شهادة عن محاولات اخفاء الحقيقة والقمع اليومي المؤسس علي تخويف وإخضاع المواطنينرحلة في البحث عن اخ اختفي في سلسلة الاختفاءات… النظام ينكر وهيئة الانصاف تؤكد بقاءه علي الحياة
عبد الله كرمون ہ لم يشأ عبد الكريم الواسولي أن يصنع فقط مجرد كتاب كي يضيفه إلي تلك التي رصفت عبثا في سياق أو آخر، يمت بصلة أو بأخري إلي قضية من قضايا النظام السياسي المخزني بالمغرب وتبعاته الكارثية سواء علي المستويات الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية أو الحقوقية، وإنما نمّ عن رغبة جامحة يسندها هم مطلبي عات ورغبة أخري ملحة في إلقاء الضوء حول كثير من الإبهام الذي يلف المنعطف السياسي المغربي ويطال حتي السنوات الخمس الأخيرة منه خلافا لكل المزاعم. ما الذي سعي الواسولي إذن الي أن يوصله إلي القارئ؟ وما هو مطلبه الأول ومطلب عائلته وكل الذين يقفون معهم في نفس الطابور، بما فيهم كل الطبقات المغربية المدحورة والتواقة إلي التحقق الفعلي للديمقراطية وللعدالة؟
ألم يكن يسعي إلي وضع الأصبع علي مكمن الخلل في بنية النظام وليس في غيره بعيدا عن الخطاب المطروح في الطريق؟!
ماذا عن اليافطة التي رفعها النظام المغربي بخصوص نواياه في تسوية ملف ضحايا التعذيب والاعتقال والمحاكمات التعسفية والاختطاف والاختفاء القسري والمقابر الجماعية وغيرها من أصناف الخرق الفظيع لحقوق الإنسان بالمغرب؟
الكتاب الذي أصدره الواسولي بالفرنسية في آذار (مارس) 2006 يجمع بين منطق الشهادة وقوة النقد اللاذع. شهادته عن أخيه عمر الواسولي الذي اختفي منذ 1984 وشجبه الرصين لكل محاولات النظام المغربي خنق أنفاس الحقيقة، بطرق أو بأخري، كان آخرها رميه، ديماغوجيا، في الساحة السياسية لهيئة الإنصاف والمصالحة التي ليس همّها سوي ذر الرماد في العيون كما يقال، وتوريطه من خلالها لعناصر كثيرة كانت من ضحايا الأمس ورغبته في تلميع صورته لدي الآخر في المغرب أو في الخارج حسب الكاتب. لم يفته أن يركز في بدء كتابه علي كون أهم أشكال القمع التي تعرض لها المغاربة وما يزالون يتعرضون لها ليست ذلك القمع الدموي المباشر وحده وإنما هي كما يقول: الشكل القمعي الأكثر مكرا (و) الذي يتعرض له كل الشعب المغربي. هو قمع يومي مؤسس علي تخويف وإخضاع المواطنين لتعسف أي مالك للسلطة يتصرف باسم الدولة. شدة هذا النوع من القمع، حسب الواسولي، تكمن في كونها أنتجت نوعا من مخزنة العقول إذ أصبحت العلاقة بين المواطن والمخزن محكومة بحدة شيزوفرينية حتي في أبسط تحركاته اليومية.
ينطلق إذن من كون خلق النظام لهيئة الإنصاف والمصالحة جاء من رغبته في امتصاص شراسة المطالبة بالحقيقة وبإدانة الجلادين من لدن ضحايا المغرب الأسود ومن طرف عائلات الذين ما يزالون مجهولي المصير، ليعد بعد ذلك كل الحيثيات اللازمة للإقلاع عن إزعاج الباب العالي بأشياء ماضية! ويسعي بذلك إلي طي تلك الصفحة دون أن يقدم أي شيء إلي الضحايا وإلي ذكراهم.
أمر أساسي أشاد به الكاتب يتعلق بكون المخزن قد تورط أساسا بخلقه لتلك الهيئة بعملية اعترافه الضمني بإتيانه لكل تلك الضخامة الهائلة من الخروقات البشعة في حق أناس لم يكن ذنبهم سوي أنهم طالبوا بالعدالة وبتحرر الإنسان وناضلوا من أجل قيم سامية في إطارات ابتكرتها الإنسانية لما وجدت نفسها في جماعات غير متكافئة في شروط عيشها.
