الاحزاب الاسرائيلية بدأت تتراجع عن حلم القدس اليهودي

حجم الخط
0

الاحزاب الاسرائيلية بدأت تتراجع عن حلم القدس اليهودي

من الممكن التغلب علي الضائقة الديمغرافية اذا اعتبرت مؤقتة والعمل علي تغييرها بدلا من التراجع أمامهاالاحزاب الاسرائيلية بدأت تتراجع عن حلم القدس اليهودي ليُصوتوا! من يكترث أصلا؟ في خضم الاخفاقات التي تلازم المراهنة الاسرائيلية في الحفاظ علي القدس الموحدة ـ تصويت سكان شرقي القدس في انتخابات السلطة الفلسطينية ليس أكثر من دمعة اضافية تُذرف علي الحليب الذي انسكب أصلا. هذا التصويت لن يُقدم ولن يُؤخر حتي وفق نهج الليكود الذي يعارضه الآن. الليكود هو الذي اقترح علي الفلسطينيين طول السنين الاكتفاء بحقوق الانسان في اسرائيل والتصويت سياسيا للآخرين (في الاردن مثلا).القدس في كل الاحوال قد أصبحت مقسمة منذ سنوات طويلة. هي مقسمة بين سيادة اسرائيلية في أجزائها اليهودية وبين سيادة فلسطينية علي ارض الواقع في اغلبية الأحياء العربية. هي مقسمة بين جبل الهيكل (الحرم) الذي تكرس في وعي الجمهور كقلب الأمة ومركز الاشراق والعبادات وبين جبل الهيكل الحقيقي المجسد الذي يشكل مركز قوة وسيطرة دينية ـ قومية فلسطينية، وهي مقسمة ايضا بين القدس الغربية العصرية نسبيا وبين القدس الشرقية ـ العربية المهملة.استمرار محاولة الفصل بين عرب شرقي القدس وبين السلطة الفلسطينية تماثل اذن اعطاء كؤوس هواء للميت. أضف الي ذلك أنه من دون انقلاب فكري لن تكون قضية التقسيم الشكلي إلا مسألة وقت فقط. الأسوار الفاصلة تقضم الآن من القدس السيادية مناطق وأحياء يعيش فيها عشرات آلاف الفلسطينيين، والسياسيون يتدافعون باسم الديمغرافيا منذ الآن ومن كل الأحزاب للمطالبة بالتقسيم.طوال سنوات أوضح أنصار التيار الديمغرافي أن من الأوجب التنازل عن أجزاء الوطن في يهودا والسامرة حتي تبقي الدولة يهودية وحتي لا تغرق اسرائيل في بحر من ملايين الفلسطينيين وحتي يكون من الممكن خوض الكفاح من اجل الأمر اليهودي الحقيقي ـ القدس. الآن، عندما تراجعت اسرائيل خطوة تلو اخري للوراء نحو الأمر الحقيقي يتضح لنا أنه يتوجب هنا ايضا أن ننسحب بحجة الديمغرافيا، وأن المسألة هي في الواقع وهن في العزائم وليست مسألة ديمغرافيا.بدلا من تكثيف الصراع وتشييد العمران أكثر فأكثر وتخليص أراضٍ اخري والإغداق الاقتصادي علي السكان اليهود الذين يأتون للسكن في القدس وتفضيل البناء شرقا بدل الغرب، وكذلك تحسين ظروف الحياة في شرقي القدس بصورة ملموسة ـ يقترح علينا الديمغرافيون أن نرفع أيادينا هنا ايضا متنازلين عن حلمنا في القدس.ليس هناك حديث عن جذر المشكلة كما كانوا يفعلون في السابق: حقيقة أننا نسينا عدالتنا وأحقيتنا في القدس. في مواجهة بحر الأكاذيب والبِدع التي يبثها الفلسطينيون حول المدينة وتاريخها، هناك ضرورة للعودة الي الأساس. الأساس لا يمكن أن يرتكز فقط علي الحاجة الوجودية ـ الأمنية. يتوجب أن يقوم علي التزامنا بالعدالة التاريخية وعلي الوعي والثقافة الوطنية. هذا الالتزام يتجاوز بالضرورة القلق الذي هو هام بحد ذاته، بصدد الوجود المادي والتوازن الديمغرافي. قبل سنوات غير بعيدة كان هناك في هذه البلاد ادراك بأنه ليس من الممكن إحياء تاريخ شعب اسرائيل وتجسيد حضارته القومية في دولة من دون الارتكاز علي التقاليد التاريخية والدينية التي غذّت الوعي القومي عبر الأجيال. هذه التقاليد هي قبل كل شيء تقاليد القدس.القدس التي يقع جبل الهيكل والبلدة القديمة في مركزها، هي أحد العوامل المركزية التي ما زالت تحول دون انكماش الوعي القومي نحو الأمور البديهية فقط، أي مكان الولادة. في كل دولة اخري تكفي هذه الصلة الطبيعية والأولية للعيش والبقاء، أما في اسرائيل فلا، حيث أنها قامت في خضم الماضي ومن دون التاريخ والثقافة اللتين ترتكزان علي الديانة اليهودية، والتي لا يوجد لها حق في البقاء من دونها، هنا تحديدا في ارض اسرائيل. اذا كان ماضي الانسان لا يمتد إلا عبر أيام حياته، واذا لم يكن هناك مغزي لخلفيته الدينية والتاريخية وانما فقط لمكان ولادته، فلماذا الافتراض أن حق اليهودي في ارض اسرائيل والقدس يفوق حق العربي؟.سر العلاقة الذي يتوجب اعادة تحريك كل شيء من خلاله، هو الذاكرة. وما هي الذاكرة اليهودية إن لم تكن ذاكرة القدس؟ من يخطر في باله أن يبتعد عن القدس وعن البلدة القديمة وجبل الهيكل، انما يبتعد ايضا عن ذاكرة الماضي الذي هو في نظر الكثيرين ايضا سيرة الحاضر والمستقبل. في عام 1966 عبّر شاي عغنون عن هذه الحقيقة الداخلية عندما قال في خطابه عشية حصوله علي جائزة نوبل انه قد وُلد بسبب الكارثة التاريخية (خراب القدس) في احدي المدن في الشتات، إلا أنه اعتبر نفسه دائما شخصا مولودا في القدس. حتي اذا لم يكن واقع العقدين الأخيرين في القدس بسيطا، يحظر أن يؤدي وحده الي بلورة صورة المستقبل. عندما يتعلق الأمر بالقدس يتوجب منح الحلم والرؤية وزنا أكثر مركزية بأضعاف المرات. من الممكن التغلب علي الضائقة الديمغرافية اذا اعتبرناها مؤقتة وأن نعمل علي تغييرها بدلا من التراجع المتواصل أمامها.نداف شرغايمراسل شؤون القدس والاستيطان(هآرتس) 16/1/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية