الارتباك الامريكي مع ليبيا

حجم الخط
0

محمد كريشان

الثورات العربية لا تأتي فرادى هذه الأيام، وكذلك مصائب الدبلوماسية الأمريكية في التعاطي معها. آخرها مع ليبيا فواشنطن تبدو مرتبكة ومواقفها بخصوص استمرار قمع العقيد القذافي لشعبه ملتبسة. وقد شكل هذا الموضوع مادة سجال كبيرة بين السياسيين والمحللين الأمريكيين من ذلك أن مايكل سينغ المدير السابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الامريكي يرى أن الولايات المتحدة تخلت عن قيادة العالم الحر ولم تعد في صدارته، وأن مصداقيتها على الصعيد الدولي تعرضت إلى لطمة مؤذية، حيث لا تزال واشنطن تقف موقف المتفرج على ما يجري في ليبيا بالرغم من تصريحاتها القوية. ويضيف سينغ في مقابلة مع إحدى شبكات التلفزيون الأمريكية أن بلاده لم تصل إلى حيث يجب أن تكون في مواقف كهذه، بل إنها لم تكن من بين القوى التي تقف إلى جانب القرار الذي تعمل كل من فرنسا وبريطانيا على استصداره داخل مجلس الأمن الدولي. هذا الأمر يعزز المخاوف التي تساور أوساطا أمريكية كثيرة من أن الولايات المتحدة بدأت تسحب نفسها من الشرق الأوسط، وهي سياسة ستزيد جرأة تلك الأطراف المناوئة لها في أماكن أخرى في المنطقة مثل إيران، كما يقول سينغ.

هذه الآراء النقدية الجريئة تدخل في سياق ما يراه بعض المحللين من أن أمريكا الآن تواجه أسوأ وضع من نوعه، لأن الرئيس أوباما من جهة كان قد دعا القذافي إلى التنحي عن السلطة ومغادرة البلد ومن جهة أخرى لم يفعل شيئا بهذا الاتجاه سوى فرض بعض العقوبات التي لا يمكن سوى أن تعطي مفعولا على المدى البعيد.

هذا التردد الأمريكي أو حتى التراخي يرجعه البعض إلى أن واشنطن متخوفة من هوية هؤلاء المسلحين الذين يقاتلون كتائب القذافي ولا تستبعد أن يكون من بينهم عناصر من السلفية الجهادية التي سبق لها أن كانت في سجون القذافي أو ممن عاد إلى البلاد من مناطق عربية ملتهبة. ومع ذلك، فهذا الالتباس لم يمنع محللين آخرين من القول إن هؤلاء المقاتلين لن يكونوا بديلا أسوأ من نظام العقيد. وحتى دون معضلة هوية المقاتلين الثوار في ليبيا، فإن واشنطن ما كان يعوزها أصلا الارتباك الذي طبع التعامل الأمريكي مع ثورات كل من تونس ومصر وما يشهده الآن اليمن والبحرين. من الممكن تفهم حرص الإدارة الأمريكية على تجنب أي تورط عسكري جديد في بلد مسلم بعد التجارب المريرة في أفغانستان والعراق ولكن من الصعب فهم هذه الحماسة الضعيفة لفرض منطقة حظر جوي على ليبيا مقارنة بما تبديه دول حليفة لها مثل فرنسا وبريطانيا. ولعل ما يشفع قليلا للأمريكيين أن إدارتهم تواجه في ليبيا حالة غير مسبوقة في البلاد العربية فهي فضلا عن دخول السلاح فيها عنصرا جديدا لا تبدو آفاق المواجهة واضحة. في لحظة ما بدا للأمريكيين إصرار التونسيين على إسقاط بن علي وإصرار المصريين على تنحي مبارك إصرارا لا يلين وغير قابل للمساومة فاختارت واشنطن في الوقت المناسب إجمالا أن تصطف إلى جانب شعبي البلدين لكن الأمر مختلف في الحالة الليبية: كر وفر يصعب جدا معه لأي كان أن يجزم مطمئنا لمن ستكون فيه الغلبة. و مع أن القذافي الابن لم يتردد في إشهار تلك الكلمة المعروفة من حرفين في وجه الولايات المتحدة، ومع أن والده الذي يقول أن لا منصب له سوى المنصب الاعتباري كقائد ومرجعية يهدد الأمريكيين بأنه قد يتحالف مع بن لادن ويعلن الجهاد ضدها وهو الذي كان قبل أيام يحذرها من القاعدة ويبتزها بها، فإن واشنطن ما زالت لم تحزم أمرها بالكامل وكأنها بصدد انتظار شيء ما نجهله. ويوم تقرر فعلا وقطعيا أن تختار موقعها وتحدد خطوتها المقبلة فربما يكون الوقت قد صار متأخرا وغير قابل للتدارك ساعتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية