الاختصاصي النفسي الفلسطيني سامي دبيني: ذهبنا إلى الجامعة من الجليل إلى القدس على ظهر شاحنة محمّلة بالحجارة

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”:  ولد سامي دبيني عام 1936 في مدينة حيفا، لعائلة من مدينة الناصرة، وقد عاد مع العائلة عام 1942 إلى المدينة (الناصرة)، حيث أنهى دراسته الابتدائية والثانوية فيها. سامي دبيني، وهو الاختصاصي النفسي العربي الأول في البلاد بعد نكبة 1948، حاز على الماجستير في علم النفس السريري والتربية الخاصة في الجامعة العبرية في القدس عام 1974، ثم حاز شهادة الدكتوراه في العلوم السلوكية من معهد العلوم التطبيقية (التخنيون) في حيفا عام 1983.

ككثيرين من أبناء جيله، لم تكن طريق سامي دبيني مفروشة بالورود، ولم يولد في فمه معلقة من ذهب، فقد كافح بالكد والجد، وعمل معلما قبيل وخلال التعليم الجامعي كي يؤمن نفقات التعليم وكلفة المعيشة. وتفيد سيرته بأنه نشيط تتميز شخصيته بالكّد والجدّ، حيث واظب على العمل طيلة عقود في مكانين في آن واحد حتى تقاعده عام 2001، فبات يقضي مساحة كبيرة من وقته في التطوع داخل مؤسسات تربوية وأهلية حتى اليوم، وفي مداعبة الأحفاد. فيما مضى كرّس فترة طويلة من سنوات حياته في المدارس فعمل معلما في قريتي المقيبلة وصندلة وقرى الناصرة وأبو غوش وبيت صفافا في منطقة القدس، ثم محاضرا في دار المعلمين في يافا ثم في حيفا. كما عمل معالجا نفسيا في مستشفى حيفا لمدة عقدين. يكثر الدكتور سامي دبيني من نشر المقالات العلمية والاجتماعية في مجال اختصاصه فيدلي بدلوه في مواضيع ومجالات حياتية عملية كتربية الأبناء والاقتداء ومراحل تبلور شخصية الإنسان والذكاء الاجتماعي والتلوّث الفكري والتفوق على النفس وغيرها، وهو من الرعيل الذي لا تطربه إلا الأغنية الكلاسيكية من أم كلثوم إلى عبد الوهاب.

أنت من الناصرة، لكن طفولتك المبّكرة جدا كانت في حيفا، هل بقي منها في ذاكرتك؟

عمل الوالد نجارا في حيفا، والسفر منها وإليها كان متعبا، فأقمنا فيها، وبعد خمس سنوات نشبت الحرب العالمية الثانية فعدنا للناصرة بعد قصف طائرة إيطالية لمدينة حيفا خلال الحرب عام 1942. درست الابتدائية في حيفا، وما زالت في مخيلتي بعض مشاهدها، وأنهيت الثاني عشر في بلدية الناصرة عام 1956، ومن وقتها أنا في الناصرة، وأعتبر نفسي نصراوياً رغم ولادتي في حيفا.

من كان معك في ثانوية الناصرة؟ من كان معلمكم للعربية؟

أنهيت الثانوية في بلدية الناصرة عام 1955، وكان معي الأديبان الراحلان شكيب جهشان وراشد حسين، والطبيبان رشيد سليم وأحمد الريناوي وآخرون. كان الراحل شكيب جهشان يجلس بجانبي في الصف المدرسي، بل أنا كنت أهتم بالجلوس لجانبه كي أستفيد من ذكائه وتفوقه في كافة الدروس لا في اللغة العربية فحسب. كان مميزا بالمواضيع العلمية والأدبية، وكان يساعدني في القواعد. تزوج الأديب شكيب جهشان من سيدة نصراوية وأقام فيها، ثم صار معلما للعربية في المدرسة الإكليركية المطران وهو لم يتعّلم في جامعة، وربما ظروفه لم تسمح له بالتعلم الجامعي، ولكن لم يكن بحاجة لجامعة فقد كان الأول في الصف، وربما على كل المدرسة باللغة العربية. معلمنا للعربية كان الأستاذ حبيب حزان وصار لاحقا مدير المدرسة الثانوية البلدية في مدينة البشارة الناصرة. ومعنا في الفرع العلمي درست ثلاث بنات فقط.

الشاعر الفلسطيني الراحل راشد حسين كان زميلك في الثانوية لثلاث سنوات، فهل تعرفه جيداً؟

كنت قريبا منه داخل المدرسة فقط وتميز بابتسامته ورصانته وبعلاقاته الاجتماعية الواسعة مع الطلاب والمعلمين، وكان متسامحا لين المعشر ومرحاً وقد قدم للناصرة من بلدته مصمص في المثلث. برزت نبوغته في اللغة العربية وهو في بداية المرحلة الثانوية. في الصف العاشر وقتها للمرة الأولى عام 1952 فصلوا العلمي عن الأدبي. كنت في الفرع العلمي وراشد حسين في الفرع الأدبي، وطالما كنت أسمع أترابنا أيضا يتحدثون عنه طالبا خلوقا هادئا ودائم الابتسامة وودودا ولامعا في اللغة العربية يقيم في الناصرة مع طالب آخر يدعى هاني عبد القادر من بلدة أم الفحم.

قبل التحاقه بالجامعة العبرية في القدس عام 1960 عمل دبيني معلما في مدارس القرى العربية المقيبلة، صندلة، عين ماهل، كفركنا، الرينة، وقد أحبّ مهنة التعليم خاصة أن آفاق العمل كانت قليلة، وقد علمّ عدة مواضيع من الانجليزية إلى العبرية.

مأساة صندلة عام 1957

عاد طلاب قرية صندلة من مدرسة قرية المقيبلة المجاورة (مدرسة مشتركة)، وفي الطريق عبث بعضهم بلغم كان على حافة الطريق فانفجر وقتل 15 طفلا من صندلة، وفي ذاك اليوم كان سامي دبيني ما زال في المدرسة، وعن ذاك اليوم الأسود قال: “في ذاك اليوم  السابع عشر من أيلول/سبتمبر 1957، وعند الساعة الواحدة والنصف ونيف ظهراً سمعت دوي الانفجار، وقد كنت ما أزال في المدرسة، وشاهدت عمود دخان، وكان التلاميذ في طريقهم للبيوت فهرولت لمكان الانفجار، وبعد دقائق وصلت للمكان ووجدت مشهداً مرعباً مروعاً: أشلاء متناثرة، ولا يمكن أن أنسى ذاك المشهد الكارثي. كافتهم كانوا قتلى، ولم يكن بينهم جرحى ويبدو أنهم تحلقوا حول قنبلة قديمة كان مزارع يهودي قد عثر عليها وهو يحرث فوضعها على حافة طريق، ولما مرّ التلاميذ عبثوا فيها ووقعت الكارثة. أصابتني تلك الصورة بالصدمة، خاصة أن الأطفال الصغار هم طلابي وأعرفهم واحدا واحدا ودأبت على اللهو معهم داخل المدرسة، هم ضحايا الإهمال: رهيجة عبد اللطيف عمري، سهام زكريا عمري، عبد الرؤوف عبد الرحمن عمري، صفية محمود عمري، فهيمة مصطفى أحمد محمد عمري، فؤاد عبد الله محمد عبد العزيز عمري، يوسف أحمد محمد عمري، غالب عبد الحليم عمري، وكافتهم أبناء ثماني سنوات. كذلك اعتدال عبد القادر عمري، محي الدين سعد عمري، يحيى أحمد حسن عمري، وكافتهم تسع سنوات، وكذلك آمنة عبد الحليم عمري وفاطمة أحمد يوسف عمري وهما من أبناء العاشرة، وهناك محمد عبد الله عبد العزيز عمري وطالب عبد الحليم عمري، وهما في الثالثة عشر من العمر”.

حاول بعض الصحفيين التحدّث مع بعض الناجين من الحادثة أو مع ذويهم لكنهم رفضوا رغم مرور عقود على الحادثة؟ ما تفسيرك السايكولوجي؟

هذه كارثة وعندما ينكرون هذا يعني أن الدائرة لم تغلق عندهم وبقيت مفتوحة. راشد حسين ألقى قصيدة رثاهم فيها بقوله:

مرج ابن عامر هل لديك سنابل/ أم فيك من زرع الحروب قنابل؟

أم حينما عز النبات صنعت من/ لحم الطفولة غلة تتمايل

فإذا الصغار الأبرياء سنابل/ وإذا القنابل للحصاد مناجل

يا مرج قل لي هل ترابك سامع/ أم أنت عن صوت الملامة ذاهل؟

أنا أشاهد في الخريف سنابلا/ إلا خريفك بالسنابل حافل

السفر إلى الجامعة على ظهر شاحنة محملة بالحجارة

 عمل الدكتور سامي دبيني في مهنة التعليم عدة سنوات، قبيل وخلال وبعد مرحلة الجامعة في القدس، وقد بدأ تعلم التربية الخاصة وعلم النفس وأنهى اللقب الأول عام 1966 في الجامعة العبرية، وشرع فوراً في الماجستير في علم النفس السريري وحاز على اللقب الثاني عام 1974. رداً على سؤال يقول: “كان الموضوع بعيداً وغير مألوف وصعبا لأننا في الثانوية اعتدنا على الحفظ بدل من تحفيز التفكير. اكتشفت وقتها أن هناك حاجة لمثل هذه المهنة فقررت تعلمها. ولكن عندما ذهبت للجامعة، وكان الحكم العسكري قائماً، إما عن طريق القطار من حيفا إلى القدس، وإما مع سيارات شحن محملة حجر من الجليل إلى القدس، وكنا ننطلق عادة حوالي الساعة الواحدة والنصف ليلا، وهذه رحلة طويلة لكننا كنا نحتملها لأنها مجانية. وكنت أسلّي السائق أيضاً، وبذلك نوّفر نفقات سفر، حتى فتحها ربنا علينا واقتنيت سيارة. خلال هذه المدة عملت معلما في بيت صفافا وفي أبو غوش، ثم في الإذاعة، ما مكنني من شراء سيارة، وكان بعض زملائي الطلاب يركبون معي. وفي عام 1967 أنهيت الماجستير وبدأت أعلم في دار المعلمين في حيفا علم نفس وفي نفس الفترة عملت في حيفا.

العمل في دار المعلمين في يافا ثم في حيفا

في البداية عمل مدة عامين في دار المعلمين العرب في يافا وانتقل معها إلى حيفا في نهاية ستينيات القرن الماضي، وبقي فيها حتى خرج للتقاعد عام 2001. وبالتزامن عمل في قسم الصحة النفسية في مستشفى “رمبام” في حيفا. وردا على سؤال يستذكر دبيني: “كان معظم معلمي دار المعلمين العرب في حيفا من اليهود الشرقيين، وكانت هناك حاجة كبيرة للمعلمين العرب بسبب النقص في تعدادهم”. كما عمل دبيني في الفترة (1972-1976) مفتشاً للاستشارة التربوية، لكنه ترك الوظيفة بسبب كونها إدارية وتحتاج للكثير من الاجتماعات وكتابة التقارير حيث كانت المضامين هي التي تشده. داخل مستشفى حيفا عمل معالجا نفسيا وكانت وظيفة الخبير النفسي داخل المستشفى إجراء اختبارات لمعرفة وتشخيص المرض وبعد ذلك تقديم العلاجات النفسية.

وردا على سؤال آخر يتابع: “في حيفا استغللت وجودي فيها، واستكملت دراستي الجامعية وحزت على الدكتوراه في علم النفس السلوكي عام 1983، وكانت الأطروحة: التعرف على شخصية الإنسان العربي من خلال الاختبارات. وتوصلت لاستنتاج مفاده أن الإنسان العربي يتأثر بالبيئة الثقافية خاصة البيتية وتساهم في صياغة الشخصية أكثر من عوامل أخرى، علما أن شخصية الإنسان تصقل حتى خمس سنوات وفق نظرية فرويد، وهناك نظريات اليوم تتحدث عن احتمالات تغيّر الإنسان وتغيير شخصيته في فترات متأخرة”.

فوائد التطوع

دبيني ابن السادسة والثمانين يكرّس اليوم ساعات من وقته كل يوم في التطوع: “فأنا متقاعد، رغم أنني لا أحّب مصطلح “متقاعد”، أتطوع في مدرسة العائلة المقدسة لتلاميذ يعانون من ضعف ذكاء ومن مشاكل جسمانية، كما أنني عضو إدارة في بيت المسنين في دبورية وكذلك أتطوع في مكتبة “المنارة” للمكفوفين في الناصرة.

ماذا يفعل التطوع للإنسان؟

أولا يثبت الإنسان أنه بالتطوع لديه ما يعطي للناس. ولذا فالتطوع قوة، كذلك يمنحك شعورا بالراحة بأنك تحقق ذاتك وتساعد الآخرين وقادر على أداء واجباتك رغم تقدم العمر. أشغل وقتي في اللهو مع أحفادي من بنتي الوحيدة إيمان. نعم ما زلت أتعلم من سلوك أحفادي الأطفال وأطبق ما تعلمته في معاينة هؤلاء الأطفال. الأحفاد يعبئون عالمك ويملأون البيت بالفرح الحقيقي. يستفزني وجود سلوك مخالف للمعرفة وعدم استخدام حامل العلم لعلمه كالمستشار التربوي يسارع للطلاق ويعرّض أولاده لمشاكل نفسية بسبب الانفصال مثلما يستفزني طبيب يدخّن وينهى أولاده عن السجائر.

مقالات في التربية وعلم النفس

 منذ 1969 نشر دكتور سامي دبيني مقالات كثيرة في مواضيع تربوية ونفسية واجتماعية في الصحافة العربية المحلية كما سجل 40 مقالا مسموعا في راديو المنارة للمكفوفين العرب داخل أراضي 48، وقد توجهنا له بالسؤال عن بعض خلاصات حياته وعلمه، وفي البداية سألناه عن أعظم انتصار وما هي مفاعيله في النفس.

” النجاح في امتحان انتصار، والصمود أمام الإغراءات والسيطرة على الغرائز والنزعات هو انتصار. ليس كل انتصار يحتاج نفس التصميم والمثابرة. أعظم انتصار هو الانتصار على النفس الأمارة بالسوء ومن أوجهه حرمان النفس من سيطرة الشهوات على التفكير والسلوك. بدون تهذيب النفس البشرية بالتربية الصالحة والرشيدة النتيجة هي الانحلال. الفارق بيننا وبين الحيوانات: استخدام العقل لمواجهة التهديدات بأساليب إنسانية، وإلا يكون رد فعله الهرب أو القتال كالحيوان. كذلك سيطرة الشهوات تجعل الإنسان حيوانا وعندها يصبح تعيسا ومتورطا. اقتناء الأسلحة لفض النزاعات والتورط بالعنف وقبول الرشوات وعدم احترام قوانين السير وغيرها والروح الأنانية البغيضة والتشبه بالآخرين. كذلك الإفراط بالأكل والشرب والسموم (حوادث الطلاق). كثر يتميزون بإنسانية منقوصة ومضرة لهم وللآخرين، ومعالجتها تتم بانتهاج تربية صالحة ورشيدة في البيت، تستمر في المدرسة والمجتمع”.

وكيف نواجه أفكاراً سيئة؟

” رفض الحلول الفورية عن طريق حوار مع الذات حول ذلك، وهذا الحوار شرط أساسي للتحكم بذاته ولجم نفسه والانتصار على الدوافع الهدامة. التربية الرشيدة تزرع أفكاراً وقيماً ومبادئ تحول المخلوق البشري لراشد يعي الأفكار غير المنطقية، وتمكّنه من الانتصار في معاركه المتواصلة مع غرائزه الهدامة. مثال: تتوقف السيارة أمامك ويبدأ السائق يتحدث مع آخر.. هل ترد برد فعل انفعالي؟ أم تبحث عن مبرر منطقي لتفهم توقف السائق. محاورة الإنسان لنفسه وإيجاد مبررات توفر له الهدوء النفسي ومن الخواطر الهدامة ومن سلوك إجرامي لاحقا. الذي يغلب الشر بالخير إنسان يستحق الاحترام. من ينتصر على الآخرين قوي ومن ينتصر على نفسه فهو جبار”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية