الاردن: على عتبات عهدٍ جديد أم إعادة إنتاج النظام وتأهيل رموزه؟

حجم الخط
0

د. لؤي منور الريماويسيجادل البعض أن النظام الأردني في فترة خلت كان في كثيرٍ من جوانبه نظام تثبيت المكاسب الفاسدة لمحاسيبه في تلاقي المصالح التبادليّة بين حيتانه في ظل شرذمة الأردن الى مناطق نفوذ سياسية وإقتصادية على حساب سيادة القانون وقيم الشفافيّة. هذه حقيقة لا يُنكرها الاّ المُستهزئ بعقل الأردني ومستوى وعيه وادراكه.بالتأكيد إن فتح صفحة جديدة وإغلاق أخرى قديمة يعني أننا نترك وراءنا حقبة سابقة عنوانها الخطأ الجسيم وسوء الأداء مستنبطين العبرة من الأسباب والمسببات والعوامل التي أدت الى الفشل والإخفاق. ولكن السؤال المشروع هنا فيما إذا كان الأردن فعلاً على عتبات عهدٍ جديد أم أنه فقط أمام إعادة إنتاج للنظام وتأهيل رموزه من الذين جسّدوا قيم النفاق والتسلق الإجتماعي والمحسوبية الممنهجية على حساب سيادة القانون وقيم الأردن العُليا؟. الإجابة على هذا السؤال بسيطة وغير قابلة للمرواغة، لا سيما وأن المواطن الأردني قد فقد الثقة بالمنافقـــــين من المحاسيب والأصهار في حلولهم السطحية والألتفافيّة. فلقد سطوا مثل الوباء الذي طال الغالبية العُظمى من مفاصل الدولة الأردنيّة الرسمية والخاصة وتركوا إرثاً ثقيلاً من ثقافة الإستثناء والحلقات الإستنفاعيّة المُغلقة التي شرّعت التحايل على القانون وغيّبت أسُس الرقابة الجادة. قائمة هؤلاء المحاسيب تطول، ولكن على سبيل المثال لا الحصر بقي بعضهم وبشكل مخالف للقانون حتى على رأس اهم مؤسسات الرقابة المالية في الأردن كما حدث في رئاسة هيئة الأوراق المالية الأردنيّة في عهد أحد رؤساء الهيئة السابقين والذي تربطه علاقة نسب مع القصر الملكي الأردني. فلقد بقي هذا الرئيس ما يُقارب ثلاثة عشر عاماً وبشكل مخالف حتى لقانون الهيئة نفسها في ظل التقصير الرقابي الخطير في عهده والذي تسبب بخسارة الملايين للمواطنين الأردنيين فيما يُسمى بقضية البورصات الأجنبيّة. وللآن لم تسترد هيئة الأوراق المالية عافيتها بعد اكثر من عقد من الإهمال الرقابي والتسلط الأدائي.بعض الوزارات كانت من الأمثلة الأكثر وضوحاً في الأردن على تغلغل المحسوبية الممنهجة، ممثلة بوزرائها الذين صنعوا ‘نجاحهم’ من خلال منهّجة التسلق الإجتماعي والمصاهرة، معتقدين أن الظروف التي مكنتهم من إستغفال الناس والتلاعب الوظيفي للوصول الى مناصبهم العُليا ما زالت قائمة. فبدلاً من إستقالاتهم الفوريّة والإعتذار الرسمي للشعب الأردني بإستوزارهم لأنفسهم لسنوات طويلة على حساب قيم النزاهة الوطنيّة الأردنيّة، ما زالت هذه العينات حتى وقت قريب تظهر على وسائل الإعلام لتُذّكر الناس بمواقعها الفاسدة ولتدعم كل المشككين بجديّة الملك عبدالله الثاني في تفعيل إصلاحات جذرية وشاملة.ويبقى التشكيك لعدم فتح كل ملفات الفساد الكبرى والتي تحوم حولها الشُبهات والتي تشير الى تورط أبناء كبار المسؤولين الى جانب وزراء وأصحاب نفوذ يرتبطون بعلاقات نسب ومصاهرة. وكذالك الغموض الشديد في إدارة بعض قضايا الفساد الحساسة والتي شغلت الرأي العام الأردني وبخاصة في المراحل الأولى من التحقيق (أو عدمه) مع بعض المتهمين الذين تربطهم علاقات مصاهرة مع العائلة المالكة. فمثلاً لم يتم فتح ملف بعض الأصهار بجديّة أمام المحاكم الأردنيّة الا بعد هروب المعنيين الى لندن بدلاً من البقاء في عمان للدفاع عن أنفسهم بكل شفافية أمام القضاء الأردني لتوضيح سلامة تصرفاتهم ونزاهتها، كما يحدث الآن بشأن المتهم وليد الكردي في قضيّة شركة الفوسفات. هذه المماطلات الإجرائية وفرت أرضــــيّة خصبة للإشاعات عن ماهيّة المستفيدين الحقيقيين من جراء هذه التفاهــــمات المزعومة. ولكن الحقيقة اليوم أنه بالرغــــم من الإرتباكات الإجرائيـــة الأوليّة وقلّة الخبرة في مكافحة حيتان الفســــاد، فإن مفاهيم محاربة الفساد في الأردن قد تطورت وبشكل كبير لتُصبح ركيزة أساسيّة وأيديولوجيّة في صُلب النظام وبشكل يفاجئ كل المتمترسين في الإنتقاد. فالدوائر القضائيّة والأمنيّة في الأردن تضطلع بهذا الواجب الوطني الــــيوم بلا قيـــود وبمنتهى التصميم لفتح ملف كائنٍ من كان من الفاسدين كما سيؤكده القادم من الأيام.ولكن السؤال الأكثر الحاحاً هومن إين يأتي الإصلاح، هل من القصر الملكي الأردني أم من البرلمان أم من الحكومات أم من الأحزاب؟ سيشكك البعض بقدرة الحكومة الجديدة والتي بإنهماكها التنفيذي قد لا تكون قادرة مرحلياً على الإضطلاع بهذه المهمة، وبخاصة في ظل غياب الديناميكية الحزبيّة والتي كانت سوف تُزودها بالزخم الإستراتيجي التنظيري، كما هو الحال في الأحزاب الكبيرة في الديموقراطيات المتقدمة. وسيقول البعض أن حاشية القصرالملكي الأردني من بطانة فاسدة أو متجاوزة لحدودها الدستورية هي من الأسباب الرئيسة التي أزّمت الأردن بإعتدائها على مبدأ الولاية العامة. ولكن هذا الجواب يفترض أن بطانة القصر الملكي ستكون دائماً فاسدة أو مُفسدة تلعب دور حكومة الظل التخريبي كما كان الواقع في فترات خلت.ولو نظرنا الى دور البرلمان الأردني الجـــديد لوجدنا أنه على المدى القصير والمتوسط سيكون منهمكاً بالتكيّف مع الوضع الديموقراطي الجديد في محاولة بسط نفوذه على حساب السلطة التنفيذية من أجل تحقيق المنافع السياسيّة والإسترزاقيّة لأفراده، لا سيما في ظل هشاشة الكثير من كتله النيابية وضعف إرتباطها الأيديولوجي.وبدورها فإن الإجابة على سؤال مدى جديّة النظام في فتح صفحة جديدة للعهد هي إجابة موضوعيّة غير مُسيّسة قائمة على أدلّة مُستقاة من منهجية عملية مرتبطة بخطوات وتدابير قانونية وإجرائية. فنجاح أو فشل هذه التدابير سيكون بالتأكيد رهناً بالمعوّقات البيروقراطيّة لإختلاف المصالح بين رأس النظام والمد البيروقراطي المتنامي الأطراف. ففي هذه الفترة الحرجة لا بد من أخذ زمام المبادرة في ظل هجمات المشككين بمقدرة الأردن على فتح صفحة جديدة للعهد بالقضاء على المحسوبيّة المُمنهجة وتعزيز الشرعيّة الوطنية للنظام إحتراماً لقيم النزاهة الوطنية وتطبيقاً لأعلى درجات الشفافية. لا سيما وأن الملك عبدالله الثاني مصمم اليوم اكثر من أي وقت مضى على تحديد البوصلة الوطنية الأردنية والتي قوامها توجّه عروبي حضاري مبني على القواعد الدولية لإحترام حقوق الإنسان في ظل مجتمعٍ مدنيٍّ يزهو بحصانته الإقتصاديّة وكفاءة مؤسساته الدستوريّة. محاضر أردني زائر في جامعة كامبريدج ورئيس برنامج الماجستير في القانون المالي الإسلامي في جامعة BPP/لندنqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية