عبر المسالك اللانهائية التي لا تكف التجارب الإبداعية عن فتحها أمامنا، يمكن الاهتداء إلى أحد أهم المقومات التكوينية لأشياء العالم، المعبر عنه بمقوم «الاختلاف» حيث يتضح لنا بجلاء – كلما حاولنا الاستفادة من آلية اشتغاله – كيف أن هوية الأشياء، لا تستقر على معنى ما ثابت ونهائي، بفعل عامل اختلافها الكلي أوالجزئي عن غيرها. وهو المقوم الذي أصبح من ثوابت فلسفة ما بعد الحداثة، حيث وجدت فيه مفتاحها السحري، لحل الكثير من المعضلات الفكرية والثقافية، الملتصقة بحياة الكائن.
والتعرف على الأهمية القصوى التي يمتلكها هذا المقوم، ليس في واقع الأمر سوى جزء جد بسيط من ذلك العمق الاستكشافي المؤجل باستمرار، الذي ينتظر اللحظة المناسبة للكشف عما تيسر من حمولته، وأسراره. ذلك أن وعي الكائن يعود إلى التعامل مع حركية الواقع، انطلاقا مما يمكن تسميته بالرؤية الشمولية، التي تتعامل معه بوصفه كتلة مركبة، تتداخل فيها أحداث الزمان بالمكان، كما يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي. ما يصرفه عن رؤية التنوع والتعدد اللانهائي الذي تتميز به العناصر، ويجعله أسير شراك واقع، يأخذ شكل كتلة متراكبة، وعصية على التفكيك. وهنا تحديدا تكمن بلاغة الرؤية الإبداعية لأشياء العالم، انطلاقا من تجديد رؤيتها للخطابات وللأشكال، وللظواهر، فضلا عن القيم والأفكار. فما من بنية مجتمعية، ثقافية، أو حضارية، إلا وهي معدة للتفكيك، وإعادة النظر والاكتشاف، فور حضور تلك القابلية الإبداعية لطرح السؤال، بحثا عما كان متواريا ومتخفيا وراء التراكم الآلي للأحكام والممارسات، التي تتعطل معها إمكانية التحري، والتعرف على المسكوت عنه واللامفكر فيه. وهو الدور المنوط بالفعل الإبداعي، الذي يتدخل من أجل إضاءة تلك الفراغات المعتمة، الفاصلة بين البنية والبنية.
فبقوة هذه الإضاءة، تتحقق إمكانية معاينة التفاصيل الناظمة للكل، كي تتضح الفوارق الخفية والكامنة بين العناصر، من أجل أن تعلن الاختلافات الدقيقة عن حضورها. والجدير بالذكر، أن المقصود بالمعاينة المشار إليها في هذا السياق، هو حالة التنشيط الذاتي لما يمكن توصيفه بالحدس الإبداعي المؤهل أكثر من غيره لاستجلاء مكامن تلك الفراغات الداكنة، الفاصلة سرا بين البنية والبنية. علما أن تحقق هذا التنشيط الموجه لبوصلة الحدس، هو جزء من الممارسة الإبداعية الخاصة بذوات معينة دون غيرها، لاسيما حين ترقى إلى اكتشاف بعض المقومات الخفية، من قبيل «الاختلاف» الذي يستطيع الباحث المبدع، من خلال توظيفه، أن يهتدي إلى الكثير من الأسئلة التي لن تطالها مقاربات «الباحث» المفتقر إلى العمق الإبداعي.
وكما هو واضح من منهجية هذا الطرح، فإننا نلح على توسيع دائرة الإبداع، كي لا تظل مقتصرة على الكتابة الأدبية، بقدر ما تتجاوزها إلى الإطار النظري الذي تشتغل به الخطابات الفكرية، وهي المنهجية التي تفصل وبصورة جذرية الخطابات الفكرية المتكلسة، التي ينعدم فيها ألق الرؤية، عن الخطابات الموجهة بأضوائها الإبداعية.
ضمن هذا التصور، سيطالعنا مفهوم الاختلاف – على سبيل المثال لا الحصر، باجتراحاته الاستثنائية، بالنظر لانفلاته إبداعيا وفكريا وجماليا من بؤس تلك الخانات سيئة السمعة، التي دأب الكثير من المقاربات القاصرة على تحجيمه فيها. وبالتالي، سيكون من الطبيعي الاحتفاء بتجليات دلالاته، ولغاته، في فضاءات النصوص الإبداعية والفنية، أكثر منها في ما يتعارف عليه بالخطابات الفكرية.
إن تسلل «جرثومة» الاختلاف إلى ما يمكن تسميته بالفضاءات السيادية، وبمنهجية إبداعية راقية، من شأنه إضرام نار الشك، في ما كان يعتبر إلى حين، قيمة مجللة بقداستها وبهيبتها.
إن النصوص الإبداعية الكبيرة، شعرية كانت أو سردية، تستمد قوتها من صلب مفارقات الاختلاف، دون أن تكون مدعوة بالضرورة للتلويح بألويته في وجه القراءة. ذلك أن الإمعان في التلويح بها، سيعرضها حتما إلى البلى، وإلى فقدان ما تبقى من بريقها وجاذبيتها، بفعل تكرار ورتابة ظهورها. وكما هو معروف، فإن الطاقة الإبداعية تحتفظ بحرارتها، من خلال لعبتها التنكرية التي تسمح لها بتعقب مختلف المسارات التي يجترحها عامل الاختلاف، محدثا ذلك التأثير الخفي والمعلن، في نسيج المفاهيم وفي نسيج العلاقات، وفي مفاصل الدلالات المباغتة، الصادرة عن مختبرات المجاز.
إنه التعقب المفتوح على استحالاته التي ليست هي في نهاية المطاف، سوى الاستحالات اللامتناهية، التي يقودنا الاختلاف إلى مرابعها القصية، بما هي مرابع تجارب التخوم. أيضا، من بين أهم المواصفات التي يتميز بها فعل الاختلاف الحاضر في مجاهل النصوص الإبداعية، اشتغاله باللامرئي قدر اشتغاله بالمرئي، واهتمامه بالمجهول قدر اهتمامه بالمعلوم. إنه بهذا المعنى متحرر تماما من أي تعاقد قبلي، مقترح من قبل توجه ما، جاهز ومسبق، سياسيا كان أم فكريا.
إنه بهذا المعنى فضاء التعلم، التعرف والاكتشاف. وبتعبير آخر، إنه فضاء التعدد والتنوع اللامتناهي بامتياز. ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من متعة التعلم والتعرف والاكتشاف، هو موضوعية الإطاحة بجدران اليقين، التي تكره الذات على الوجود القسري في رحمة الثوابت. فالقول بحق المختلف في الوجود، من شأنه تفكيك المنظومة المنتصرة، لما يعتبره العرف نموذجه النهائي الذي ينبغي الاحتذاء به دون غيره. كما لو أنه التمثيل النموذجي لبعض تجليات أوجه الكينونة.
إنه من هذا المنطلق، ومن وجهة نظر إبداعية صرفة، اكتشاف تثويري، مؤهل لإحداث انقلابات جذرية في جميع المرافق الفكرية والعقدية والسياسية، بغاية وضع حد لكل رؤية شمولية، من شأنها إقصاء كل ما يمكن أن يشكل خطرا على هيبة المركز، بما هو مصدر للحكم ومصدر للقرار.
لذلك، فإن الاختلاف سيكون موضوع اتهام وتنديد من قبل حماة المركز، بوصفه مصدر تهديد صريح لسلطهم ومصالحهم. تلك التي غالبا ما تكون ذات طابع هيمني محض. وأيضا، قد يكون مصدر إشعال نار الفتن، في فضاءات تعودت على تأمينها لحركية قناعاتها، كي لا يشوش عليها أي رأي مغاير ومخالف، يؤدي إلى سحب البساط المتهالك، من تحت أقدامها المرتجفة.
إن تسلل «جرثومة» الاختلاف إلى ما يمكن تسميته بالفضاءات السيادية، وبمنهجية إبداعية راقية، من شأنه إضرام نار الشك، في ما كان يعتبر إلى حين، قيمة مجللة بقداستها وبهيبتها. وفي ذلك أكثر من إشارة صريحة إلى وجوب المبادرة بالبحث عن الإبدالات الجديدة لما تم إحراقه والتخلص منه. والتأكيد على مبادرة البحث، يعني إضافة هوامش جديدة ومغايرة، لمتن الحياة ومتن المعيش، والمتخيل أيضا. ومن شأن مجموع هذه الهوامش توسيع حقل الرؤية، الذي يعني بالمقابل توسيع حقل السؤال، الفكر والقول. الشيء الذي تتحقق به تلك الخطوات الواسعة باتجاه ما سيأتي، وليس باتجاه ما كان.
وسيكون في ختام هذه الورقة، التشديد من جديد،على الرؤية الإبداعية للمفهوم، لأنه دونها سيبقى عرضة لتسلط لغات الخشب، التي تمارس عليه هيمنتها المتعددة والمتنوعة الأهداف والأبعاد، متذرعة تارة بالصرامة الأكاديمية، وأخرى بالرؤية الحضارية، أو الضرورة السياسية. وكلها تبريرات من شأنها تحجيم فاعليته الإجرائية وتطويقها، كي تمركز آلية اشتغالها في برمجيات موجهة، بخلفياتها الأيديولوجية الجاهزة، والمؤطرة سلفا، بمهامها المحدودة والهشة في المكان والزمان.
شاعر وكاتب من المغرب