيخوخة دون تأمينات اجتماعية تحفظ كرامتهم. ربما كان يجب أن نعيش أزمات مثل التضخّم، وارتفاع أسعار الطاقة، والبطالة التي أدى إليها تفشي وباء كورونا، كي يدرك الناس أن كل أزمة اقتصادية/اجتماعية تؤدي فعلياً إلى «إعادة توزيع الثروة» لكن نحو الأعلى، أي مزيد من إفقار جماهير واسعة من العاملين بأجر، لحساب استمرار «الازدهار» الذي لا تستفيد منه في المحصلة إلا كيانات عملاقة، تنتزع من البشر مدخراتهم، ضرائبهم، ومساهماتهم في صناديق الرعاية الاجتماعية والتقاعد، أي الملكية العامة، التي نمت وازدهرت بفضل عملهم.
ربما بات البشر مجبرين على معرفة حدود الإسهام النظري الثقافوي في حياتهم، لإعادة فهم التراكم الرأسمالي الحالي، بوصفه نزع ملكية طرف اجتماعي، ومنحها لطرف آخر، لن يؤدي «اعترافه» إلى تحسين الظروف الفعلية لملايين العمّال المُفقرين؛ أما ميله لـ»إعادة التوزيع» فلن يوصل لأكثر من مشروعات تنموية خلّبية، وبعض البلاغة الثقافية عن «التمكين» التي تنشرها المؤسسات الإعلامية الكبرى والمنظمات «غير الحكومية».
العمّال الجدد
يعمل جيل كامل في عصرنا ضمن شروط شديدة السوء ومنعدمة الاستقرار، وربما فقد كثير من أبنائه الأمل في تحقيق طموحاتهم، واقتناص الفرص، التي قيل إن المنظومة «المنفتحة على العالم» توفرها. هؤلاء هم العمّال الجدد، الذي اتخموا سابقاً بـ»اعتراف» غير مجدٍ، ويشكّلون اليوم جمهور الدعوات النقابية للتظاهر، في معركة اجتماعية مفتوحة مع السلطات القائمة، وبهذا يمكن تفسير عودة النقابات الأوروبية، التي فقدت صدارتها الاجتماعية منذ عقود، فبعد أن كانت تحاول التأقلم مع «الفئات الجديدة» بإفراد مساحات واسعة لـ»التنوّع» في بناها التنظيمية، ترجع اليوم لتطرح نفسها ممثلةً لهموم «العمل» أي لـ«المشترك». وصوتاً لملايين البشر المتشابهين في معاناتهم الاجتماعية.
بهذا المعنى فعيد العمال يمكن أن يكون عيداً ثقافياً بالتأكيد، لكن ليس «الثقافة» بمعناها شديد السطحية، الذي تم تعميمه مع العولمة، بل ثقافة أخرى، تنبني على إنتاج الدلالات المفهومة للعموم، وليست المخصصة لهويات تخشى كل لغة مشتركة و»العمومية» كانت عبر التاريخ مرادفاً للديمقراطية.
كاتب سوري