لقد اعترف النظام المغربي بكونه مارس القمع الدموي الأسود أزيد من أربعة عقود. أجد أنها إذن الخطوة الأولي. لكن ما تكون العتبة التالية؟. أيمكن حقا أن نتوقع إن كنا منطقيين شيئا آخر من الجلاد الذي ما يزال هاهنا يزهو مثل طاووس؟ أليس من البله أن نكون مغفلين ونجهل أن لفظة المصالحة ليست في خلد المغربي سوي الله إسامح (سامح الله) أو أشد من ذلك بْدّْلْ ساعة ب أُخْري (ما يعني دعوة إلي التغاضي عن أمر ما). نخطئ لو نأمل أشياء أخري.
نصادف في الكتاب نفس الاستنتاج وإن لم يكن استنتاجا بل كان مسلمة وإنما شاء الكاتب أن يري أبعد من أنفه وذهب إلي تعرية كل تلك النوايا المخزنية السيئة وشرع أولا في تنوير القارئ عن كل ملابسات التاريخ القمعي الحديث للمغرب.
كان هم المخزن إذن الكف عن الحديث عن تلك الملفات الحرجة إذ أنه يلوّح بكونه قد قطع مع كل تلك الممارسات في اتجاه مغرب جديد، ديمقراطي وحر وخال من كل أشكال المس بكرامة الإنسان مثل ما جري بوضوح في السابق. أصحيح إذن ذلك كي نثق فيه؟ إذن أين رفات الذين غُيبوا في دهاليز الرعب والمس الفظيع بحق الحياة المقدس في السجون المظلمة؟ أين الذين غيبوا وما يزالون أحياء بشهادة النظام نفسه أمثال عمر الواسولي؟ ألم تعد مخافر التعذيب السرية بالمغرب؟! أين أية مقاربة جدية وغير مكتنفة بالسرية والغموض للمقابر الجماعية؟ أين حتي مجرد حبة خردل من احترام لرفات الذين قبروا في حفر جماعية لدن مظاهرات التمرد الشعبي مثال المقبرة الجماعية المتواجدة قرب مركز الوقاية المدنية بالدار البيضاء والتي قلبها النظام من أجل محو أثرها وليس من أجل إظهار الحقيقة للمعنيين بها داخل المغرب وخارجه وللتاريخ الذي لن ينسي شيئا في آخر المطاف؟ لم يفت المخزن المغربي (النظام) أن يخترق كل الهيئات التي شاءت أن تبحث عن تسوية لهذا الملف مثل منتدي الحقيقة والعدالة، إذ سعي دوما إلي فرض خطه التمويهي زاعما أنه عازم علي تصفية كل النقاط العالقة بذلك الشأن، ورأي أن الأمر ليس سوي مسألة تعداد وإحصاء بسيط وشروع عائلات وشخوص الضحايا أنفسهم في تقديم طلبات تعويضهم من طرف المخزن الذي آذاهم في السابق. يري الكاتب أن المخزن تفوق مرة أخري في امتصاص شعلة الرفض والغضب سواء لدي العائلات ولدي المناضلين أنفسهم بأن لفَّهم في دسيسة مفادها أن عليهم أن يتقدموا بطلبات تعويض وكفي، وأجد أن كثيرين منهم قد قبلوا التعويضات، حسب علمي، وأفرغ بذلك تلك الحركة من محتواها العميق الذي يصل طولا إلي المطالبة بوضع طبيعة النظام المغربي الشرس، ذاته، موضع تساؤل! كما أن الإطارات الحقوقية هي أيضا ذرت الرياح مجهوداتها وعمت بالتالي خيبة الأمل، إذ النظام لم يسمح وليس يسمح قط أن ينعت الجلادون حتي يقبل أن يُدانوا!
لم تكف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان كما يذكر الواسولي عن إصدار بيانات احتجاج علي شراسة النظام المغربي وقمعه العنيف والدموي لكل الأشكال السلمية للاحتجاج وللمطالبة المشروعة بحق أو بآخر، إذ يُقمع أعضاؤها وكذا المتعاطفون مع نضالاتها. وليس ذلك جديدا إذ تم النص عليه حتي في قانون الدولة، وأري من حسنات الكتاب أنه يذكّر كل مرة بالقوانين البالية التي تحتفظ بها الدولة المغربية وهي تزعم خلاف ذلك كونها قد دخلت زمن البناء الديمقراطي، لكن ليس أبعد من: قولوا العام زين (بمعني هللوا للنظام) ليس إلا وكفي! نورد مثال ظهير 29 حزيران (يونيو) 1935 الذي تم تعديله بظهير 26 أيلول (سبتمبر) 1969 مفاده أن كل ما من شأنه أن يبدي اعتراضا مباشرا أو غير مباشر علي تطبيق القانون، بما في ذلك من ظهائر أو أوامر السلطة العمومية يعتبر مدانا، وكذا كل من حرض علي الفوضي أو المظاهرات أو من أسهم فيها وكل من أنجز فعلا يعمد إلي زعزعة الأمن والآمان.
فالنظام الجديد ظل وفيا للخط القديم وظل التسلط الشخصي لرجال الدولة ما يشكل حجر الزاوية في إدارة شؤون البلد. يعود الواسولي مرارا إلي مسألة غياب الديمقراطية والشفافية حتي من داخل المنتدي المغربي للحقيقة والعدالة الذي سعت أطراف مسؤولة فيه إلي إجراء اتصالات وصفقات مع القصر في تغييب العناصر الأخري في المنتدي عن مجريات تلك المحادثات وجدواها ومشروعية إتيانها. في هذه الصفحة ذاتها والتي تليها نجد كيف أن النظام قد تمكن من زرع فكرته عن كونه يحمل رغبة صادقة في تبيان الحقيقة ونشر العدالة وتكمن قوة مكره تاليا في كونه استطاع أن يجعل مناضلين من داخل المنتدي من يحلفون عاليا بأن المخزن علي حق وأنه في طريق إعادة النظر في سلوكاته!
يجد الكاتب أن عدم التجانس السياسي لأفراد المنتدي يشكل، نوعا، عائقا في اختلاف رؤاهم وقراءاتهم السياسية للوضع بالمغرب تبعا لمصالح البعض ولراديكالية الآخرين ما يسمح ثانية للمخزن أن يفكك من الداخل هذا النوع من الإطارات التي تفسد عليه، مع ذلك، الحياة.
يري الواسولي أن ثمة مخزنة النخبة السياسية والمثقفة في المغرب، تلك التي تؤمن بالانتقال الديمقراطي ما يشكل العائق الكبير لأسئلة الراهن.
أما النظام فهو يستمر في بناء ذاته ويرتكز، أكثر من السابق لاستمرارية بنيته، حسب الكاتب، علي الخرق الدائم لحقوق الإنسان. لذلك ليس من المحتمل بتاتا أن يضحي بعناصر عموده الفقري أي المسؤولين الكبار. لذلك لا يجدر أن يحلم أحد بمحاكمتهم أبدا رغم ما ارتكبوا من فظائع.
غير أن ما شغل ويشغل أغلب الضحايا وعائلاتهم حتي الآن يتلخص، حسب الواسولي، ببساطة في تلبية مطالبهم التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
ـ المطالبة بالحقيقة.
ـ المطالبة بالعدالة.
ـ المطالبة بإطلاق سراح كل المختفين الذين ما يزالون علي قيد الحياة.
ـ المطالبة بمد العائلات برفات أبنائها.
يري الواسولي أن العائلات في مطالبها هذه هي أبعد عن أي تسييس معين إذ تري أن هذه المطالب ليست قابلة لأية مساومة ما، فهي مطالب تقتضيها حتي الطبيعة البشرية نفسها. شيء آخر يراه جديا هو أن نرفع أصواتنا كي لا يتكرر مثل الذي حدث في بلدنا أبدا، أفضل تقدير، يري الكاتب، أنا نقدمه، ثمة رمزيا، لكل الضحايا، إذ كما كتب فمطالب الضحايا وعائلاتهم لا تخرج عن المتعارف عليه دوليا في باب الحقوق الأساسية للحياة الكريمة.
وبغض النظر عن الأسباب العميقة التي أدت إلي تلك الكوارث التي عرف المغرب طيلة سنوات فإن التغاضي وإخفاء الجلادين وجعل عدم التصريح بأسمائهم الشرط الأساسي لدي كل إدلاء بشهادة لا يدل سوي علي علاقة تناغم بين الجلادين والنظام ورغبته في صيانتهم وصيانة صورته القديمة الجديدة في الآن نفسه. ولم يكن دور هيئة المصالحة والإنصاف، دون وعي ظاهر، سوي السقوط في إبراز هذه الخلاصة وإن كان هدفها الأصلي هو امتصاص المطالبة وإسكاتها.
اللجنة ودورهاتتكرر (في ص 53 ) من الكتاب نفس الانتقادات، إذ كيف يمكن الحديث عن الديمقراطية في بلد تتركز فيه كل السلط في يد مؤسسة واحدة كما يقول، خاصة أن عمل هيئة الإنصاف والمصالحة لم يكن بوسعها أن تضع موضع تساؤل تلك المؤسسات.
يخلص إذن إلي كون هذه الهيئة لا تقوم سوي بدور الوسيط الذي يسعي إلي نوع من التوازن الذي يري أن الرغبة في تسوية كل ملفات الخرق الفظيع لحقوق الإنسان بالمغرب آتية من إرادة النظام أي من المؤسسات التي ارتكبت بنفسها تلك الجرائم.
ولما أنهت هذه الهيئة مهامها كما أرادتها أو كما أريد لها فقد انتهي مشكل الملفات المتعلقة بخرق حقوق الإنسان بالمغرب، ما دامت أيضا مسندة دائما إلي الأمس وإلي عهد الحسن الثاني. الذين يعترضون علي ذلك أو يرون الأمر خلاف ذلك ليس يعدم النظام تهما تلفق لهم أقلها أنهم مجرد عصابات تريد أن تثير الفوضي ولا ترغب في أن تسير عربة الديمقراطية إلي أمام!! أما النظام فقد أراد فقط أن يكف الرأي العام الوطني والدولي عن الحديث عن كل تلك الخروقات القانونية التي لم يكن بوسعه أن ينكرها أو أن يخفيها ويسحب بالتالي تلك الورقة من الأيدي بعد كل التمويه الذي مارسه بهذا الشأن.
أما المنتدي المغربي من أجل الحقيقة والعدالة فهو مشكل من ضحايا القمع وعائلاتهم وقد تم إنشاؤه بعد اعتراف النظام بالجرائم التي اقترفها في حق الذين عذب والذين غيب واختطف قسرا. النظام أراد أن يختزل الأمر في مجرد عملية تعويض كما ذكرت في السابق غير أن هذا المنتدي الذي وقف بالمرصاد لهذه الفكرة طالب بمحاكمة كل أولئك الذين ارتكبوا تلك الجرائم ضد الإنسانية.
يصل الواسولي إلي نقطة مهمة ومعقدة في الآن نفسه، الجرائم التي ارتكبت في المغرب ارتكبت باسم نظام سياسي من أجل الحفاظ عليه فكيف يمكن أن تطرح فكرة محاكمة هؤلاء دون أن يوضع النظام موضع تساؤل ودون أن يهز هذا التساؤل النظام نفسه. يري الكاتب أن ليس يوجد ثمة نظام سياسي في العالم وجد حلا لمثل هذا الأمر، أن نفك إشكالية محاكمة المسؤولين عن الجرائم داخل نفس النظام.
في آخر الكتاب يعود الواسولي إلي أخيه عمر الذي اختفي منذ سنة 1984 بمدينة أكادير حيث كان يشتغل بمكتب الأبحاث I.T.E.C.O والذي لم تعلن عائلته عن اختفائه إلا بعد مضي خمس سنوات، لأنها اعتقدت أن الأمر لم يكن سوي بسبب دخوله في النضال السري ولما لم تبدر منه أية إشارة، خاصة وأن المغرب قد عرف في تلك الفترة، في ظروف سياسية دقيقة، إفراجا عن كثير من المعتقلين السياسيين في 1989 إضافة إلي الإفراج عن أكثر من 400 معتقل سياسي سنة 1994 والمرفقة بعفو عام، غير أن أثر عمر الواسولي ظل مخفيا.
لقد تعرضت عائلته بالتالي لشتي صنوف المشاكسة والكذب من طرف المخزن وأجهزته حتي أن هيئة المصالحة والإنصاف نفسها قد أكدت أن الواسولي ما يزال علي قيد الحياة، غير أن الأكاذيب السالفة التي صنعها النظام علي أساس أن عمر يتواجد بالخارج ليست تثبت قط، فالعائلة وعموم المناضلين الحقوقيين يريدون أن يعرفوا أين هو عمر.
صحيح أن النظام بعد كل الترتيبات التي أنجز كي يبرئ ذمته من تواجد مختطفين ومعتقلين بعد، سيجد نفسه أمام موقف صعب لو يفرج عن عمر الواسولي وغيره، خاصة وأن إشاعات كثيرة، ليست مؤكدة، تقول انه قد تعرض لاختلال ذهني، لربما بسبب التعذيب!
كتاب الواسولي كتاب مطلبي، إضافة إلي انتقاده هيئة المصالحة والإنصاف فقد عبر فيه عن موقفه السياسي من النظام المغربي وكون المغرب الجديد والبناء الديمقراطي ليسا سوي افتراء وأن المخزن ما يزال علي عهده يفرض الحصار علي الصحافة الحرة ويقتل تحت التعذيب في مخافر الشرطة وغيره ما أكد علي كون كل هذا يجب أن يتوقف منذ الآن.
الواسولي يتناول موضوعا مهما ما لم يجنبه الوقوع في التكرار مرارا ولعل ذلك من طبيعة الخطاب المطلبي بغض النظر عن سداد النظرة السياسية إلي واقع النظام المخزني بالمغرب والرغبة الملحة في انبثاق ديمقراطية حقيقية.
ہ كاتب وشاعر مغربي يقيم في فرنسا. المغرب أيام القمع الأسود: بين الخطاب والحقائق لعبد الكريم الواسولي صدر بالفرنسية/2006.7