سمير الحجاوي’ تبدو السياسة الأمريكية مرتبكة ومترددة حيال ليبيا، الأمر الذي انعكس على مجمل التصريحات السياسية لأقطاب إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وزعماء المعارضة بل إن هذا الارتباك تجلى في عدد من تصريحات الجنرالات الأمريكيين. ففي الوقت الذي اعتبر فيه اوباما تدخل بلاده في ليبيا يصب في ‘المصلحة القومية’ الأميركية بوصفها ‘مصلحة إنسانية وعملية جدا أيضا’، ذهب إلى أن ما يجري في ليبيا قد يكون له أثار وخيمة في المنطقة بأسرها’. الرئيس الأمريكي بدا حملته الدبلوماسية بتوجيه إنذار نهائي للعقيد معمر القذافي وتحذيره من مواجهة عواقب إذا لم يلتزم بمطالب الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار ووقف الهجمات ضد المدنيين، مؤكدا أن هذه ‘الشروط ليست محل تفاوض’، واعتبر أن ‘القيادة الأمريكية ضرورية’ للعمليات في ليبيا.
لكن اوباما سرعان ما واجه تشكيكا من قبل منتقديه الذين وجهوا له نقدا شديدا لتحركاته عبر عنها جون بينر رئيس مجلس النواب الأمريكي الذي دعاه إلى ‘شرح أهداف المهمة الأمريكية في ليبيا والكيفية التي تعتزم إدارته تحقيقها’، وبعد ذلك بأيام غير اوباما رأيه وقال إن ‘ بلاده ستسلم العمليات لتحالف دولي’ وأعلن عن ‘خفض كبير’ في طلعات الطائرات الأميركية فوق ليبيا. وواكب ذلك تصريحات عدة أسدلت حالة من الضبابية على الموقف الأمريكي، فقد شكك الأميرال مايك مولن رئيس الأركان الأمريكي بنتائج التدخل الأمريكي وقال’ إن النتيجة النهائية للتحرك العسكري في ليبيا غير مؤكدة إلى حد بعيد، ومن الممكن أن ينتهي الوضع إلى حالة جمود مع العقيد القذافي’، وأكد قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا إن قوات التحالف ‘لا تسعى لتدمير الجيش الليبي بصورة تامة وان مهاجمة الزعيم الليبي ليست جزءا من مهمته، وان هدف عمليات القوات الأمريكية لا تهدف ‘لتوفير دعم جوي لقوات المعارضة التي تقاتل القذافي’. على الجانب الآخر انتقد السناتور الأميركي جو ماكين تأخر أوباما باتخاذ قرار بشأن ليبيا، لكنه أعرب عن ثقته ‘بان إخراج القذافي من السلطة هي مسألة وقت’، وهو التصريح الذي سارع رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية الأميرال مايكل مولن إلى الرد عليه بقوله ‘إن الضربات الجوية ضد ليبيا لا تهدف إلى ‘إزاحة القذافي من الحكم’، ووافقه وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس بقوله إن ‘الليبيين بحاجة إلى تحديد مصير القذافي بأنفسهم’، وذهب ابعد من ذلك حين بشر بتخلي الولايات المتحدة عن قيادة العمليات في ليبيا وان الجيش الأمريكي سيكتفي بدور الإسناد والدعم. هذا السرد الطويل للمواقف الأمريكية يبين مدى الارتباك الأمريكي، فالإدارة الأمريكية التي أعلنت في البداية عن قيادة العمليات سرعان ما تراجعت، وطرحت نقل القيادة لحلف شمال الأطلسي، لكن مشكلة هذا الطرح انه يواجه اختلافات في وجهات نظر أعضاء الحلف على من سيقود الحملة العسكرية على ليبيا بعد الولايات المتحدة، وهو ما دفع المسؤولين الأمريكيين إلى اقتراح’ أن يتولى الحلف إدارة العمليات دون أن يكون مسؤولا رسميا عن القيادة’ وهذا طرح غريب جدا، إذ كيف يمكن تنفيذ حملة عسكرية كبيرة دون قيادة واضحة’. الارتباك الأمريكي يمكن إرجاعه إلى احد أمرين، الأول هو أن واشنطن متورطة في حربين كبيرتين مكلفتين في العراق وأفغانستان، ولا تريد أن تخوض غمار حرب ثالثة، فجيشها منهك، واقتصادها لا يتحمل تمويل حرب ثالثة.
أما السبب الثاني فهو أن الولايات المتحدة تعتبر ليبيا حديقة خلفية لأوروبا واحد أهم مراكز مصالحها الحيوية وبالتالي يجب على أوروبا أن تقاتل دفاعا عن مصالحها باستخدام جيوشها وليس باستخدام الجيش الأمريكي. وفي الحصيلة النهائية سيدفع الليبيون ثمن هذا الارتباك والاختلاف من دمائهم وثرواتهم ومستقبل بلدهم، فالدول الكبرى تتحرك بغريزة مصالحها ولو على حساب دماء كل الليبيين.’ كاتب فلسطيني