محمد عبد الخالق بكريصار ارتباط العرب بصفة خاصة والمسلمين بصفة عامة بالارهاب عملة رائجة ليس على مستوى الاعلام الغربي فحسب بل ايضاً على مستوى الدوائر الاكاديمية التي تدعي لنفسها الحيدة والموضوعية. ومنذ ما يقارب العقد من الزمان انهمر سيل من الدراسات تحفر في عقل العربي والمسلم كظاهرة باثولجية فريدة، فجاء تفسير ظاهرة العمليات الانتحارية بالاعتماد على علم النفس تارة، وعلى الفقر المدقع للمسلمين تارة اخرى، واحياناً على احساس ممض بالهزيمة والامتهان يعاني منه هذا العربي والمسلم، وكثيراً ما يمتد التفسير لاتهام حضارة العرب والمسلمين باسرها بالعقم والعجز عن تقديم اي شيء خيّر للانسانية. وقد صار لثقافة العداء للعرب والمسلمين رموزها امثال دانيال بايب، رئيس منبر الشرق الاوسط الامريكي وصاحب مقولة احساس الامتهان والمذلة كتفسير لظاهرة العمليات الانتحارية، فقبل ايام من انفجار الانتفاضات العربية كتب بايب في موقع (الحوار الكاثوليكي) في 8 كانون الثاني/ يناير 2011 تحت عنوان ‘العالم العربي: وابتكار الارهاب’، كتب: ‘لقد مضى زمن طويل منذ قدم الناطقون باللغة العربية خيراً يعتد به للبشرية، قل مثلاً تصنيع دواء جديد، او قل اختراعاً تكنولوجياً، او فعلاً ما في سبيل ترسيخ الديموقراطية او حقوق الانسان’. ويمضي بعدها في سرد دقيق لتفاصيل عملية انتحارية تمت في العراق لينسجم متن مقاله قصير القامة مع عنوانه الذي ينسب اختراع الارهاب للعرب. لم يمض اكثر من اسبوع على مقاله وامسكت الانتفاضات العربية بتلايب العالم فالقمت دانيال بايب حجراً فصمت لحين. لكن صمته لم يستمر طويلاً فقد كتب في نفس الموقع انه يستنكر تسمية ما يحدث في بلاد العرب بربيع العرب، وبل يقترح تسميته بشتاء العرب وذلك لان بن علي ومبارك رحلا في الشتاء والانتفاضات في سورية وليبيا واليمن والبحرين بدأت في الشتاء ومر الربيع ولم تسفر عن شيء بعد. قد نلتمس العذر للسيد بايب في هذا التخريج، او بالاحرى الطبيخ، فيما يتعلق بانتفاضات العرب فهي ليست مجال تخصصه، وكما اوضح بنفسه لم يطف بذهنه خروح العرب من اجل الديموقراطية او حقوق الانسان، فالرجل متخصص في ارهاب العرب الذي اعتبره اختراعهم الوحيد واضافتهم لركب الحضارة الانسانية. لكن حتى في هذا الحيز الضيق من التخصص لا تنتهي متاعب بايب واضرابه من افراد ومؤسسات، فلم يعد العلم المغشوش يسد رمقاً في تفسير ظاهرة العمليات الانتحارية والارهاب وظهرت ابحاث جديدة ورصينة جعلت من الصعب الصاق الارهاب بعرق ما او ديانة او مذهب. الأخبار السيئة لدانيال بايب تكمن في ان الاوساط الاكاديمية ومنذ اواخر العام الماضي قد انشغلت بخلاصات فريق من الباحثين بجامعة شيكاغو يقودهم بروفسور روبرت بيب وبتمويل جزئي من وزارة الدفاع الامريكية توصلت الى ان الارهاب وعلى وجه الاخص العمليات الانتحارية يرتبط ارتباطا الزاميا بحا لة احتلال قوات اجنبية لقطر ما او اقليم ما ينخرط قاطنوه في مقاومة القوات المحتلة. درس بروفسور روبرت بيب وفريقه 10000 وثيقة تضمنت تفاصيل 2200 عملية انتحارية تم تنفيذها في الفترة منذ عام 1983 وحتى عام 2009، وخلص الى انه لا يمكن للمراقب تصور عملية انتحارية دون ان يكون محركها الوجود العسكري الاجنبي في شكل من الاشكال. وللمفاجأة كان تنظيم نمور التاميل في سيرلانكا صاحب القدح المعلى في بداية وانتهاج العمليات الانتحارية وليس العرب او المسلمين. ويذكر بيب لدهشة الكثيرين ان عددا من المنفذين لعمليات حزب الله الانتحارية ضد القوات الامريكية في مطلع الثمانينات كانوا في واقع الامر عربا مسيحيين وليس مسلمين على الاطلاق. تمت الدراسة بمقاييس علمية صارمة، وليس من خلال عينات عشوائية يشوبها الغرض، كما انها خلت من ايدولوجيا التجريم والاقصاء التي دوماً ما تتلحف برداء العلم وتطبع ما عرف بدراسات الارهاب باجندتها. وعلى رغم من التفات الدوريات العلمية والمجلات المتخصصة الي دراسة بروفسور روبرت وفريقه مؤخراً بالعرض والتحليل الا انها لم تجد حظ الرواج في منافذ الاعلام الاكثر شيوعاً، مثلما تحظى آراء بايب التي تدعى العلمية زوراً. فقد ظهرت دراسة روبرت بيب الاولى بنفس فرضيتها الحالية عام 2003 في دورية (امريكان بوليتكال ريفيو)، وكانت العينة التي درسها تحتوي آنذاك على 187عملية انتحارية هي كل ما شهده العالم من هذا النوع من الهجمات في الفترة من 1980 الى 2000، لكن الدراسة لم تكسر طوق التعتيم الذي تفرضه سياسة العداء للعرب. واستغرق الامر قرابة سبعة اعوام لينتبه صانعو السياسة الامريكية لامر هذه الدراسة، فقد تمت فقط في اكتوبرتشرين الاول العام الماضي دعوة بروفسور روبرت بيب من قبل مجلسي النواب والشيوخ الامريكي لتقديم خلاصة دراسته. وبالطبع فمن المفترض ان تأثر مثل هذه الدراسة تأثيراً كبيراً ليس فقط في ازالة الاوهام عن صورة المسلمين والعرب وثقافتهم، بل في النظرة لمخاطر الاحتلال والوجود العسكري الاجنبي في اراضي الغير. وهذا ما لا ترضاه دوائر بعينها تتعيش على السردية السائدة حول الارهاب. لذلك تشكل مثل هذه الدراسة خطراً على مشروعها وستواجه بعداء شديد مثلما كشفت العروض القليلة لها حتى الآن في بعض المواقع على الانترنت. وواقع الامر قد شعرت هذه الدوائر ومنذ فترة مبكرة تعود الى السنوات الاولى بعد هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر ان فرضية الربط بين العمليات الانتحارية والاحتلال الاجنبي لا بد ان تختبر علمياً طال الزمن او قصر، لذا تحوطت بسيل من الاوراق والبحوث المدعاة لفصم العلاقة بين الاثنين. فعلى سبيل المثال نشر موقع وزارة الخارجية الاسرائيلية مقال طويل بعنوان (ما الذي جاء اولاً؟ الارهاب ام الاحتلال؟) ليدلل على ان ارهاب العرب سبق احتلال الضفة الغربية وغزة وذلك عن طريق قائمة طويلة بعمليات فدائية يعود اولها الى منتصف عام 1952. الامر الذي يغفله المقال ان ظهور اسرائيل على وجه الارض قد بنى على فكرة الاحتلال نفسها.
اما على مستوى مؤسسات البحث العلمي فقد نشر معهد هوفر، الذي يتمتع دانيل بايب بزمالته ورقة في نفس العام كتبها تشالز هيل تحت عنوان (الخرافة والحقيقة حول ارهاب العرب) لينفي في صدرها صفة مقاتلي الحرية عن الفلسطينيين ويؤكد ان الذين يقولون بان تسوية سلمية عادلة في المنطقة ستنهي الارهاب واهمون وجاهلون بحقائق الشرق الاوسط، التي يبدو من ضمنها، حسب منطقه، ميل العرب الفطري نحو الارهاب. كسرت دراسة بروفسور روبرت وفريقه بصرامتها العلمية ووفاءها لمناهج البحث العلمي المتعارف عليها احتكار حفنة من سماسرة المفاهيم، ومهدت الطريق امام طلاب العلم لهجرة الارهاب وكباب الاكاديميين من شاكلة دانيال بايب واضرابه. ‘ كاتب سوداني