الاحتلال يحاول حسم الصراع على السيادة الأمنية والإدارية في المسجد الأقصى لصالحه

سعيد أبو معلا
حجم الخط
2

القدس – “القدس العربي”:

يدور نقاش فلسطيني ومقدسي، وغالبا لا يظهر للعلن، حول ما يجب القيام به في ظل اقتحامات المستوطنين اليومية. هذا النقاش بدأ قبل شهر رمضان وتكثف مع بدايته، حيث تصاعدت الاعتداءات الاحتلالية على الفلسطينيين والمصلين في المسجد الأقصى وساحة باب العامود.

وليس من الجديد القول إن هناك وجهة نظر فلسطينية تتبنى فكرة أنه لا يجب على الفلسطينيين التصرف بكل ما يستفز الجنود والمقتحمين، كما لا يفترض التصرف بكل ما من شأنه أن يقود للتصعيد. وهؤلاء يرون أن الأسلم كي يستمر الهدوء ألا يبادر أي من الشبان إلى ما “يمنح الفرصة للاحتلال كي يمارس بطشه واعتداءاته”.

فجر اليوم السادس عشر من رمضان كان الرد من مجموعة من الشبان المعتكفين ممن يرون أن الواجب وكل الواجب من أجل حماية الأقصى من اعتداءات المستوطنين المتطرفين الوقوف في وجه هذه الاقتحامات، وهذا لا يكون من خلال التواجد الفلسطيني فقط الذي أصبح مهددا خلال الأسبوع الحالي حيث يحيي اليهود أعيادهم الدينية التي تعرف بأسبوع عيد الفصح. الجديد أن عددا من الشبان قاموا في ساعات متأخرة من الليل بوضع حواجز ومعيقات حجرية وإنشائية في طريق اقتحام المستوطنين المعتاد للمسجد الأقصى.

ويرى أكثر من ناشط مقدسي تحدثت معهم “القدس العربي” أن الوقوف في وجه الاقتحامات لا يعد تصعيدا من الفلسطينيين إنما هو رد فعل طبيعي على سلوك الاحتلال وهمجيته التي كانت الأشد فجر الجمعة الثانية من رمضان حيث نفذ الجنود الاقتحام الأكبر دون أن يكون هناك ما يدفعهم لتنفيذه.

مواجهة الاقتحامات لا تعد تصعيدا من الفلسطينيين إنما هو رد فعل طبيعي على سلوك إسرائيل

كان الأمر تعبيرا وتنفيذا لخطة محددة مسبقا بهدف إخلاء المسجد الأقصى وتقليص أعداد المتواجدين فيه حسب أكثر من مسؤول مقدسي. وحتى اللحظة ما يزل جرحى من حراس المسجد الأقصى ومصلين على أسرة الشفاء في المستشفيات المقدسية ومن هؤلاء الحارس حسام سدر الذي يعرفه ضباط الحواجز الاحتلالية على مداخل وأبواب المسجد. الحارس سدر المصاب بكسر في الجمجمة وفي العين بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط يتحدث عن سبب ما أصابه فيقول: “قدمت لمساعدة مرابط تعرض للضرب من جنود الاحتلال كان ممددا على الأرض، فما كان من الضابط أن طلب من الجنود مهاجمتي بالاسم، وهو ما عرضني لإصابة في عيني، كما قاموا بدعسي والخبط على رأسي حيث أصبت بكسر بالجمجمة”. أمام سدر كما غيره من الجرحى فحوصات كثيرة ليطمئن على عينه التي كاد أن يفقدها.

الاحتلال يعمد إلى القنص

في الصور التي وثقتها كاميرات النشطاء صباح اليوم الأحد مقدسي يقف برفقة ابنه الصغير جانبا لكن الجنود الذين لا يبدون متوترين إنما تحركهم قرارات سياسية وأمنية هجموا عليه بالعصي والهراوات. المرابط أنس عبد الفتاح الذي كان موجودا في اقتحام الفترة الصباحية للمسجد الأقصى وصف ما جرى بأنه محاولة لنشر الرعب في صفوف المصلين، والهدف تقليل أعداد المعتكفين وهو أمر نجح الاحتلال به عبر الاعتداء والضرب ورش الغاز والقاء القنابل الصوتية بهدف الردع. وأكد أن الاحتلال عمد إلى سياسة القنص عبر جنود يتواجدون على أسطح المسجد القبلي من خلال فتحات في النوافذ التي كسرت فجر الجمعة الماضية.

وبعد أكثر من ثلاث ساعات على اقتحام المسجد الأقصى المبارك صباح اليوم عاد الهدوء إلى المكان الذي يكشف تماما من هي الجهة التي تجلب معها التصعيد والتوتر والاشتباكات الدموية.

وجلس المقدسيون والحراس وأعضاء فرق الإسعاف يلقطون أنفاسهم في الساحة العامرة والرحبة يستعيدون تفاصيل ما جرى. حيث أخذوا يطمئنون على سلامة بعضهم البعض وبسرد حقيقة ما جرى.

وحسب الباحث المقدسي زياد ابحيص فإن مئات المعتكفين قاموا خلال ساعات الليل بإغلاق مسار المقتحمين في الساحة الشرقية بالمخلفات والردم في محاولة لمنع قوات الاحتلال إخراجه.

ويقول: “منعت قوات الاحتلال دخول الأقصى لمن هو دون 40 عاماً، وأغلقت معظم مداخل البلدة القديمة، لكن في المحصلة تمكن نحو 2,000 مرابط من البقاء في الأقصى”.

ويشير الى أن القوات الإسرائيلية نفذت اقتحامها للمسجد الأقصى بأعداد كبيرة في الساعة السابعة، وفوجئت بإغلاق الساحة الشرقية بالردم، واضطرت لتأخير الاقتحام لأكثر من نصف ساعة، حيث أكملت مجموعات قليلة من المقتحمين من إكمال مسارها المعتاد، فيما اضطرت شرطة الاحتلال لتعديل المسار ليبدأ من منطقة شمال “سبيل الكأس” وصولاً لقرب “مصلى باب الرحمة” والعودة في الاتجاه نفسه، وعدلت طريق من تعتبرهم “السياح” ليقتصر اقتحامهم على 60 متراً من باب المغاربة إلى باب السلسلة فقط.

ويسرد بحيص تفاصيل ما جرى صباحا حيث حافظ الشباب المرابطون في المسجد القبلي على مواقعهم وأغلقوا مدخل عيادة الأقصى وأطلقوا المفرقعات أمام القبلي بشكل مستمر طوال ثلاث ساعات، وهو ما اضطر المقتحمين للدخول من شمال سبيل الكأس، وفشلت محاولات الاحتلال في اقتحام المسجد عليهم.

وتحدثت قوات الاحتلال عن قيام شباب مقدسي برشق الحافلات التي تنقل المستوطنين بالحجارة في وادي الجوز وباب الأسباط، وحصلت مواجهات كر وفر عند باب حطة أيضا وهو أمر يراه ابحيص الفعل الذي هدف إلى تخفيف الضغط على المعتكفين المحاصرين.

وحسب الأوقاف فإن مقتحمي الأقصى بلغوا 545 فيما أعلنت الصحافة الإسرائيلية عن 728 مقتحماً نقلتهم حافلات منظمة وبمرافقة حراسات مشددة لكن المرابطين والمتابعين يعلمون بأنه رقم مبالغ فيه لرفع المعنويات.

ويرى ابحيص أن ما أعده المعتكفون ليلاً من عوائق، وصمود المرابطين في الأقصى وتحديداً في المسجد القبلي، والمواجهات التي خففت الضغط عنهم، هي بمثابة العناوين الأكثر تأثيراً في التصدي لاقتحام اليوم وقد شعرت جماعات الهيكل بالفشل إزاء ما حصل، وهو ما دفعها للمطالبة العلنية بمنع الاعتكاف ودفع إيتمار بن غفير للتهديد بنقل مكتبه إلى باب العامود.

وبرأي المحلل السياسي عصمت منصور فإن الاحتلال الإسرائيلي يتنافس بين أطرافه فهناك من يقدم نفسه على أنه الأكثر قدرة على تهديد وإيذاء الفلسطينيين واقتحام مقدساتهم، فإلى جانب تهديد بن غفير فإن رئيس الحكومة نفتالي بينت يتصرف على أنه رئيس مجلس المستوطنات وليس رئيس دولة حيث طالب بالتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى في إشارة إلى حجم التنافس بين الأحزاب الاحتلالية على الفلسطينيين.

وحسب بيان الهلال الأحمر الفلسطيني فإنه تعامل مع أكثر من 17 إصابة نقل 5 إصابات إلى المستشفى. الإصابات نتجت عن مواجهات مع وحدات الاحتلال الخاصة في محيط المسجد الأقصى في باب حطة وباب الأسباط.

ونقل صحافيون متواجدون في ساحات المسجد الأقصى أنه خلال ساعة كاملة بعد الاقتحام بدأت أعداد المستوطنين تقل، حيث بدأت بحراسة أمنية مشددة جدا، وبمسافة قصيرة بالمقارنة مع الاقتحامات المعتادة التي كانت تمر بمسارات أطول تستغرق ثلاث ساعات.

وتنص الاتفاقيات السياسية بين الاحتلال وأطراف أردنية وفلسطينية أن دخول المستوطنين للمسجد الأقصى الذي تبلغ مساحته 144 دونما يكون في فترة صباحية ومدتها ثلاث ساعات من الثامنة صباحا حتى 11 ظهرا، إضافة إلى اقتحام في الفترة المسائية بعد صلاة الظهر.

ومنعت قوات الاحتلال الشيخ عمر الكسواني، مدير المسجد الأقصى من الدخول من بعض الحواجز لكنه تمكن بعد فترة وجيزة من الدخول للوقوف على ظروف ما يجري في ميدان الأقصى وساحاته. وروى الشيخ عن مجمل ما جرى في المسجد من اعتقال وإصابة العشرات بعد تنفيذ الاقتحام وإغلاق المسجد القبلي على من فيه من معتكفين وكذلك قبة الصخرة من أجل تأمين المستوطنين المقتحمين. وعبر مكبرات الصوت وجه معتكفون نداءات استغاثة للمقدسيين في البلدة القديمة والأحياء المجاورة للحضور والتواجد في ساحات الأقصى من أجل صد العدوان والتخفيف عن الضغط والقمع الممارس بحقهم. وقام جنود الاحتلال باقتحام غرفة مكبرات الصوت وأعطبوا الأجهزة فيها قبل أن يتمكن المرابطون من إصلاحها بعد ساعة تقريبا. ووثقت صور وفيديوهات تدنيس مصاحف كانت موجودة على مداخل المسجد القبلي وكذلك اعتلاء أسطح المسجد ونشر قناصة لمراقبة الأوضاع في عموم ساحات المسجد.

ناجح بكيرات، نائب مدير عام الأوقاف الإسلامية في القدس ورئيس أكاديمية الأقصى للعلوم والتراث، قال في حديث صحافي أنه علينا إعادة النظر في هذه الاقتحامات مؤكدا أنها مختلفة عن أشكال الاقتحامات السابقة.

 

محاولة لفرض واقع جديد

وأضاف: “الاقتحامات أشكال منها الدينية والعسكرية والسياسية، أما اليوم فقد اجتمع في الاقتحام الشكل الديني والعسكري والسياسي، وهي سلوك يحمل أهدافا وخلفيات تريد دولة الاحتلال التأكيد عليها وفرضها على واقع المسجد الأقصى الذي يعتبر مكونا إسلاميا مهما في المحافظة على القضية الفلسطينية برمتها”. وشدد على إن انتزاع هذه المكون من المسلمين الفلسطينيين يعني انتزاع المكون من القضية الفلسطينية والعاصمة المرتقبة للدولة الفلسطينية.

وأضاف: “ما نراه اليوم يتجاوز الحديث عن التقسيم المكاني والزماني للمسجد الأقصى وصولا إلى إنهاء القضية الفلسطينية من خلال التأثير في المسجد الأقصى الذي يعتبر رمزا للعاصمة والقضية، فالمؤسسة الاحتلالية تريد أن تحسم الصراع على السيادة الأمنية والإدارية في المسجد الأقصى”. وقال بكيرات إن إصرار المؤسسة العسكرية المحتلة على محاولة منع المعتكفين وتقليل وجودهم لأقل عدد سياسة تخفي خلفها ما يتهدد المسجد، وأشار إلى أن الأرقام تدلل على أن هناك تأثيرا في سياسات الاعتقال والاقتحام، فالجمعة الثانية كان يفترض أن يصلي في المسجد 200 ألف مصل لم يصل منهم إلا 50 ألفا، أما فجر الأحد فكان يفترض أن يصلي في المسجد 15 ألفا لم يتمكن من التواجد أكثر من 3 آلاف مصل.

وتابع: “نحن نقرأ هذا الممارسات على أنها محاولة لتجفيف المركز الديني والتاريخي والوطني، وتحويله إلى حق للاحتلال، إنها ممارسات لخلق نزاع على حق لنا من أجل إثبات وجود حق لهم في المسجد الأقصى، مؤكدا أن المواجهة اليوم تعبر عن صراع على السيادة وفرض الحقوق وهو أمر سيستمر حتى يوم الخميس المقبل (نهاية الأعياد الدينية عند اليهود).

وختم بكيرات أن المقدسيين ورغم كل الإجراءات الاحتلالية يؤكدون ثباتهم وزيادة الوعي برمزهم الديني، والدليل على ذلك أن نرى أن الاحتلال قام باعتقال 500 معتكف فيما حل مكانهم أضعاف هذا العدد بشكل فوري”. ويقدم الباحث المقدسي مجموعة من الاستنتاجات من أحداث فجر الأحد قائلا: “لا بد من تكثيف الاعتكاف الليلي في الأقصى بأعداد كبيرة، لأن شرطة الاحتلال ربما تحاول منعه الليلة باعتباره العنوان الأول لإحباط مسعاها اليوم”. ولا بد من زيادة العوائق والإغلاق في الساحة الشرقية لأنها سبب تقصير مسار الاقتحام، وكل من يزيل هذه العوائق تحت أي مسمى فهو خائن متواطئ مع الصهاينة في تهويد الأقصى.

وشدد على انه إن كانت هناك جدية في الدفاع عن الأقصى لا بد من توسيع مساحة المواجهات والالتحام مع قوات الاحتلال في كل ساحات فلسطين في كل يوم وبالتحديد في أوقات الاقتحام الصباحية. أما واجب الساعة فهو منع الاستفراد بالمرابطين، ومدهم بالإسناد والمعنويات في كل الساحات الممكنة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية