الاختيار فيما بين بوريدان وهامسون يتطلَّب الجوع

يتباهى الإنسان بحصافته وفطنته وقدرته على التأثير على الآخرين، وجميعها مزايا قد لا تخضع للنفوذ أو الثراء أو حتَّى الفقر؛ فالإرادة الحرَّة بعيدة كل البعد عن المؤثِّرات الخارجية عندما يتحكَّم فيها الفرد وينمِّيها بطريقة تجعلها صلبة وثابتة أمام مختلف الظروف. لكن المختبر الحقيقي لإرادة الفرد ومبادئه هو «الجوع».
يعد «الجوع» أكبر الأعداء على الإطلاق، ليس فقط للجنس البشري، بل أيضًا لكل كائن حى. فالجوع يعمل على تشويش العقل ويحدث اضطرابًا في الشخصية. وفي عالم الحيوان، على سبيل المثال، قد يصادق الأسد أو النمر قطَّة أو حتى بطة، ناهيك عن صداقته للبشر، لكن في حالة الجوع، لا يتورَّع عن أكل ذاك الصديق، وإن أصابه الحزن أو الاكتئاب فيما بعد، لكنه لا يملك إلَّا أن يشبع جوعه، وهناك أمثلة لا حصر لها عن تلك الحالات.
فالجوع سياسة ينتهجها العدو في الحروب لإخضاع الخصوم، وكذلك يستخدمه الديكتاتور لإخضاع الشعوب الثائرة. وعلى مستوى الأفراد، قد يجبر الجوع شخصًا شريفًا لأن يقترف الموبقات من أجل توفير ما يقيم أوده، ومن أشهر الأمثلة على ذلك رواية «البؤساء» للكاتب الفرنسي «فيكتور هوجو»، التي يسرق بطلها في بداية الرواية لسد جوعه؛ لكن بعد توافر المال لديه، ينكشف النقاب عن شخصية نبيلة ذات مبادئ جديرة بالاحترام.
ولقد شغل «الجوع» خاطر وأفكار العديد من الفلاسفة والمفكِّرين، بوصفه حالة جديرة بالدراسة، ولها تأثير بالغ على إرادة الإنسان الحُرَّة، وهذا لما للجوع من سيطرة عظيمة على الحالة المزاجية والنفسية. وأحد هؤلاء الفيلسوف الفرنسي «جان بوريدان» Jean Buridan (1301-1358)، وهو فيلسوف وقس ذو حيثية ونفوذ في فرنسا خلال القرن الرابع عشر. ولقد اشتهر «بوريدان» بمفارقته التي يوضِّح فيها صعوبة اتِّخاذ القرارات إذا جابه الفرد خيارات متساوية الجاذبية، وتلك المفارقة تسمَّى «حمار بوريدان». وفي تلك التجربة الفكرية يصف موقف حمار افتراضي قد بلغ منه الجوع مبلغه، فوضع بين كومتين متطابقتين من القش، وكان موضعه في منتصف المسافة تمامًا. ولأن الكومتين متساويتان في الحجم والجاذبية، أصبح الحمار لا يمتلك سببًا لتفضيل إحداهما على الأخرى وبالتالى الاختيار؛ فالاختيار يعني التفضيل والانحياز. ولهذا شُلَّت حركته، وأصبح عاجزًا عن اتخاذ القرار، فما كان منه إلَّا أن تسمَّر في مكانه إلى أن مات جوعًا. وتبرز هذه التجربة أن محاولة السعي وراء اتخاذ قرار متوازن لن تفضي إلَّا إلى التقاعس، فالانحياز حتمية لا يمكن الهروب منها.
ولقد ناقش نفس المعضلة الكاتب النرويجي البارز «كنوت هامسون» Knut Hamsun (1859-1952) الحائز جائزة نوبل عام 1920 وصاحب التأثير القوي والبارز على العديد والعديد من عظماء الأدباء المفكِّرين الحداثيين، ومنهم «فرانتس كافكا» Franz Kafka و»توماس مان» Thomas Mann و»إرنست هيمنجواي» Ernest Hemingway. ويتميَّز كل هؤلاء الكتَّاب بأعمالهم الأدبية فلسفية الطابع، وهو نفس الأسلوب الذي انتهجه «كنوت هامسون» الذي يوصف بأن أعماله الأدبية تتقفَّى نفس خطى «ديستويفسكي» Destoevesky ويبرز فيها الجانب الفلسفي الذي يتميَّز به «فريدريك نيتشه» Friedrich Nietzsche.
ومنذ أن خطت قدما «هامسون» أعتاب مجال الأدب، أظهر تفرُّدًا مصحوبًا بتمرد على المنهاج الأدبي المتَّبع، فأصبح رائدًا للأدب الحداثي عندما رفض تياري الواقعية والطبيعية، واهتم عوضًا عن ذلك بما يدور في عقل الإنسان وحاول أن ينقل ذلك من خلال كتابة أعمال يسيطر عليها تيَّار الوعي ومحاولة تحليل الجانب النفسي للشخصيات، بحيث يصنع عالمًا متكاملًا يسهل من خلاله أن يدخل القارئ إلى عالم افتراضي تنبض أرجاؤه بواقعية بالغة. وتعزيزًا لرؤاه الفلسفية ذات الصياغة الفريدة، أصبح هامسون زعيمًا للثورة الرومانسية الجديدة في مطلع القرن العشرين، والتي استهلها بأعماله التي لفتت انتباه النقَّاد والقرَّاء على حد سواء فور صدورها، ومنها «الجوع» (1890)، و»الألغاز» (1892)، و»بان» (1894)، و»فيكتوريا» (1898). ولقد استثمر مشوار حياته الأدبي الذي يزيد على السبعين عامًا في تطوير ذاته وأسلوب كتابته؛ ليضمن ريادة دائمة على الساحة الفنية، فاستخدم اللهجة المحلية والسخرية والفكاهة في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى التصوير الفوتوغرافي للحياة اليومية في الريف النرويجي، ما منح أعماله مكانة في تيار الواقعية النرويجية الجديدة.
وكافة أعمال «هامسون» تؤكِّد أهمية قوَّة الإرادة وتنمية الإرادة الحرَّة التي لا تنال منها العقبات. وبالنسبة له، سقوط إرادة الإنسان الحرَّة ترادف فناء الروح والإنزلاق صوب الهاوية، وهذا المبدأ كان يطبِّقه «هامسون» على نفسه قبل أن ينصح به أي فرد، ولربما كان ذلك سرّ نجاحه.
نشأ «هامسون» في أسرة تعاني من فقر مدقع. وفي سن التاسعة، حُرِم من الدفء العائلي عندما أرسل للعيش مع عمّه «هانز أولسن»، الذي كان سببًا مباشرًا في معاناة «كنوت هامسون» من مشكلات عصبية مزمنة لازمته طوال حياته. فلقد كانت قسوة عمّه شديدة الوطأة، وخاصة أنه كان يدأب على ضرب وتجويع ابن أخيه، ويتَّخذ من ذلك منهاجًا لكسر الإرادة الحرَّة لذاك الطفل التعس. ولقد عبَّر «كنوت هامسون» عن تلك المعاناة بصورة فريدة في أولى رواياته «الجوع» (1890)، التي كانت تقريبًا تحكي مشاهد صادقة من قصة حياته ومعاناته في الواقع.
وتستعرض الرواية ألواناً متعددة من الجوع؛ جوع حقيقي، وجوع عاطفي، وجوع مادي، وجوع مهني، وجوع للنجاح وتحقيق الذَّات، وأي لون من هؤلاء كفيل بأن يدمِّر إرادة الإنسان الحرَّة. وتدور أحداث الرواية في أربعة أجزاء تحكي قصة شاب فقير يعمل كاتبًا صحافيًا، سبق أن تم نشر كتابًا له. وطوال الأربعة أجزاء، يعاني الشاب من جوع شديد وندرة في المال، ما يجعله غير قادر على شراء ما يقيم أوده. لكن الأمل يفعمه في كل جزء ويحاول جاهدًا أن يكتب مقالًا يقدِّمه لصحيفة تقبل نشره، فتمنحه مكافأة يشتري بها طعاماً يسد جوعه. وينتهي كل جزء بتوافر القليل من المال في يده.
ولقد حرص «كنوت هامسون» على ألَّا يعطي لبطل الرواية اسمًا، بل اكتفى بالإشارة إليه بمصطلح «الراوي»، في حين أنه منح الشخصيات الأخرى أسماء، وكان لكل منها دور في مسيرة «الراوي» فاقم من مشكلة جوعه. وبالقياس على بطل رواية «الجريمة والعقاب» Crime and Punishment للأديب الخالد «فيودور ديستويفسكي» Fyodor Destoevsky، فإن شعور الاستحقاق لدى بطل الرواية ملحوظ. لكن على عكس بطل «ديستويفسكي»، يعاني «الراوي» بسبب عزَّة نفسه وتمسُّكه بمبادئ مثالية ينأى عن التخلِّي عنها. وما يساعده في ذلك، الأمل المتأجج في نفسه الذي يدفعه لتحقيق ذاته من خلال مواصلة عمله ككاتب؛ لأن هذا ما سوف يمنحه المال والمكانة الاجتماعية، كما يصبو دائمًا وأبدًا.
ولهذا، يترك بكل أريحية، المسكن الذي يعيش فيه ولا يستطيع تدبير إيجاره، على أمل أن مقاله القادم سوف يوفِّر له المال للانتقال للسكن في مكان أفضل. ولا يجد غضاضة في أن يقتسم ما لديه من مال مع أحد المتسولين، بالرغم من أنه رهن معطفه من أجل الحصول على ذاك المال. وحتى عندما يتم قبول استضافته في أحد بيوت المشرَّدين، ينأى عن أخذ كوبونات الحصول على الطعام؛ لأنه يرى أن هناك آخرين جديرين بهذا الطعام، لكنه يستطيع كسب المال كلَّما قبلت الوكالات الصحفية مقالاته.
لكن العدو الحقيقي الذي يتربَّص بأي كاتب هو «عدم القدرة على الكتابة بسبب انقطاع الإلهام». وانقطاع الإلهام سبب رئيس لجوعه ومعاناته من فقر مدقع وتشرُّد في الشوارع. لكن أيضًا الجوع وعدم وجود من يحنو عليه سبب في انقطاع الإلهام. ومن المذري أن عمَّ الراوي يمتلك متجر الرهونات الذي يأخذ متعلَّقات الراوي؛ فهو لا يقبل أن يصير مصدرًا للإحسان حتى على ابن أخيه، فالعم يعاني من جوع شديد للمادة. أمَّا الراوي، فينأى أيضًا عن ذاك الحنان الذي منحته له فتاة لديها جوع عاطفي. وعندما يعطيه الخبَّاز نقودًا عن طريق الخطأ، والتي هي باقي حساب امرأة عجوز، يفرح بها «الراوي» بسبب الجوع الذي ينهش جسده، ويذهب لشراء وجبة دسمة تحتوي على اللحم، ولكن معدته لا تستطيع تقبُّلها، ويتقيَّأ على الفور؛ والسبب أنه لا يستطيع الانزلاق في عالم من الفساد بسبب جوعه. بل إنه أيضًا يعطي للعجوز مالها عندما يبيع مقاله. وعلى الجانب الآخر، يترك نفسه بلا مال ليشتري بعضًا من الطعام.
في نهاية الرواية، بعد أن يرفض الكاتب جميع الوسائل لتحقيق شهواته والتي جميعها تتطلَّب أن يتنازل عن مبادئه، يترك العيش في مدينته، ألا وهي العاصمة، عندما يجد وظيفة على متن سفينة؛ فهناك سوف يجد المأوى والطعام بطريقة شريفة، وفي نفس الوقت، سوف يمارس شغفه ككاتب.
رواية «الجوع» هي تجسيد لمبدأ الإرادة الحرَّة لدى «نيتشه» Nietzsche، وهو من أصعب المبادئ التي قد يتمسَّك بها أي شخص. ولقد ساعد أسلوب الكاتب السهل الممتنع الذي لا يحيد عن الجمل القصيرة المقتصدة الخالية من التنميق اللغوي، أن يسبر أعماق النفس البشرية ويصل لإجابة سؤال لطالما حيَّر الفلاسفة والمفكرين، وهو السؤال عن ماهية الحقيقة. فكما يعتقد «هامسون»، ذكر «الراوي» أن «الحقيقة ليست موضوعية ولا وجهة نظر متوازنة؛ الحقيقة ذاتية غير أنانية». فلو اخترت الإرادة الحرَّة يجب أن تعلم أنها لا تتأتى إلَّا من خلال التشبث بالحقيقة وعدم التنازل عن المثل العليا، والتي جميعها تنحاز إلى الذاتية غير الأنانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية