الارهاب بين المدينة والذاكرة
محمد انوار محمدالارهاب بين المدينة والذاكرة الكتابة عن الارهاب كالسير علي سطح مائل: التوازن رهين بعوامل موضوعية وذاتية. مخاطر الانزلاق ترتبط بالهاجس العلمي، والمعيار الاخلاقي. تفهم احيانا محاولة الفهم كتغيير لمنحي النظر نحو اشياء، يستحب من زاوية معينة تجنبها. لكن، في نفس الوقت، عدم السعي الي الفهم، يجعل الانخراط في النقاش السياسي المنمط، نوعا من الترديد لنفس التبريرات الاقل علمية والاكثر اخلاقية. ويبدو ان محاولة فهم الارهاب تساهم اكثر في المجهود الجماعي لمحاربته، دونما سقوط في شرك نظرة تبريرية مسبقة، او التزام مفرط بالموضوعية قد يفضي الي انحراف المحاولة الفهمية. لقد قاد التفكير في الارهاب، في مناسبات داخلية وخارجية، الي استحضار خطرين ناتجين عن التطورات التاريخية للمجتمعات البشرية. الاول يتعلق بالازمة المدينية، والثاني بأزمة القيم في اطار الانفتاحات الدولية شبه الحتمية.كل دول العالم تقريبا تواجه اشكالية الامن المديني المرتبط بآثار السياسات العمومية الوطنية والمحلية والحراكات الاجتماعية علي هيكلة المجال المديني، ومنها تنامي الاحياء الهامشية، كتلك التي تسمي في امريكا اللاتينية بـ المدن المتوارية . انها فضاءات تتمظهر فيها القدرية واللاعقلانية، وتجد فيها حركات الافكار المتعصبة ارضية خصبة (فقر، اقصاء، تهميش، اجرام، غياب الدولة، اللاامن…) لتفعيل مشاريعها السياسية والدينية، ومصادر لا تنضب لتعبئة مواردها البشرية (سهولة في الاقناع، الالحاق، التكوين، والاعداد…). وان تظهر جماعات تنتشر في فضاءات مشابهة، تتبني العنف كشكل من اشكال الاحتجاج الاجتماعي، او كتعبير عنيف عن ثقافة سياسية تحتية انشقاقية، لا يعتبر امرا مستجدا بتأمل الصراعات المدينية في مختلف دول العالم.الخطر الثاني يتمثل في ازمة الذاكرة في خضم ديناميات دولية تنحو عبر استراتيجيات ممنهجة، الي مسح الذاكرات والهويات. ان استراتيجية الولايات المتحدة ترتكز في بعض جوانبها علي الهدم واعادة البناء. الهدم الثقافي والتفكيك الاجتماعي لتشكيل المجتمع من جديد، واكثر من ذلك اعادة تشكيل المجتمع الدولي. استراتيجية نهجتها تقريبا كل الامم التي ابدعت مشاريع هيمنة. ويبدو ان اول من سلكها هو الفرعون المصري اخناتون الذي، لكي يخضع مصر والاقطار المجاورة لها، ابدع المعادلة العبقرية التالية: ان توحيد الاله سيؤدي الي توحيد السلطة ومركزتها، وبالتالي الي توحيد المجال الترابي. هذه المعادلة المتضمنة لفكرة الامبراطورية، تشكل جوهر التفكير الاستراتيجي للوسط القراري المركزي في الولايات المتحدة، ولو تحت مفاهيم فضفاضة، لكنها مقبولة كآلهة في اللحظة الراهنة الحرية . تطبيق هذه المعادلة يمر عبر بناء سياق استراتيجي عالمي مستقبلي للعالم، وهذا يعني بتركيز ثلاثة اشياء: اولا، تنميط الرهانات، اي تحديد اجندة عالمية تكون بمثابة مرجعية للفاعلين في الحقل الدولي تهيكل الاولويات التي يجب ان تحظي باهتمامهم والمساهمات الممكنة لانجازها. ثانيا، تقعيد السياقات، بان تضع بمشاركة الحلفاء قواعد قانونية دولية جديدة كتلك التي تحافظ علي علاقات القوة القائمة، او المرتبطة بوظائف بعض المنظمات الدولية. ثالثا، ترتيب اوضاع القوة، وياخذ الامر هنا شكل وضع النقاط فوق الحروف: مركزة السلطة العالمية في واشنطن التي تمتلك لوحدها حق الاستعمال الشرعي للعنف متي كان ذلك ضروريا، وان ترسم دوائر للصراع علي سلط هامشية في مجالات، غالبا اقتصادية او سياسية لا تأثير لها علي وضع القوة القائم. امام هذا الواقع، تحس جماعات معينة بخطر الانمحاء والانمساح، وتتجه عن وعي الي تبني استراتيجيات البقاء، وتندفع الي دائرة الاخلاق اليقينية التي ترتكز في العمق علي مانوية جامدة: رسم حدود بين الخير والشر، الكفر والايمان، الـ نحن والـ هم ، رفض لكل تعايش قيمي.ليس امرا صعبا تلمس وادراك احباطات الانتماء الديني والانتماء الاجتماعي، بعبارة اخري احباطات الهوية السوسيو-دينية: الانتماء الاجتماعي الي شرائح اجتماعية منسية، ذات دخل ضعيف، غير آمنة، تشتغل في القطاع غير المنظم، مقهورة، واعية بتباينات انماط العيش والامكانيات المتوفرة لتحسين شروط وجودها من جهة، والانتماء الديني الي امة مهيمن عليها سياسيا، وثقافيا، واقتصاديا من جهة اخري. النتيجة: احساس باللاعدالة وحقد كامن ينتظران من يحملهما من عالم الاستسلام القدري الي عالم التمرد العنيف. ويبدو واضحا حضور كلا الخطرين في العمليات الارهابية، فلا احد يجادل في انتماء الشباب المنفذين الي الفضاءات القدرية، المهمشة، المقصية، والفقيرة، كما ان التماهي مع افكار عابرة للدول، والمناهضة لامريكا وانظمتها الاستراتيجية الفرعية لا غبار عليه.ظاهريا، تركز تكتيكات المجموعات الارهابية علي ضرب الاسس الاستراتيجية للولايات المتحدة. العملية الارهابية تؤدي الي تدابير امنية صارمة (قوانين، مخططات امنية، اعدادات عملياتية…)، مما يهدد الانظمة الديمقراطية العريقة نفسها، وليس فقط الانظمة السائرة في طريق الديمقراطية. العمليات الارهابية تهدد الديمقراطيات الناشئة بتحويلها الي انظمة شمولية، او علي الاقل بوليسية. وهذا يجعل من الطموح الامريكي لتنميط العالم، ومسح اختلافاته وتمايزاته فارغ المعني. في حين ان اصرار هذه الديمقراطيات الناشئة علي عدم التراجع عن المضي قدما في مشروع المجتمع الديموقراطي يعتبر من قبل المجموعات الارهابية خسارة استراتيجية، ويجعل من تضحياتها اعمالا بلا اثر. بهذا الصدد، يطور الخصمان (الولايات المتحدة والمجموعات الارهابية) اساليب ومناهج متكيفة وراديكالية. كلاهما ينفي الآخر: التضاد. كلاهما يتبني استراتيجية الآخر (العنف للقضاء علي العنف): التماهي. كلاهما يدرك ان بقاءه في استمرار الآخر: صراع ارادات لا بد منها.يفجر الارهابي اسئلة تحتاج الي اجوبة. ويبدو صعبا القضاء علي اللايقين المرتبط بالارهاب بدون الاخذ بجميع المقاربات الممكنة وطنيا ودوليا. ان المقاربة الامنية (البوليسية، التشريعية…) ضرورية، لكنها يجب ان تستكمل بمقاربة سوسيو-اقتصادية: الذهاب مباشرة الي مشاتل التهديد وغرسها من جديد (سكن لائق، شغل، كهربة، تزويد بالماء، مساعدات اجتماعية، شروط ملائمة للحياة…)، وبمقاربة امنية جماعية عالمية متوازنة وعادلة مؤسسة، اساسا، علي حل النزاعات الشرق الاوسطية. المقاربات الوطنية والدولية يجب ان تكون متكاملة ومتناسقة، لان الابعاد الخارجية تتشابك مع الابعاد الداخلية، والتمييز بين الارهاب الداخلي والارهاب الدولي اصبح غير ذي معني في اللحظة الراهنة.ہ باحث من المغرب8