الازمة الفلسطينية : استعصاء عابر ام مأزق دائم!

حجم الخط
0

محمد العبد الله ہ

انقضت ستة اسابيع علي نتائج الحسم العسكري الذي حققته حماس وتتوج بسيطرتها التامة علي قطاع غزة. ومع ذلك، فما زالت الساحة الفلسطينية اسيرة هذا الحدث الاستثنائي، الذي يدفعنا للقول وليس للادعاء، بان تداعيات ما حصل في منتصف شهر حزيران/يونيو المنصرم ستنعكس آثاره علي مسار الحركة الوطنية الفلسطينية راهناً ومستقبلاً، وستتاثر بدرجات متفاوتة، طبيعة العلاقات الانسانية الحميمة، التي شكلت المادة الصمغية للنسيج المجتمعي الفلسطيني عبر عقود من الزمن. ان مظاهر الازمة الراهنة لم تتوقف عند ظاهرة الحكومتين، ولا في السجال العبثي المفتوح عن الشرعية ودور المجلس التشريعي، والاستحضار الوظيفي للهيئات المشلولة والفاقدة لمهامها ودورها منذ عدة سنوات كـ المجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بل في تخطيها لـ الخطوط الحمر! التي تحولت الي دماء حمراء نازفة. وقد جاء كل ذلك بالتزامن مع عمليات شحن النفوس والعقول، التي غذاها ذاك الكم الهائل من الاعلام المرئي والمسموع، وعلي مواقع الانترنت بين الطرفين المتصارعين. فالاشتباكات الدموية بين طلاب جامعتي بير زيت والنجاح، والاعمال الفظيعة والبشعة التي شهدتها بعض مناطق غزة والعديد من مدن وبلدات الضفة، تشير الي امكانية الوصول للقطيعة الكاملة بين حركة حماس وقيادة السلطة في رام الله. ان رصد سلسلة التصريحات التي قذفت بها تلك القيادة في وجه المجتمع الفلسطيني، لا تعبر فقط عن فقدان التوازن السياسي، بل تكشف عن حالة الازمة التي يعاني منها التيار الاوسلوي، الذي يعمل ـ منذ سنوات ـ علي تسويق رؤيته العاجزة والقاصرة، عن سلطة ذات سيادة. ان العبارات التي تحدث بها محمود عباس لاجهزة الاعلام عن (الانقلابيين الدمويين، والربط بينهم وبين القاعدة ) تشير الي دلالات خطيرة، تاتي في مقدمتها تشجيع العدو الامريكي/الصهيوني علي تشديد الحصار علي القطاع، وتهيئة الظروف عالمياً واقليمياً لعملية عسكرية واسعة تقوم بها قوات الاحتلال تحت دعاوي ملاحقة الارهابيين وتنظيف القطاع منهم. وبذات الاتجاه، جاء كلام وزير الاعلام في حكومة الطواريء وتسيير الاعمال رياض المالكي اثناء تعقيبه علي ازمة معبر رفح التي يعاني منها آلاف الفلسطينيين ليفضح الدور الوظيفي لحكومة سلام فياض في تقديم المعلومات ـ او فبركتها ـ للتحريض علي ابناء الشعب (يوجد ضمن العالقين علي المعبر، العشرات من المتشددين الذين تلقوا تدريباتهم في ايران ومن بينهم سيدتان). ان المخرج الموضوعي من الحالة الراهنة، يتطلب تحكيم العقل الوطني في معالجته لمقدمات الحدث الاستثنائي. فالخطوات الانقلابية لم تكن تلك الاجراءات المؤلمة التي عصفت بالقطاع في منتصف شهر حزيران (يونيو)، بل هي كل المسلكيات التي عَبّرت عن نفسها باشكال من الدعوة الي ترقيص حماس خمسة بلدي وصولاً الي الاشتباكات المسلحة المتعددة، والتي قد بدات خطوات التحضير لها، مع الاعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية التي ادت لفوز حركة حماس. ان عقلية المحاصصة الثنائية الفصائلية عبّدت الطريق الي التسابق علي سلطة موهومة، لا تمتلك مقومات البقاء والتحرك والتطور خارج ارادة المحتل، ولهذا فان الخطوات المتلاحقة والمتسارعة التي ادت الي هذا الانقسام الجغرافي والاداري لا يمكن علاجها بالمزيد من التفتيت المجتمعي والمؤسساتي، ولا بالهروب الي الاستحقاقات التي تطلبها القوي الدولية والاقليمية المعادية لنضال شعبنا ـ استخدام عبارات الاساءة للمقاومة المسلحة، وتحويل الفدائيين المقاتلين الي مطاردين وخارجين علي القانون، طالما لم يسلموا انفسهم للاجهزة الامنية الاوسلوية، واصدار فرمانات من اجل سحب السلاح المقاوم ـ هذا السلاح الذي يتصدي للاعمال العدوانية الوحشية علي شعبنا، كما برز قبل يومين في غزة. ان كل هذه الخطوات لا تعمل علي تهدئة الاوضاع بمقدار ما تزيد من الانقسام الداخلي، وتدفع بالمقابل الي اصطفافات جديدة، وهو ما عبرت عنه الحالة الفصائلية المجتمعة (بيان القوي السبع) بعد انفضاض جلسات المجلس المركزي في رام الله والتي باركت فيه الدعوة لـ(اجراء انتخابات مبكرة)، والتي اقدمت بخطوتها تلك علي صب الزيت علي جمر الازمة. ان اية انتخابات ـ رغم عبثيتها وعدم جدواها في ظل الاحتلال ـ لا يمكن لها ان تحقق الهدف المرجو منها في ظل انقسام عام يعاني منه المجتمع وقواه السياسية، وفي اتساع رفض العديد من القوي لاجراء الانتخابات قبل التوافق الوطني حول العديد من القضايا الهامة.

ان الحوار الوطني ـ ويجب التشديد دائماً علي ضرورة ان يكون وطنياً ـ غير المشروط هو المخرج الوحيد من الازمة. لكن الملفت لنظر المراقبين، كان اصرار محمود عباس علي اغلاق باب الحوار، والتنصل من الاتفاقات السابقة (اتفاق القاهرة نموذجاً) والاصرار علي توسيع الهوة بين القيادتين في رام الله وغزة. ان مطالبة حركة حماس بالتراجع عن نتائج حسمها العسكري، وتسليمها بشروط قيادة رام الله لا يعدو كونه ضرباً من المستحيل. لكن قيادة حركة حماس مطالبة ايضاً باجراء مراجعة نقدية موضوعية لمسيرتها، منذ قرارها بالوصول الي سلطة استندت وقامت علي اساس اتفاق اوسلو الذي ترفضه الحركة، ووصولاً الي استخدام السلاح ـ مع ما رافقه من ممارسات بشعة ـ بغرض حسم ازدواجية القرار والمرجعية. ان استمرار الحالة المازومة والجاهزة للتفجير في كل ساعة، في مناطق الضفة وغزة، يكشف للجميع طبيعة المازق العام الذي تعيشه قوي العمل السياسي، مما يدفع بكل الحريصين علي حماية المشروع الوطني التحرري وعلي ديمومة المقاومة، للعمل من اجل لعب دور فاعل ومؤثر في ضبط ايقاع الحركة السياسية. ان حرص كل الوطنيين علي ان لا يحفر شعبنا قبوره باظافره يتطلب تنظيف الحركة الوطنية من كل الادران التي نشأت وترعرعت بها، والتوحد علي برنامج وطني/ديمقراطي وتقدمي يصون وحدة المجتمع، ويرفع درجة الاستعداد لمجابهة العدو المحتل، وقَبْرِ كل مخططاته ومشاريعه.

ہ كاتب ومعتقل سابق للرأي من سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية