الاردن: تهميش المعتدلين الاسلاميين تحضيراً لمغامرة سياسية جديدة؟

حجم الخط
0

جـمـال الـطـاهـات

يعاني التيار المعتدل في الحركة الاسلامية من تهميش منهجي ومتعمد تقوم به الحكومة واجهزة الحكم في الاردن من اجل خلق الفرصة والمناخ المناسب لضرب الحركة الاسلامية. وبالرغم من عدم بروز مبررات محلية ودولية لضرب الحركة الاسلامية في الاردن، الا ان هناك اعتقادا بان الحكومة تقترب من خطوة سياسية كبري وتري في الحركة الاسلامية عائقاً في الطريق. ومن جهة اخري فان هناك نخبا فاسدة وغير ديمقراطية في جسم الدولة، تريد تصفية الاسلاميين حتي تتمكن من ممارسة نهبها للموارد وسيطرتها علي السلطة من غير حساب.

والاعتقاد بان الحركة الاسلامية كتلة واحدة وتشكل عقبة في وجه الدولة، طعم سياسي تريد النخبة الفاسدة من الجميع ان يبلعه، بحيث يكون ثمن مشاركتها بالمغامرات السياسية المتوقعة ازالة خصم سياسي داخلي من طريقها يمكنها في المستقبل من القيام بالنهب والسيطرة دون حساب. ويصر بعض رموز هذه النخبة علي ان الحركة الاسلامية عدو، ويعتمدون منطق يغطيه المثل الاردني القائل عنزة حتي لو طارت. فهم يريدون تهميش المعتدلين والاشتباك مع المتشددين. ويبدو ان زيادة منسوب السياسة الخارجية في خطاب الحركة الاسلامية، وطغيان الايديولوجيا عليه، قد لا يمكنها من تجنب هذا المصير، ويضعف قدرتها علي المناورة. مع ملاحظة جانبين: الاول ان الحركة الاسلامية اضعف بكثير من ان تكون ذات تأثير حاسم علي القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية. كما ان وزن وفاعلية الحركة الاسلامية يتأتي من طبيعتهم الاجتماعية وتبنيهم للمطالبة بالاصلاحات الديمقراطية، ومحاربة الفساد. في حين ان خطابهم الايديولوجي المتعلق بالسياسة الخارجية يمنحهم بعض الشرعية المحلية. والمبررات المستخدمة لمهاجمة الاسلاميين هي خطابهم المتعلق بالسياسة الخارجية. ولكن السبب الحقيقي هو من اجل تغييبهم كعامل من عوامل التحول الديمقراطي والاصلاح في الاردن. الاستنتاج بان مبررات الهجوم علي الاسلاميين تختلف عن الاسباب الحقيقية يستند الي ارتباك الخطاب الرسمي في التعامل مع الاسلاميين. استمرار الهجوم الحكومي علي الحركة الاسلامية، دون ان يحدد هدفا واضحا لهذا الهجوم تاكيد بان المطلوب هو استفزاز الحركة الاسلامية من اجل مواجهة تسعي لها الحكومة. كما ان غياب اهداف ومبررات معلنة لهذا الهجوم اشارة تثير الكثير من الاسئلة. فالسؤال الاهم والاكبر هو: لماذا تبادر الحكومة في الهجوم علي الحركة الاسلامية ما دامت الحركة في الاردن ليست انقلابية، وليست حركة عنيفة، ولا تثير اي نوع من القلاقل الامنية، او تساهم باي نشاط من شانه تعكير صفو الاستقرار الامني؟ عدم وضوح مبررات هجوم الحكومة علي الاسلاميين، وعدم علنية اهداف الحكومة في هذا الهجوم، تكشف حالة انفعالية وراء الهجوم الراهن علي الحركة الاسلامية، وعدم الوضوح يقدم فرصة للكثير من التفسيرات، ويقدم فرصة لاتهام الحكومة بانها بهذا الهجوم تنفذ اجندة خارجية، وبالتحديد تنفذ طلباً اسرائيلياً امريكيا كما ذهب الي ذلك امين عام حزب جبهة العمل الاسلامي زكي بني ارشيد. وقول بني ارشيد ليس سخفاً ولا تخريفا. فعندما تقوم الحكومة بما تقوم به دون ان تقدم تفسيراً او تبريراً لهذه الافعال الاستثنائية فانها تكون في خدمة ارادة غير وطنية، وفي خدمة اهداف واجندات سرية. الصفة الوطنية لاي حكومة تتاتي من قدرتها علي ان تقدم مبررات واضحة لانشطتها السياسية، وتقدم ايضاً تحديداً واضحاً لاهداف ما تقوم به. واذا لم تستطع الحكومة ان تقدم اجابات علي سؤالي المبررات والهدف، فانها تنفذ تعليمات، ولا تنفذ سياسات ضرورية تمليها المصلحة الوطنية. فالذي ينفذ تعليمات صادرة له لا يملك ان يقدم مبررات لما يقوم به، ولا يملك ان يحدد اهداف ما يقوم به. والفرق الجوهري بين صاحب القرار والسيادة، ومنفذ التعليمات هو في القدرة علي تقديم مبررات للقرارات والافعال، وتقديم اهدافها بشكل واضح، ويستند الي نقطة مرجعية توحد الجميع. ولكن ان يتم طرد احد الاكاديميين الاسلاميين المعتدلين من عمله في الجامعة، ثم ان يقوم بعد ايام رئيس الوزراء بمهاتفته معتذراً ومؤكداً عدم معرفته بما يجري، فان ذلك يشير الي حالة ارتباك حقيقية، منبعها ليس قوة الاسلاميين وحجمهم، بل غياب الدقة والوضوح عن الهدف الذي يحرك الهجوم عليهم. هناك سؤال مطروح من قبل الحركة الاسلامية في الاردن، وهو ما الذي تريده الحكومة؟ وهذا السؤال يؤكد علي غياب اي نوايا عدوانية لدي الحركة. فعندما تعرضت لهجوم قبل قرابة العام، وافقت علي توقيع اعلان نوايا قدمته لها الحكومة دون اي تغيير. والعديد من قيادات الحركة يسأل ما هو المطلوب الآن؟ لقد كانت هناك تخوفات من الحركة الاسلامية نشأت بعد انتخاباتها الداخلية. حيث ترافق صعود التيار المعتدل في الحركة الي مراكز تنظيمية متقدمة مع صعود رموز جديدة في بنية النظام، ومع تغييرات بنيوية علي طبيعة علاقة الدولة بالمجتمع. وكان من الضروري تبديد المخاوف وعدم الثقة، بان تقوم قيادة الحركة الاسلامية بنشر بيان يؤكد تمسكها بثوابت الوطن والدولة. ولكن بعد اشهر من نشر بيان التطمينات، عاد الهجوم علي الحركة الاسلامية. مما يؤكد بعض الشكوك بان المطلوب هو تطويع واضعاف الاسلاميين في اطار التحضير لمغامرة سياسية كبري. اذ ان التفسير الوحيد المقنع، ليس كما ذهب البعض، من ان الحكومة التي تقترب من نهايتها تحاول تمديد عمرها بصدام مع الاسلاميين، بل ان التفسير هو سعي الحكم لازالة عقبة من طريق مغامرة سياسية يتم التحضير لها الآن. وهناك تاكيد علي ان البحث عن اسباب ومبررات لغضب الحكم هو خطوة في اطار التحضير لعقد وتمرير صفقات خاصة علي مسار التسوية، ووجود نخبة تريد ان تتخلص من الاسلاميين في الاردن بحجة انهم عائق حقيقي يمنع من القيام بمثل هذه الخطوة.

ويتم تهميش الاسلاميين المعتدلين، في اطار رسم خط المواجهة بين الحكومة والمتشددين علي امل ان تصبح المعركة مع الاسلاميين معركة ضرورية للدفاع عن قانونية الدولة ومدنيتها، ووحدة واستمرار بنية النظام السياسي. وهي تنتظر من وراء عملية الاستفزاز المتكرر، التي تنفذها الآن، ان يقوم الاسلاميون بأي خطأ يعطي مبررات لتنفيذ هجوم كاسح ضد الحركة. اي ان الحكومة تنتظر ان يقوم الاسلاميون، بتقديم المبررات للحكومة لتقوم بضربهم. وهذا الانتظار يستند الي مجموعة فرضيات اهمها ان التكوين الداخلي للحركة الاسلامية يضيق هوامش المناورة لدي قيادتها، وبسبب سيطرة الايديولوجيا علي التفكير السياسي فان الحركة عاجزة عن المبادرة برسم خطوط بديلة للمواجهة. وبذلك فان الاخطاء المتوقع ان تصدر عن الاسلاميين هي التي ستقدم المبررات لقيام الحكومة بضرب الاسلاميين، ويختفي عندها السؤال عن الهدف الذي من اجله قامت الحكومة باستفزازهم. عندها ستبدو الحكومة بانها قامت بواجبها في الدفاع عن نفسها في وجه هجوم من قبل الاسلاميين المتشددين (الذين ستلصق بهم كل التهم الممكنة)، وانها قامت بحماية الوطن وامنه واستقراره مع حشد كل مفردات هذه المعزوفة.

غياب المبررات التي تجعل مواجهة الاسلاميين، او الهجوم عليهم ضرورة وطنية، يؤكد علي ان الهدف هو خطوة استباقية تهدف الي اضعاف الاسلاميين باعتبارهم عقبة في وجه خطوة سياسية يتم التحضير لها الآن.

ہ كاتب من الاردنe-mail: [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية