عمان ـ ‘القدس العربي’ من بسام البدارين: شكل امتناع قوى المعارضة الاساسية في الاردن عن مباركة ورعاية موجة المسيرات التي كانت مقررة الجمعة علامة فارقة في مستوى التحضيرات لايقاع شعبي رسمه بعض هواة تنظيم الاعتصامات على صورة دعوى عامة لاسقاط حكومة الرئيس سمير الرفاعي رفض التجاوب معها المحترفون المختصون في الاحزاب الكبيرة.
وبالتوازي قدمت الحكومة نفسها امس نموذجا على الديناميكية والمرونة والتعقل عندما تدخل المستوى الامني لاحتواء موجة المسيرات وتخفيف حدتها في الوقت الذي اجتمع فيه الوزراء المعنيون لعدة ساعات وخرجوا بوصفة مرنة تحاول امتصاص احتقان الشارع قوامها الاساسي اجراءات محددة لتخفيف الاسعار على رأسها التراجع عن ضريبة معلنة على المحروقات.
وكل ذلك حصل بعدما تدخل القصر الملكي بتوجيهات مباشرة طالبت الحكومة باجراءات سريعة وفعالة لكبح جماح الاسعار.
وخلال الـ 48 ساعة الماضية في الاردن شهدت البلاد تطورات سياسية وحزبية دراماتيكية ومثيرة تؤشر على منسوب المرونة في الحياة السياسية العامة. واعلنت شخصيات معارضة سلسلة مسيرات في خمس محافظات في المملكة في اليوم الاول، ثم رفض الاسلاميون اعتبار انفسهم حلقة في هذا الترتيب، وصدرت التعليمات الملكية واستدركت الحكومة وتراجعت ثم لجأت للترحيب بالتعبير السلمي عن الرأي. وما حصل عمليا يثير عدة اسئلة لا تخلو من الحرارة تبدأ من الطريقة التي اعلن فيها عن مسيرات الجمعة بشكل مجهول وتنتهي بالبحث عن مبررات واسباب ترفع الاسلاميين عن المشاركة بالحفل رغم اهتمامهم بتشبيك العلاقات مع القوى الجديدة في المجتمع وتمر بالسؤال الاكثر ازعاجا: ما دامت الحكومة كانت قادرة على الاستدراك اصلا والتخفيف عن الناس فلماذا لجأت اصلا لرفع الاسعار؟
داخل مجلس النواب لاحظ النواب المستقلون بأن الحكومة لم تشاورهم بالامر كله كما فعلت مع رؤساء اللجان والكتل.
لكن الخبراء في اللعبة البرلمانية سجلوا ملاحظة اكثر اهمية: لماذا لم تسلف الحكومة مجلس النواب قصة تراجعها عن قرارات الاسعار الصعبة تعزيزا لصورة المجلس امام الرأي العام خصوصا وهو المجلس الذي منح الحكومة ثقة بمنسوب 93 بالمئة؟.. واذا كانت الحكومة قد تراجعت بمجرد تلويح شخصيات محلية مغمورة بمسيرات واعتصامات في المحافظات، فأين ذهب كلامها العلني في البيان الوزاري عن سياسة العلاج الذي يتطلب بعض الكي والالم؟
رغم هذه الاسئلة يعتقد ان الاجتماع الطارىء الذي استمر مساء الثلاثاء لعدة ساعات بين زوار الطاقم الاقتصادي لم يصل الى نتيجة، فيما كان عشرات الصحافيين بانتظار مؤتمر صحافي للاطلاع على النتيجة.
وكل هذا الصخب يحصل فيما يخرج خبير اقتصادي مهم وموثوق من العهد الماضي هو الدكتور جواد العناني الرئيس الاسبق للديوان الملكي ليقول للاردنيين علنا: العام الحالي صعب جدا وقد تحصل مشكلات والاوضاع مؤلمة.
الوضع صعب ومعقد.. هذا ما يقال في كل مكان في الاردن، لكن المفارقة الاصعب تتجلى بالتفاصيل والوقائع فكل الجدل الذي غرقت به البلاد نتج الخميس الماضي، ومباشرة بعد هتافات ابناء مدينة ذيبان الفقراء جنوبي عمان العاصمة لاسقاط الحكومة، في الوقت الذي امتلأت فيه مواقع صحافة الشبكة بتعليقات ليست ضد الحكومة بل ضد عائلة رئيسها. في عمان هذه الايام لا يريد اي من صناع القرار اي نقاش في الواقع الاكثر تعقيدا.. شاب واحد فقط تحدث عن مسيرات واعتصامات حاشدة يوم الجمعة.. هذا الشاب هو علي السنيد عامل المياومة النشط الذي جعله وزير زراعة سابق بطلا قوميا عندما فصله من وظيفة قوامها ثمانية دولارات في اليوم الواحد فأصبح رمزا لتداعيات التخطيط الاقتصادي البائس. السنيد الشاب هو الذي قاد مسيرة ذيبان وهو الوحيد من بين نحو 2000 معارض اصلي وتايواني- على حد تعبير الكاتب الساحر يوسف غيشان- الذي خرج للعلن ليتحدث عن اتصالات مع المحافظات لتنفيذ مسيرات جماعية.
النتيجة هنا غاية في الغرابة، فالسنيد غير مسيس وغير حزبي ولا يمكن بحال من الاحوال القاء الاتهامات الكلاسيكية المعتادة عليه، ولا تربطه اي اتصالات بالخارج ولا حتى بأحزاب الداخل، ولا علاقة له بالنضال من اجل الديمقراطية والحريات وهمومه تقف فقط عن لقمة الخبز للعمال والتعامل معه باحترام بدلا من الازدراء.
رغم كل ذلك ارهق الشاب الفقير الحكومة وهدد باسقاطها وتطلب الامر اجتماعات طارئة للوزراء ومؤتمرات للناطق الرسمي، والاهم تراجعت الحكومة حتى عن بيانها الوزاري.
حصل ذلك في الوقت الذي تحدث فيه عن مظاهرات الجمعة السنيد فقط وليس ليث الشبيلات او حمزة منصور او زكي بني ارشيد او عبد اللطيف عربيات، وكذلك ليس المندسون من حزب البعث الذين كانت تتحدث عنهم الحكومة عام 1996 وتحملهم مسؤولية السعي للاخلال بالامن. وعليه يصبح السؤال الاصعب: ماذا لو قرر هؤلاء العودة للشارع كشركاء للعمال النشطاء فهل تسقط الحكومة ام تهوي؟