الارض بين الالم والتصميم

حجم الخط
0

الارض بين الالم والتصميم

عبد الستار قاسمالارض بين الالم والتصميم التهم جدار الصهاينة المعتدين الارض التي جُبل ترابها بعرقي وعرق اجدادي. كانت السواعد السمراء تحرثها وتزرعها وتقيم فيها الحياة النابضة المكتنزة بعبق الزرع والخيرات والظلال وخرير المياه العذبة المتفجرة من باطن الارض. يقول لي الآخرون ان الارض لم تعد تلك الخضراء اليانعة، وتحولت الي تلك الاشواك اليابسة. منذ ان اختفت الارض وراء تلك القوالب الاسمنتية التي تشهد علي احقاد الصهاينة واطماعهم وعدائهم للانسان والعطاء لم انظر باتجاهها حتي لا اري عرق اجدادي وقد طويت صفحة امداده الارض بالحياة.انطلقت وافراد اسرتي بالسيارة من طولكرم الي بلدة دير الغصون التي ننتمي اليها، وفي الطريق قال لي الاولاد بانهم اشتاقوا لرؤية الارض ولو من بعيد. كبت انفاسي واحترت امام المشهد الذي كنت اتحاشاه علي الدوام. انا لا اريد ان انظر الي الارض لانني لا اريد ان اتألم للمنظر الكئيب الذي يثير في نفسي ذكريات الطفولة والصبا والشباب، وفي نفس الوقت اريد لابنائي ان ينظروا دائما الي ارضهم التي يقع عليهم واجب تحريرها. كما الآباء الفلسطينيون، اشرح لهم باستمرار عن الارض التي فقدها جدي عام 1948، وعن هذه الارض التي فقدتها انا عام 2003، ووصيتي دائما: ان لم استطع انا تحرير الارض فالمسؤولية تنتقل اليكم، واعلموا ان ارضكم ليست قطعة من اليابسة وانما هي ارض مقدسة، واعلموا ان لا قيمة للانسان الذي لا ينتصر لحقه ولا يصر علي استعادته .طلبت من السائق ان يتوجه نحو الارض. بدأت اشعر بالغليان في داخلي، واحسست بنيران تشتعل في صدري. الضيق لا يتمثل في ان الارض قد غابت مؤقتا، وانما يتمثل ايضا في انني لا املك الآن وسائل تحريرها وتطهيرها من دنس الغزاة. تزاحمت اللوات في ذهني: لو كنت املك صاروخا، او كنت امتشق بندقية تخترق الدروع، لو كنت احمل عبوة كيماوية تنتشر بسرعة مع هبوب الريح، او لو كنت قد حصلت علي غرامات من اليورانيوم المخصب …. الارض في جوانحي وعمق مشاعري، فهي قلبي وعقلي وذكرياتي وتاريخي، وفي آمالي وتطلعاتي، وما اصعب من ذلك ان السنين تمر وما زلت ابحث عن وسائل تخليصها لكي اعود الي نفسي، وأتحد مع تاريخي، وافي بمتطلبات ديانتي التي تفرض علي الجهاد ضد الغزاة والظالمين.ما ان وصلت بنا السيارة الي المنحني الذي يختفي خلفه المشهد الاليم، حتي طلبت من السائق ان يتوقف. خرجت من السيارة وطلبت منه ان يتقدم بابنائي لان ألمهم قد يكون اخف وطأة من المي، ورغبتهم في الثورة والتحرير قد تكون اقل من رغبتي. ليروا الارض الاسيرة التي تئن تحت وطأة الاعداء، ولترسخ في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم كعنوان للشهامة والاباء والشجاعة والتكامل الانساني. عليهم ان يتعلموا ان لا قيمة لهم وحقهم قد سلب منهم عنوة في وضح النهار وامام امة عربية تمتد من الخليج الي المحيط.ادرت ظهري وانا احمل في راسي ذلك الحشد من الافكار الذي لم يغب عني علي مدي اكثر من اربعين عاما. كنت في صباي اتحرق من اجل الارض التي فقدها جدي، واتطلع الي اليوم الذي اخترق فيه خط وقف اطلاق النار لأعود الي زيتونها وبصلها وقثائها محررا رافع الراس؛ اما الآن فقد عظمت المسؤولية وثقلت الاحمال. فقد جدي الارض، وانا افقدها دون ان افي للسنين ما وعدت به بان غيابي لن يطول.لكنني اهوّن الامر علي نفسي قليلا فاقول بانني قد فشلت عبر هذه السنين الطوال، لكنني لم استسلم، وما زلت مصمما علي اقتلاع الغزاة، وسافعل باذن الله. وان لم انتصر، فانني اكون قد انتقلت الي العالم الآخر وقد حاولت بجد واجتهاد. ربما اموت مهزوما، لكنني لن اموت ذليلا.عاد اولادي وقد جددوا عهدهم مع ارضهم وارض اجدادهم. لم اسألهم عن حال الارض، وتجنبوا هم ان يرووا لي ما اتخيله من منظر كئيب. لكن الصغير سأل عن الذين يريدون الاعتراف باسرائيل ومآل الارض بعد ذلك. قلت له بان لا يستمع الي كل هذا الكلام الذي لا يليق بأمة عربية عظيمة ذات تاريخ مجيد. هذه امة ذات حضارة وعبقرية وابداع، ويأبي التاريخ ان يسير وهي واهنة، فجرها آت، وذلك الثوب القاتم الذي ترتديه يتمزق متهاويا امام بريق ثوب الكبرياء. نصحته الا يستمع الي عبارات لا تفهم منطق التاريخ ولا تتماشي مع عراقة الامم، وافهمته كيف تنهار الكثير من التصريحات السياسية التي تصدر عمن يملكون الصواريخ والقنابل النووية امام مجاهد واحد لم يبلغ من العمر عشرين ربيعا. وذكرته في كيف تداعت اثنتان وثلاثون دولة الي اجتماع في شرم الشيخ للتداول حول عمليات استشهادية لم تكن حمولتها اكثر من خمسين كيلوغراما من المتفجرات.قد لا يملك المرء الوسائل، لكنه يستطيع ان يبتكرها اذا امتلك الارادة. ما خاب من صمم علي الوصول، وكل الخيبة تلحق بالمتثاقلين الذين يعشقون القيعان والحفر. ہ كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية