(1) في الثامن والعشرين من مايو المنصرم، نشر الزميل العزيز محمد كريشان على صفحات هذه الصحيفة مقالاً نفى فيه عن زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله صفة الغباء، ولكنه اتهمه ضمنياً بالتذاكي على الآخرين، قائلاً: ‘نصر الله… لم يكن غبيا بالتأكيد لأنه اصطف مع من هو مدين له بالبقاء… ولكن لا أدري لماذا يفترض زعيم حزب الله بأننا نحن الأغبياء حتى نقبل مبهورين بخياره هذا، المصلحي أو حتى الميكيافيلي، على أنه اصطفاف ضد الولايات المتحدة وإسرائيل’. ولا أدري ما هي معايير صديقنا كريشان للذكاء والغباء، ولكنني أكاد أجزم بأن قرار حزب الله بالاصطفاف المفضوح خلف النظام الشمولي الفاسد والمنهار هو أغبى قرار في التاريخ العربي، إن لم يكن في تاريخ العالم. إلا إذا استثنينا قرار ما يسمى بجبهة النصرة إعلان انحيازها لتنظيم القاعدة.
(2)
كنت قد كتبت أيضاً على هذه الصفحات في الثامن عشر من أبريل الماضي تأكيداً بأن التدخل في سوريا أصبح حتمياً. ولم يكن هذا رجماً بالغيب، وإنما كانت المعطيات واضحة بأن وضع العالم بين خيار إمارة للقاعدة في سوريا أو محمية إيرانية تحت إدارة حزب الله يفرض التدخل العاجل غير الآجل.
(3)
ولكن غباء حزب نصر الله لا يتمثل فقط في التدخل، فقد كان القاصي والداني لا يصدق ما يقوله الحزب عن عدم أو محدودية تدخله. ولكن الإعلان السافر بأنه قرر أن يخوض حرب سوريا حتى النهاية غير قواعد اللعبة. فلم يعد يكفي الدول الغربية أن تكسب الحسنيين بتوريط حزب الله وإيران في المستنقع السوري، وتوكيل حزب الله بالمهمة القذرة في محاربة المتشددين السنيين، ثم الانفراد بالمنتصر الضعيف بعد ذلك.
(4)
ليس لدى الغرب وإسرائيل صعوبة في إخضاع أو تدمير أي دولة ‘ممانعة’ أياً كان من يحكمها، ولكن المشكلة هي مع الجماعات المسلحة غير المنضبطة بدولة. وما ينطبق على الدول ينطيق على حزب الله، الذي أصبح دويلة لبنانية كما كان أداة في يد الدولة السورية قبل انهيارها السريع بداية من قرارها الغبي باغتيال الحريري عام 2005. فكل من حزب الله وسوريا كانا يخوضان حرباً باردة، والحرب الباردة هي نوع من ‘التطبيع’، لأنها تفترض أن يحترم الطرفان قواعد متفقا عليها تكون أحياناً معلنة (مثل ‘تفاهم نيسان’ عام 1996 بين حزب الله وإسرائيل)، وفي الغالب غير معلنة، تفترض وجود قنوات دبلوماسية مفتوحة بين الطرفين. وقد رأينا فعالية هذه القنوات في السرعة الخاطفة التي تم فيها التوافق بين إسرائيل وسوريا على السماح بدخول دبابات سورية إلى الجولان لاستعادة مخفر حدودي من الثوار. فعلاقة سوريا وحزب الله مع إسرائيل في هذا المجال أسلس من العلاقة مع مصر، و ‘الخط الأحمر’ مفتوح على الدوام.
(5)
الخطأ الأكبر في قرار حزب الله لم يكن فقط التدخل إلى جانب نظام قمعي يحتضر، وكفى به إثماً مبيناً، ولكن التبجح بهذا التدخل. فالإعلان يمثل من جهة تأكيداً لما كان يعتقده الجميع من أن النظام كان على شفا الانهيار (يذكرنا هذه بالرسالة المماثلة للاجتياح السوفيتي لأفغانستان في 1979 بعد تظاهر طال بدعم نظام حليف). ذلك أن سفور التدخل يغير قواعد اللعبة كما فعل التدخل السوفيتي، ويحول المسألة إلى مسألة كرامة بالنسبة للغرب الذي أعلن بوضوح أنه لن يقبل باستمرار نظام الأسد، ومثل هذا التبجح الإيراني-الروسي بدعم النظام هو تحديداً ما فرض على أوباما الدخول إلى حلبة كان يود ‘النأي بالنفس’ عنها لو أمكن.
(6)
قرار حزب الله بالتدخل والتبجح به يعتبر كذلك أشد القرارات ضرراً بوحدة المسلمين منذ الفتنة الكبرى، لأنه كرس الانقسام الطائفي ووجه ضربة للمعتدلين في الأوساط السنية ودفع آخرين، مثل قادة حماس والشيخ القرضاوي إلى مراجعة اصطفافهم السابق مع الحزب. وقد عزز هذا الفرز الطائفي بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأمة.
(7)
صحيح أن الاستقطاب الطائفي بدأ على خلفية الحرب بين العراق وإيران في الثمانينات، وبعد غزو العراق في 2003 وما أعقبه من صراع بين المستفيدين من الغزو (وأبرزهم إيران وحلفاؤها في المنطقة) ومعارضيه. ولكن الاستقطاب في معظم هذه الحالات لم يكن طائفياً محضاً، خاصة في أوساط الشعوب. فلم تقبل الغالبية السنية دعاوى بعض دول الخليج حول حرب العراق وإيران، كما أنها أيدت حزب الله، بينما وقف كثير من الشيعة ضد غزو العراق، بينما أيدته دول الخليج ومصر.
(8)
أما حالياً فلا يوجد ما يخفف من العامل الطائفي، وبصراحة يصعب وجود أي مبرر غير طائفي لوقوف حزب الله وإيران وحكومة المالكي مع نظام الأسد ضد ضحاياه. فلولا العامل الطائفي لوجب على كل هؤلاء الاصطفاف مع بقية الجنس البشري الذي يرى شرقه وغربه أن هذا نظام ارتكب من الجرائم ما يندى له جبين كل إنسان سوي، ويغلي له دم كل أبي. ورغم وجود أصوات شيعية تستنكر مواقف حزب الله وإيران، إلا أنها ما تزال هامشية ومقموعة، مما يزيد من عوامل الاستقطاب ويعمقه.
(9)
انعدام الذكاء في قرار حزب الله لا يعود إذن إلى المسألة الأخلاقية، رغم أهميتها المحورية، ولكن حتى من منطلقاته الماكيافيلية فإن نتائج القرارالكارثيه الحتمية على الحزب وأنصاره ينطبق عليها الحكم القرآني فيمن بدلوا نعمة الله بنقيضها وأحلوا قومهم دار البوار. فالحزب جرد نفسه من سلاحه الأخلاقي الذي لا تقوم لحركة مقاومة قائمة بدونه، وورط نفسها في معركة خاسرة دمرته أخلاقياً وسياسياً وستدمره عسكرياً. وقد كان بوسع حزب الله وإيران التفاوض للاتيان بنظام بديل يحفظ مصالحهما بدلاً من إهدار رصيدهما الأخلاقي والسياسي في دعم نظام سقط سلفاً وفتح معركة طائفية ستدوم لأجيال حتى بعد اندثار حزب الله وسقوط نظام الملالي في إيران، وكلاهما سيكون من نتائج هذه المغامرة الكارثية.
(10)
قد نتفق مع كريشان في أن نصر الله لا ينقصه الذكاء. ولكن لكل جواد كبوة، وبعض الكبوات تدق عنق الجواد.